مقابر تاريخية في القرافة السيوطية مهددة بالهدم بسبب مشروع على طريق صلاح سالم، في القاهرة، 13 يونيو 2023- رويترز
القاهرة- “القدس العربي”: لم يُطمئِن إعلانُ وزير الثقافة المصري، أحمد هنو، الوقفَ المؤقت لعمليات هدم المقابر التاريخية في القاهرة لحين التنسيق مع الجهات المعنية ودراسة موقف الأضرحة المطلوب إزالتها، المصريين، الذين اعتبروه خطوة لامتصاص حالة الغضب الشعبي، كما حدث من قبل أكثر من مرة.
فخلال السنوات الأربع الماضية، توقفت آلة الهدم أكثر من مرة تحت الضغط الشعبي، لكن لم تلبث أن عادت لاستكمال عمليات الهدم، في إطار خطة إنشاء عدد من الجسور والمحاور المرورية.
ورغم إعلان وزير الثقافة الوقف المؤقت لعمليات الهدم، إلا أن التحركات للحفاظ على المقابر التاريخية لم تتوقف، وأعلنت نقابة المهندسين المصريين تشكيل لجان متخصصة عاجلة من الخبراء المعماريين، ومن كل ذي صلة لبحث ما ورد للنقابة من تساؤلات، وما أثير على مواقع التواصل الاجتماعي، في شأن هدم بعض المناطق ذات الطابع التاريخي والمعماري المميز، والتواصل مع كل الجهات المعنية لبحث الأمر وإعداد تقرير شامل.
بيان: مشهد الجرافات التي تنقضّ على موقع تراثي لا يثير فقط الحزن والأسى، ولكنه لا يختلف كثيرًا عمّا يخلّفه القصف الجوي والمدفعي لدول الجوار
وأضافت النقابة أن هدم تلك المباني لا يمثّل عبثًا بالمعالم التراثية فقط، بل هو عبث بالنسيج العمراني والتاريخي الفريد الذي يمثل قيمة كبيرة على مستوى العالم، إذ تمثل هذه المباني إرثًا للحضارة المصرية المتراكمة عبر آلاف السنين ينبغي الحفاظ عليه.
وطالبت شعبة الهندسة المعمارية في النقابة، في بيان، رئيس الجمهورية بالتدخل الفوري لوقف تداعيات فقد التراث المصري، معلنة عن عدة مبادرات، من بينها مبادرة “إنقاذ التراث” التي تهدف إلى “التوثيق الشامل للتراث محل التدخل، ودراسة تعديل المسار التنموي في ضوء بدائل الطرح، ونقل القيم التراثية إلى الساحات والميادين، وعمل توضيح توثيقي بقيمة المنقول، والتأكيد على تغير موطنه الجغرافي”.
واقترحت الشعبة مبادرة ثانية تستهدف تشكيل اللجنة الاستشارية الدائمة لمتابعة التراث والإرث الحضاري وتداخلاته مع المشروعات التنموية، بالإضافة إلى مبادرتي اقتصاديات التراث والتوعية والتثقيف.
وطالب ديوان المعماريين، في بيان حمل عنوان “لا لهدم التراث المعماري“، بإيقاف أعمال هدم التراث المعماري الفريد، وإجراء حوار مجتمعي حول المشروعات المزمع إقامتها في المنطقة، ودراسة إمكانية استعادة المباني المهدمة والحفاظ على المباني القائمة.
كما دعا ديوان المعماريين إلى تشكيل غرفة متابعة ممثل فيها نقابة المهندسين وجمعية المعماريين والمجتمع المدني المهتم بالتراث.
أما صفحة إنقاذ جبانات القاهرة التاريخية على فيسبوك، فأطلقت حملة توقيعات لوقف هدم جبانات مصر التاريخية.
وقالت الصفحة في البيان إن جبانات مصر التاريخية تتعرّض، منذ أربع سنوات، لموجات من التدمير الممنهج يتم على دفعات، تتوقف مؤقتًا مع تصاعد الرفض المجتمعي الذي تروعه مشاهد الجرافات وهي تزيل حجارة الألف عام، وتدكّ عظام الموتى بشراسة وعنف لا مثيل لهما، دون أي اعتبار للتاريخ والأعراف الإنسانية والديانات السماوية.
وتابعت: صار مشهد الجرافات التي تنقضّ على موقع تراثي له صفة القداسة عند المصريين بجميع فئاتهم وانتماءاتهم، تعيث دمارًا وخرابًا، لا يثير فقط الحزن والأسى، ولكنه لا يختلف كثيرًا عمّا يخلّفه القصف الجوي والمدفعي لدول الجوار.
إن المشاهد الصادمة التي وثّقناها لقباب فريدة تتحطّم في لمح البصر، وشواهد تحمل آيات قرآنية، ومقولات جميلة، وأشعار مفتتة وملقاة على الأرض، وأنقاض من الحجارة وجذوع الأشجار على مرمى البصر، كانت بالأمس مدافن أنيقة تمثل المثوى الأخير لموتانا، ستظل تطبع ذاكرة الأجيال القادمة لتذكرهم بعصر من دمروا تراثاً حافظ عليه السكان الأصليون والغزاة على حد السواء على مدى قرون.
وزادت: خلال السنوات الماضية، طالت عمليات الهدم عشرات المدافن ذات القيمة المعمارية والمعنوية، والتي تمثل جزءًا من نسيج متجانس ظل محتفظًا بهويته المتفردة خلال القرنين الماضيين.
وفي مواجهة ردود الفعل الغاضبة الآن لرفض ضياع تراث مصري أصيل، ودرء مخاطر القضاء على حقبات من تطور العمارة الجنائزية في مصر، ومحو ذاكرة المكان والأعلام الذين دُفنوا في ثرى جباناتها التاريخية، يتم تنفيذ تراجع تكتيكي، كما في المرات السابقة، والإعلان عن توقف الهدم مؤقتًا، دون تبرير لهذا الدمار الشامل الذي خص أهم المدافن ذات القيمة بشكل خاص، تلك التي تم وضعها على قائمة جهاز التنسيق الحضاري في العام الماضي، ما يجعلنا نتساءل عن الهدف من وراء هذا الاستهداف المتعمد والإصرار عليه، بل وإخراج نصف المدافن المسجلة من قائمة جهاز التنسيق الحضاري لإزالتها.
وواصلت الصفحة في بيان الحملة: الهجمة التي تتعرض لها جبانات القاهرة التاريخية لا يوجد لها أي مبرر منطقي، خاصة في ظل وجود البدائل للإزالة التي طرحتها لجنة شكلها مجلس الوزراء من المتخصصين في التخطيط العمراني والحفاظ على التراث عام 2023 برئاسة وزير التعليم العالي، وقامت بدراسة جدوى مشروع الطرق والكباري المطروح من قبل الحكومة والذي بدأ تنفيذه عام 2020، وأثبتت عدم جدواه لكونه يوفر دقيقتين فقط للرحلة، وطرحت مشروعًا بديلًا يعتمد على استغلال شبكة الطرق الحالية والمستحدثة دون المساس بالجبانات التاريخية، وطبقًا لنموذج رياضي، أثبتت أن مقترحها لحل مشكلة الحركة صالح لمدة عشر سنوات قادمة، بل ذهبت أبعد من ذلك بوضع تصور لاستغلال الموقع للسياحة الدينية والثقافية من خلال إنشاء مسارات، وكذلك حل مشكلة ارتفاع منسوب المياه الأرضية.
وأكد البيان، أنه الوقت الذي تتقدم فيه مصر بمرشحٍ لِمركز مدير أكبر مؤسسة عالمية راعية للثقافة والتراث، عليها أن تثبت للعالم أولًا أنها تحافظ على تراثها.
وطالبت الحملة، باستعادة اللجنة المشكلة من قبل، لتتولى البدء في وضع الخطوات التنفيذية للمشروع الذي طرحته وتمت الموافقة عليه، مع إدراج التغيرات المؤسفة التي حدثت في العام الماضي، وإلغاء مشروع المحاور المرورية الحالي، وإحلال مشروع اللجنة الجديد بدلًا منه، والتخلي عن مشروع إزالة الجبانات التاريخية للقاهرة المقترح في المخطط الإستراتيجي للقاهرة 2030.
كما دعت الحملة إلى إعادة المدافن المشطوبة، والتي لم تُزَل بعد، إلى قائمة جهاز التنسيق الحضاري، وإعادة تركيب المآذن الأربعة التي تم فكها في قرافة السيوطي، وهي مئذنة الغوري، ومئذنة المسيح باشا، ومئذنة السلطانية، ومئذنة قوصون الساقي إلى أماكنها، والتصدي لعمليات السرقة للعناصر المعمارية الثمينة للمدافن التاريخية، وفرض أقصى العقوبات على تجار الشواهد والتركيبات الفريدة بجميع أنواعها.
وكانت محافظة القاهرة قد أصدرت قرارًا بتعليق عمليات دفن الموتى في اثنتين من أشهر مقابرها التاريخية، تقعان في نطاق محور صلاح سالم المروري الجديد، وهما مقبرة الإمام الشافعي ومقبرة السيدة نفيسة، تمهيدًا لإزالتهما، ونقل رفات المتوفين فيهما إلى مدافن التعويضات البديلة في مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية.
توقفت آلة الهدم أكثر من مرة تحت الضغط الشعبي، لكن لم تلبث أن عادت لاستكمال الهدم، في إطار خطة إنشاء عدد من الجسور والمحاور المرورية
ودفعت احتجاجات شعبية الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تأليف لجنة خبراء، في يونيو/حزيران 2023، الهدف منها التوصل إلى رؤية متكاملة لتطوير المنطقة، ودراسة نقل المدافن الأثرية من السيدة نفيسة والإمام الشافعي، وتجميع رفات الرموز المصرية، في ما يعرف باسم “حديقة الخالدين” بالعاصمة الإدارية الجديدة، وإنشاء متحف ملحق بها يضم القطع الفنية والأثرية الموجودة في تلك المدافن للحفاظ عليها.
وتأتي عمليات الإزالة التي طالت مقابر تاريخية في وسط القاهرة، ضمن مخطط القاهرة 2050 الذي أطلقه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، حين كان رئيسًا لهيئة تطوير المجتمعات العمرانية عام 2009.
وبدأت أزمة هدم المقابر التاريخية في 24 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وتم كشف مذكرة بشأن المدافن التي وقعت في نطاق الإزالة في مشروع تطوير محور صلاح سالم من محور جيهان السادات حتى حديقة الفسطاط بامتداد 6 كيلومترات، تتخللها جبانات المجاورين وباب الوزير وسيدي جلال والسيدة نفيسة والطحاوية والإمام الشافعي وسيدي عمر.
وفي عام 2020، أثير جدل بشأن عدد من المقابر في منطقة منشية ناصر في قلب القاهرة التاريخية، يُزعم أنها “جبانة المماليك”، وتعود لنحو 5 قرون، من أجل إنشاء جسر. وتعد مقابر المماليك أقدم جبانة إسلامية في مصر، وتحتل موقعًا متميزًا وسط العاصمة.