مثقفو طبل الصفيح

في رواية الكاتب الألماني غونتر غراس «طبل الصفيح» – صدرت سنة 1959 – يظهر الطبل جزءاً من دلالات متعددة أهمها الاحتجاج، والتشويش على العالم من لدن طفل يرفض أن يكبر، ولعل الشاهد يتمثل بالطبل الفارغ، بيد أن المفارقة تتحقق حين نرى عقولاً أقرب إلى طبول فارغة، وعليه فلا يمكن أن ننتظر منها شيئاً. تتملك كلمة المثقف جملة من المفاهيم والاشتراطات التي ما فتئت تثير الجدل بصورة متصاعدة ومتحولة، غير أن أهم اشتراطات المفهوم بوصفه «براديم» ما يتعلق بالسياق الذي يعايشه المثقف من أحداث، ورؤية للتاريخ، والأهم الواقع الذي لا يمكن إدراك ما يكمن فيه، دون أدوات تتطلب شيئاً من الإكراهات لا للتخلص من قناعات فارغة فحسب، إنما من توجهات تعكس ضيق الأفق في وقت أمست فيه الثقافة والمثقف من أكثر الكلمات استهلاكاً، ومدعاة للغثيان، حيث يمكن لأي شاء أن يدّعي مقولة المثقف، أو ما يمكن أن ننتعه بالمثقف تجاوزاً، بيد أنه لا يمتلك من مواصفات المثقف سوى القدرة على القراءة والكتابة.

غير أنّ السؤال الأهم هل يجعل نشر كتاب، أو حتى منشور على مواقع التواصل الاجتماعي من شخص ما مثقفاً؟ وهل يمكن أن نقيم اتصالاً بين الكاتب والمثقف؟ ولعل هذا يقودني إلى ما يمكن أن نلاحظه من تمايز بين ما يخطه مؤلف ما في كتاب، وما يتخذه المثقف من موقف. ما يُعيدنا حقيقة إلى تعريف المثقف، وذاك الجدل الذي يجب أن نفرغ منه، بما في ذلك مقولة أنّ المثقف لا يعني الأكاديمي الذي يمارس فعلاً خارجياً يكاد يكون معزولاً عن الواقع، وهذا النمط ليس مصدر الاهتمام هنا، ولكن المشكلة تكمن – حقيقة – في المثقف الذي يعتقد أنه يشكل حضوراً في الهم العام، وأنّ ما يخطه يشكل قيمة، ولاسيما في مرحلة حساسة من التاريخ، حيث وصل عدد الشهداء في فلسطين ولبنان أكثر من خمسين ألفاً، غير أن تحليلات البعض تكشف عن ضآلة مواصفات العقل، ولكنني في هذا السّياق سأتجاوز ما ذكرته في مقالات سابقة عن قيمة الالتزام إلى ما هو أهم، وأعني الاشتراطات التي تتيح لأي شخص أن يدعي الثقافة، ويغرقنا بتحليلات تعكس فقر المعرفة، والقدرة النقدية، والأهم تبني منظور متحيّز تبعاً لأيديولوجيات، ومصالح ضيقة.
أن تكون حاصلاً على شهادة دكتوراه في العلوم السياسية، أو غيرها من العلوم الإنسانية من جامعة أمريكية أو غربية، أو حتى عربية، لا يخولك أن تقدم أطروحات تشكك بالمقاومة، وتحملها المسؤولية، وتطعن في قيمة الشهيد، أو المقاوم، من منطلق التّماهي مع سلطة ما، أو نتيجة عداء تجاه عرق ما، أو نتيجة تجربة فردية… ذلك أقرب إلى قصور معرفي، فليس كل من أصدر كتاباً، أو ترجم كتاباً، أو أصدر رواية أو روايتين مكانهما الوحيد رفوف المكتبات، قادرة على أن تجعل منك مثقفاً، وأن ما تطرحه يتصل بحقيقة موضوعية، فثمة في عالمنا العربي جيوش من حملة الشهادات والكتاب والروائيين والشعراء، غير أنّ ذلك لا يعني أنهم يمتلكون ناصية الرؤية، والشاهد على ذلك أن مجتمعاتنا ترزح تحت وطأة مشكلات مزمنة منذ رحيل الاستعمار، على الرغم من وجود الخبراء الذين تشكلوا نتيجة مواضعات نموذج حضاري فاسد، وهذا ما يكشفه تردي المنتج التعليمي والثقافي والأهم الأخلاقي، كما ثمة إضافة جديدة تتمثل بمثقفي مواقع التواصل الاجتماعي، الذين يصدّرن ملفهم الشخصي بكلمة كاتب، وهو لم يكتب سوى على حائط موقعه لعدد من القراء لا يتجاوز بضعة عقول أقرب للعوام الذين لا يتقنون سوى التطبيل، لأي أحمق يهرف بما لا يعرف.

إن قيمة المثقف لا يعني توفر المحك الأخلاقي فحسب، إنما ثمة أيضاً معيار الوعي النقدي؛ بمعني القدرة على تحليل وتفسير القضايا المجتمعية والثقافية والسياسية، بالتوازي مع محاولة كشف الأنساق المضمرة لبعض الممارسات، والأفكار، والأهم توفر الموضوعية، ومنها على سبيل المثال مقاومة احتلال فشلت كل عمليات السلام، أن تحقق شيئاً أو مكتسبات، بل على العكس من ذلك شهدنا تراجعاً مسبوقاً بقيم النضال حتى بات العدو أقرب من الشقيق لدى البعض، وهنا نرى أن تصفية الوجود الفلسطيني أو قضيته بدا أمراً ملائماً للبعض، وما تفجر المقاومة إلا فعل تقويض لتلك الأطروحات، ولكن هذا أمر معروف وشائع، غير أنه من المستهجن، حين يأتي مثقف يدّعي الوطنية لنقد الفعل المقاوم بحجة توجهات سياسية ما، أو ربما بداعي ادعاءات الواقعية، أو نتيجة معاداة فصيل ما… إننا لا ندعو إلى تبني التوجهات الأيديولوجية للمقاومة، ولكن أن تتبنى معنى أو فلسفة المقاومة بوصفها حقاً مشروعاً، أو أن تكتفي بالانحياز للضحية، لا الجلاد، وفي وقت يبدو حساساً، فإن المعيار الثاني للمثقف يتصل بقدرته على الالتزام بالقضايا المصيرية، وتأجيل الخلافات الأيديولوجية حتى يتوقف الدم، وفي سياق محدودية التفكير لدى بعض المثقفين عجزهم عن تقديم طرح بديل للمقاومة، وربما ليس لديهم بديل سوى الاستسلام، والتصفية.

لا شك أن معظم المثقفين يفتقرون للاستقلالية ـ كما بيّن إدوارد سعيد – التي هي ليست من مواصفات واقعنا العربي، فالسلطوية والديكتاتوريات دائمة الحضور، وبدعم من سادة الغرب، الذين يتغنون بواحة ديمقراطية الشرق الأوسط، ونعني الكيان الصهيوني، الذي بات مصدر إعجاب لدى البعض، غير أن هؤلاء المثقفين عاجزين أو يتعامون عن محاولات أنظمة أو مخلفات النظام الاستعماري تقويض المعرفة الحقيقية عبر فرض السلطة والتحكم في الشعوب، بل إن بعضهم ما زال يعيش في مرويات تاريخية مؤدلجة قوامها، مقولات الطائفية والعنصرية، والشعبوية، مقابل تناسي القضية المصيرية التي أفرزت هذا التشوّه الذي نعاني منه كأمة عربية – إن صدقت هذه المقولة في يوم ما- فحمق بعض المثقفين يتمثل بعجزهم عن إنتاج معرفة تحليلية قادرة على التفاعل مع تمظهرات السلطة، وحقولها المختلفة، فيبدو أسير رؤية واحدة، ومكمن الخطورة أن بعض مدعي الثقافة ينحازون إلى سردية المجرم، في حين أنه تقريباً معظم مثقفي العالم من غير العرب يبدون أكثر شجاعة، ووعياً، كونهم يدركون الحقيقة، وينتقدون ـ الكيان المجرم – بصوت أكثر وضوحاً من بعض مدّعي الثقافة، أو الكتبة، لا لشيء إلا لأنهم مثقفون حقيقيون.
ربما لا يكاد يوجد مثقف في العالم إلا وانحاز إلى القيم الإنسانية لأن الحق مطلق الوضوح، باستثناء بعض العقول (العربية) التي ما زالت تصرّ على نقد الضحية التي مارست كل السبل للتحرر، وعند اختيار أي سبيل فإنه سيكون عرضة للنقد، والتشكيك، مع غياب أي رؤية يمكن أن يطرحها هؤلاء المثقفون، سوى لوم الضحية على المقاومة، وإذا كان البعض يسعى إلى مشاريع تحقق الرفاهية، والأمان، والتطور والازدهار بوصفه حقاً له، فإنه من المنطقي أن يبحث الفلسطيني عن حقه بكل السبل، شأنه شأن كيانات كبرى قائمة بذاتها، وتمتلك الكثير من القوى، ولعله من المُعيب أن تتخذ هذ الكيانات من القضية الفلسطينية وشعبها مطية للصعود على حساب مصيره، وتضحياته، ومن المخجل أن يعمل مثقفون على تسويق ذلك، ولعل من أكثر الأمور مدعاة للسخرية أن يبحث البعض عن تطوره عبر مقايضة ذلك بالحق الفلسطيني، وهذا ما يدل على خواء بعض العقول، فإذا كنت تمتلك حقاً ما.. فإنه لا يجوز لك أن تصادر حق الآخرين، والمأساة تكمن حين يتعامى بعض المثقفين عن هذا المبدأ، ما يعني أن الثقافة العربية تعاني من معضلة ما، وربما لهذا فهي غير مرئية في هذا العالم، ولا يعيرها أحد انتباهاً لكونها نتاج مشهد حضاري مختل، وبائس.
٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية