صورة ملتقطة في 22 أكتوبر2024 إثر ضرر لحق بمصنع نبيذ تعرّضَ لقصف جزئي في غارة إسرائيلية استهدفت بلدة رياق في سهل البقاع- ا ف ب
بيروت: يتحيّن رولان أبو خاطر توقّف الغارات على شرق لبنان، وخلّو السماء من الطائرات الحربية الإسرائيلية، حتى يقود شاحنته التي رفع عليها راية بيضاء، متوجهاً مع فريق من العمال إلى سهل البقاع لقطف عناقيد العنب من كرومه.
يتساءل صاحب مصنع: يردد الناس إن إيران ستموّل إعادة الإعمار بعد الحرب، ولكن هل ستعيد بناء مصنع نبيذ؟
تحوّلت كروم أبو خاطر، الواقعة في قلب منطقة البقاع المعروفة بإنتاج النبيذ في لبنان، إلى ما يشبه المصيدة، خصوصاً بعدما بدأت إسرائيل، في 23 أيلول/سبتمبر، حملة جوية مركّزة استهدفت معاقل “حزب الله” في ضاحية بيروت الجنوبية، وفي جنوب لبنان وشرقه، حيث سهل البقاع.
ويقول أبو خاطر (29 عاماً)، الذي ورث مصنع النبيذ “كوتو دو ليبان” عن والده: “نقطف المحصول بسرعة، ثم نهرب”، مضيفاً: “إنه لأمر مؤلم”، على وقع دوي الغارات وأعمدة الدخان الأسود التي حوّلت موسم القطاف من موسم خير إلى موسم محفوف بالمخاطر.
ويعدّ سهل البقاع، الواقع في شرق لبنان، سلّة لبنان الغذائية والزراعية، وفيه تُنتج أجود أنواع النبيذ اللبناني، لكنه من بين أكثر المناطق تضرراً جراء الغارات الإسرائيلية.
وتقول إسرائيل إنها تستهدف مواقع “حزب الله” في هذه المنطقة المحاذية لسوريا، وغالباً ما تأتي ضرباتها من دون سابق إنذار، بخلاف مناطق أخرى توجه فيها طلبات إخلاء للسكان.

ويقع مصنع النبيذ، الذي أسسه والد أبو خاطر عام 1999، في منطقة زحلة ذات الغالبية المسيحية، وقد بقي بمنأى عن الغارات. لكن كروم العنب التي يُصنع منها النبيذ، تقع قرب بلدات وقرى تطالها الغارات بشكل كبير.
ويشير أبو خاطر إلى أن “كثراً من العمال والسائقين لا يرغبون بالمجازفة والتوجّه إلى الحقول، لذا نأخذ فرقاً أصغر، وهذا لا يعطينا الإنتاجية نفسها”.
ويضيف: “المساحة التي كان يستغرق قطفها يوماً واحداً، أصبحت تستغرق الآن ثلاثة أو أربعة أيام”.
وينتج “كوتو دو ليبان” عادة 150 ألف زجاجة نبيذ سنوياً من إجمالي نحو 22 هكتاراً من الكروم.
ويؤكد أبو خاطر: “هذا العام، سينخفض الإنتاج بمقدار 20 ألف زجاجة، لأن ثمة كرومًا لا يمكننا الوصول إليها”.
على غرار أبو خاطر، يكافح العديد من منتجي النبيذ في البقاع بسبب الغارات الإسرائيلية الكثيفة التي قتلت ما لا يقل عن 1700 شخص في لبنان منذ 23 أيلول/سبتمبر، بحسب تعداد لوكالة فرانس برس، استناداً إلى أرقام وزارة الصحة.
ومن بين هؤلاء إلياس معلوف، الذي بدأت عائلته إنتاج النبيذ في بلدة رياق البقاعية منذ أكثر من قرن.
في الشهر الماضي، أصابت غارة إسرائيلية مصنع “شاتو رياق” الذي بناه معلوف للحفاظ على إرث عائلته. وبات المصنع، الذي انطلق عام 2015، خارج الخدمة، بعدما وَجَدَ نفسه تحت نيران الحرب التي لم تهدأ بعد.

ويقول معلوف (42 عاماً): “أنا لست مقاتلاً في الخطوط الأمامية”، معبراً عن استيائه من الغارة التي حطّمت آلاف زجاجات النبيذ، وألحقت أضراراً بأقبية النبيذ، ودمرت البنية التحتية المستخدمة لتخمير العنب وتبريده.
ورغم القصف الشديد، بقي معلوف في رياق على أمل إنقاذ ما يمكنه من بقايا مصنعه. ويضيف: “سأقوم بإخراج ستين ألف زجاجة هذا الأسبوع”.
يضم البقاع مصانع نبيذ عريقة تعود إلى قرون، سبق بعضها إنشاء الجمهورية اللبنانية الحديثة في العام 1943
ويتابع متسائلاً: “يردد الناس إن إيران ستموّل إعادة الإعمار بعد الحرب، ولكن هل ستعيد بناء مصنع نبيذ؟”، في إشارة إلى أن الجمهورية الإسلامية الداعمة لـ “حزب الله” تحظر الكحول.
يضم البقاع مصانع نبيذ عريقة تعود إلى قرون، سبق بعضها إنشاء الجمهورية اللبنانية الحديثة في العام 1943.
ويعتبر “دومين دي توريل”، الذي تأسس في عام 1868، من أقدمها.
ويقول إميل عيسى الخوري (43 عاماً)، الشريك الإداري في المصنع: “للأسف، هذه ليست حربنا الأولى، لكنني آمل أن تكون الأخيرة”.
ويوضح أن المصنع نجا من الهجمات، لكن بعض المحاصيل والكروم قريبة من المناطق المستهدفة.
ويضيف: “لا يستطيع المزارعون حتى قطاف العنب”.

ومع قطاف معظم الكروم هذا الموسم، يرى أن المشكلة ستكون في المبيع وليس في الإنتاج.
ويشير إلى أن “الاقتصاد المحلي بأكمله في حالة إغلاق، لذلك فقدنا حوالى تسعين في المئة من السوق المحلية”.
ويدافع عيسى الخوري عن البقاع، رافضاً تصويره كمعقل لـ “حزب الله”.
ويقول: “سهل البقاع، مثل مناطق لبنان كافة، متنوع جداً”.
ويضيف: “ثمة معاقل لحزب الله، لكن هناك مناطق أخرى بعيدة تماماً عن هذا التوجه”.
(أ ف ب)