هآرتس: إسرائيل توجه تحذيرا شديدا لإيران لكنه بقي على حاله والثمن سيكون كبيرا دون صفقة

حجم الخط
1

عاموس هرئيل

الهجوم الجوي الإسرائيلي على إيران فجر يوم السبت استهدف إظهار وإبراز القدرات حيث إن إسرائيل أرادت الرد، وفي الواقع إغلاق الحساب على هجوم الصواريخ البالستية الإيرانية عليها في 1 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، على أمل أن تختار إيران الآن عدم مواصلة تبادل اللكمات (مع إسرائيل). وفي نفس الوقت فإن إسرائيل تستعد لما سيأتي فيما بعد، فسلاح الجو أثبت قدرته الهجومية في المدى البعيد، وهذه القدرة يمكن أن تهدد في المستقبل، الذخر الثمين للنظام في طهران وهو المشروع النووي. وقد أصاب الهجوم أيضا بشكل كبير قدرات الدفاع الجوية الإيرانية، وهذا يشكل تمهيدا للهجوم القادم اذا كان هناك أي حاجة إليه.

إيران لم ترد على الفور بتصريحات ملزمة أو بالأفعال، على الهجوم الإسرائيلي. ولا يوجد لدى طهران أي مشكلة في طمس حجم الهجوم وإخفاء درجة الضرر. فالهجمات الجوية الإيرانية السابقة، في نيسان/ أبريل، وفي الأول من تشرين الأول/ أكتوبر، جاءت كرد متأخر على خطوات قامت بها إسرائيل، وسبقها فترة تردد في القيادة العليا في النظام.

وعملية إسرائيل الأخيرة (ضد إيران) تم تنسيقها بحرص مع الولايات المتحدة الأمريكية بكل تفاصيلها، فإسرائيل لم تعول على أن إيران لن ترد على الإطلاق على الهجوم، فهي أرادت (ونجحت) في منع الإيرانيين من توجيه رد تلقائي. ربما هذا الرد سيأتي فيما بعد، ومن المرجح أن يكون محدودا على خلفية الظروف الحالية التي ترتبط أيضا بدعم أمريكا لإسرائيل. إيران يمكنها محاولة تجنيد حزب الله أيضا في الرد، لكن قدرات الإطلاق لدى حزب الله تضررت أيضا بشكل كبير كما تبين في الفترة الأخيرة رغم مواصلة الإطلاق اليومي له نحو الجبهة الداخلية في إسرائيل.

لكن حتى لو اختارت طهران عدم الرد عسكريا في هذه المرة، فإنه لا زال من غير المحتمل أن نرى في ذلك بالضرورة نهاية للقضية. إسرائيل وإيران غارقتان في حرب إقليمية تجري بين حين وآخر وبقوة مختلفة، أيضا بسبب المسافة البعيدة بينهما، وفي هذه المعركة يندمج أيضا وكلاء إيران مثل حزب الله وحماس إلى جانب تدخل الدول العظمى (لصالح إسرائيل)، وطوال الوقت هناك خطر أكبر في أن يحدث تصادم مباشر مع إسرائيل ويؤدي بالنظام (الإيراني) الى اتخاذ قرار بشكل نهائي بشأن الاندفاع نحو الذروة، أي انتاج القنبلة النووية، وذلك بعد تردد استمر أكثر من ثلاثة عقود.

بروفا عامة

خلافا لبعض التقديرات المسبقة في وسائل الاعلام الأجنبية فان إسرائيل لم تهاجم منشآت النفط في إيران، بل اكتفت بالاساس بضرب الاهداف العسكرية. مع ذلك، فإن “نيويورك تايمز” نشرت بأن أحد الاهداف التي تم قصفها هو موقع بارتشين، القريب من طهران، الذي تم ذكره في السابق كجزء من المواقع السرية للمشروع النووي الإيراني، وهذه الضربة تبعث إشارة قوية للإيرانيين وكأن الامر يتعلق بجزء من المشروع النووي رغم النفي الإيراني المتكرر (عن طبيعة نشاط الموقع).

شاركت في الهجوم الإسرائيلي عشرات الطائرات من أنواع مختلفة، وحسب التقارير فقد وجهت ذخائرها ضد عشرين موقع تقريبا تمت مهاجمتها في ثلاث موجات منفصلة. وحتى قبل ضرب اراضي إيران نفسها، ضرب سلاح الجو بطاريات الدفاع الجوي في سوريا من أجل تمهيد الطريق أمام الطائرات المهاجمة. وأيضا هناك جزء كبير من الاهداف التي تمت مهاجمتها في إيران، مرتبط بمنظومات الدفاع الجوية، ويمثل استهدافها استمرارا لضرب الرادارات من نوع اس 300 قرب أصفهان في شهر نيسان/ أبريل، في هجوم نُسب لإسرائيل.

الجيش الإسرائيلي يريد التأكيد بذلك أنه قادر على المس بكل نقطة في الشرق الاوسط، بدقة عالية، مهما كانت المسافة بعيدة، وأن إيران ستجد صعوبة في منعه عن ذلك.

فمنظومة الدفاع الجوي في إيران تعتمد على ما تم شراؤه من روسيا، وهذه منظومات باهظة الثمن وفي هذه الفترة يوجد نقص فيها، بسبب الحرب الطويلة بين روسيا واوكرانيا، حيث إن موسكو ستجد صعوبة في مساعدة طهران بسرعة لتأمين بديل لما تم قصفه، وهناك تقدير في الجيش الإسرائيلي أن منظومة صواريخ أرض – جو الاستراتيجية في إيران اصيبت، ومثلها ايضا منظومات الكشف في غرب إيران.

حتى الآن تصعب ترجمة هذه الاشارات بشكل مباشر على الصعيد النووي. إسرائيل في الحقيقة طورت قدرات هجومية مؤثرة للمدى البعيد، لكن عرض قدراتها يجري في مرحلة متأخرة جدا بشأن المشروع الإيراني. ويوجد لدى إيران ما يكفي من المواقع البديلة المحمية تحت الارض لتخزين مخزون اليورانيوم المخصب ومركبات اخرى للبرنامج النووي، كما أن مستوى المعرفة المهنية (بالتقنية النووية) الذي تراكم لديهم، يبدو أنه عال بما فيه الكفاية من أجل أن لا يتسبب قصف المواقع أو قتل المزيد من علماء الذرة في شل المشروع النووي كليا.

من المهم للأمريكيين احتواء الهجوم، وبالتأكيد بعدما بقيت عشرة أيام فاصلة حتى موعد الانتخابات للرئاسة في أمريكا. وفي السباق للرئاسة فإن الأمر الأخير الذي يؤرق الحزب الديمقراطي الآن هو حصول تصعيد آخر في أزمة الشرق الاوسط التي يمكن أن تتدهور أيضا إلى أزمة للطاقة. وفي الأحلام القديمة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يأمل أنه سينجح في جر الأمريكيين، بقدراتهم العسكرية الضخمة، نحو هاجمة المواقع النووية في إيران بأنفسهم.لكن مع الأخذ في الحسبان طبيعة الهجوم فانه يصعب رؤية حدوثه قبل الانتخابات وحتى بعد الانتخابات، لأن فصل الشتاء سيبدأ بما فيه ظروف المناخ التي ستعيق امكانية الهجوم.

وفية نفس الوقت ستدخل الادارة الأمريكية الحالية إلى فترة البطة العرجاء، سواء فازت نائبة الرئيس، كمالا هاريس، في الانتخابات أو فاز المرشح الجمهوري دونالد ترامب. ربما أن هذه الفترة ستتميز باتخاذ خطوات ضد نتنياهو، إذ أن معالم التوتر بين بايدن ونتنياهو بارزة جدا. وحتى الآن فإن الادارة الأمريكية ستكون ملتزمة بدعم إسرائيل لكن بدرجة أقل مما هي الآن، عشية الانتخابات.

الرئيس جو بايدن قال بأنه يأمل بأن تبادل اللكمات بين إسرائيل وإيران انتهى. مصادر في الادارة الأمريكية، تحدثت مع المراسلين، عبّرت عن الدعم الكامل لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ووصفت الهجوم بأنه دقيق ومحسوب وناجع…ويبدو أن التجربة الضخمة التي راكمها سلاح الجو ومساعدة الاستخبارات والتنسيق الوثيق مع الأمريكيين، كل ذلك مكن من زيادة الدقة والنجاعة للهجوم. فعمليات القصف ركزت على نوع آخر من الاهداف وهو منشآت انتاج الصواريخ والمسيرات، حيث يجري بين إسرائيل وإيران في الأشهر الأخيرة سباق تسلح. الصناعات الجوية انتقلت إلى نمط انتاج متسارع، بهدف اغراق منظومات الاعتراض الإسرائيلية. هذا أحد اسباب قرار أمريكا تعزيز الدفاع في إسرائيل ببطارية الصواريخ “ثاد”. إن ضرب وسائل الانتاج يمكن أن يبطئ وتيرة عمل إيران والتخفيف قليلا على منظومة الدفاع الإسرائيلية. ايضا هنا يقدرون في الجيش بأن الأمر يتعلق بأضرار كبيرة تحتاج من إيران أشهرا كثيرة للتغلب عليها. ان الانتقادات من المعارضة (الإسرائيلية) بذريعة أن الهجوم أصغر وأضعف مما تم الوعد به، غير مقنعة، وليس من الحكمة تطويق نتنياهو من اليمين، فالسؤال هو إلى أين ستؤدي الخطوات القادمة وهل أن إسرائيل لن تتورط أكثر من اللزوم في مواجهة مباشرة مع إيران، وربما ستكون كبيرة على مقاسها؟

شرك استراتيجي

الهجوم في إيران أبعدَ عن العناوين، الثمن الدموي الفظيع الذي ندفعه بسبب استمرار الحرب، وبدون حسم أو اتفاق سياسي في الجبهات الاخرى. ففي الايام التي سبقت الهجوم (على إيران) قُتل في أقل من 48 ساعة 15 إسرائيليا، عشرة منهم من جنود الاحتياط في أحداث مختلفة في جنوب لبنان، وثلاثة جنود نظاميين في قطاع غزة، واثنان من المدنيين في إسرائيل بنار الصواريخ التي تم إطلاقها نحو القرى في الجليل.

والحكومة، تظهر اللامبالاة شبه المطلقة بهذه التطورات، بصورة آخذة في التفاقم في الاسابيع الأخيرة.

إن التهديد القادم من إيران هو تهديد مهم، لكن يبدو أنه من المريح لحكومة نتنياهو تركيز الانشغال الآن بما يحدث هناك مع إيران، من أجل حرف النقاش عن الشرك الاستراتيجي الذي تعلق فيه إسرائيل في لبنان وفي قطاع غزة، رغم الانجازات المثيرة الاخيرة للجيش الإسرائيلي وأذرع الامن الاخرى. ففي هيئة الاركان يعتقدون أن الظروف آخذة في النضوج من أجل عقد صفقة شاملة، تنهي القتال في كل الجبهات، بما في ذلك مع إيران. في هذه الاثناء فإن نتنياهو لا يُظهر أي اهتمام بذلك، أو بالدفع قدما بصفقة التبادل رغم أن المفاوضات مع دول الوساطة تم التخطيط لاستئنافها في قطر. فبدون أي عملية سياسية شاملة تشرك الأمريكيين وتشمل تقديم تنازل سريع ومطلوب حول إعادة المخطوفين، فان الحرب ستستمر لفترة طويلة، ومعها سيرتفع الثمن بشكل كبير.

هآرتس 27/10/2024

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية