أعطت معظم نظريات التلقي أهمية كبرى للقارئ، أو المتلقي الذي يتلقى العمل، سواء عبر خلق أفق الانتظار، أو عبر استجابة القراءة، التي يكون للمبدع دور كبير فيها، بحيث إن الكاتب وهو ينجز عمله الأدبي يوجه فعل القراءة من خلال الاستراتيجيات التي يضعها للقارئ وكأنه يوجهه نحو وجهات نظر معينة يخلقها الكاتب عبر القارئ الضمني، كعملة أخرى للكاتب. ولكن ماذا لو أن الإبداع أخطأ الطريق وتكفل القارئ نفسه بتحديد آليات أخرى لتلقي العمل، بحيث يصبح هو ذاته القارئ المتخيل للعمل أيضا؟
حين نتأمل العديد من الأعمال الأدبية، التي خلقت تخييلا واسعا لدى القراء، نجد أن عامل شهرتها لا يعود فقط إلى اليد التي تكتب، ولكن إلى اليد القارئة التي أضافت إلى الكثير من النصوص الصدى الكبير، ولذا نجد العديد من الأعمال أخذت هذا المدى الشاسع في القراءة والتخييل، من خلال قرائها الذين أبدعوا في تخييل وتأويل ما يحدث في النص. فـ»آلام فرتر» لجوته منحها القراء صدى واسعا، بأن تخيلوا ألم «فرتر» ونقلوه لذواتهم وكأنهم استشعروا ألمه حتى أدى ذلك إلى انتحار العديد من القراء، كما وجد الكثير من القراء العرب ذواتهم في رواية «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، وقاموا بالعديد من التأويلات، منها ما يركز على الصراع الأبدي بين الشرق والغرب والأنوثة والذكورة إلى غيرها من الإضافات التخييلية، التي كما قال جان بلمين نويل في عمله «لاوعي النص» بأن الكاتب ذاته يفاجأ بأشياء صدرت عنه، دون علم منه، تكون الكتابة مسؤولة عنها وليس الكاتب.
من بين الأشياء التي منحها المتلقي للأعمال الفنية، أو الأدبية أنه أخطأ الطريق في التأويل؛ فتمثال «موسى» لمايكل أنجلو نجده يحتمل الكثير من التأويلات، من خلال متابعيه، فهم ينظرون إليه تارة كبصمة غامضة وطورا كوجه حزين وآخر كوجه فرح، وهذا ما يحدث مثلا لمشاهدي «الموناليزا» وهي تغير متلقيها على مدى السنين، بحيث لا نعثر على تأويل واحد للعمل، فالمتلقي يتخيل التأويل الذي يريد هو ذاته أن يصل إليه، ووفق هذا الاعتبار، فليس المبدع وحده من يتخيل العمل ويمنحه الامتداد اللانهائي عبر الزمن، ولكن المتلقي أيضا يجعل العمل يستمر ولو عبر الأخطاء التأويلية التي يصل إليها، والتي قد تكون متعارضة مع ما يريد المبدع نفسه أن يصل إليه.
ويرى الباحث الفرنسي بيير بايار في كتابه المغامر، «ماذا لو أن الكتب غيرت مؤلفيها» بأن العديد من الأخطاء التي تحدث للمبدعين تؤدي إلى نتائج أكثر أهمية من الطريق التي رسموها لإبداعاتهم، ولذا فإن العديد من النهايات التي يخطها المؤلفون في البدايات قد يغيرونها وهم بصدد إنهاء العمل، حين يأخذ العمل نفسه الطريق إلى اتجاه آخر تماما، غير الذي رسمه في البدايات والشيء نفسه يحدث لمتلقي العمل، وهو يعمد إلى تأويل أعمال أدبية رسمت في البداية فهمها الخاص بأن يغير كل التآويل التي وضعها القراء، كي يصل إلى تأويل آخر يمنح للعمل استمرارية أخرى في مجال تخييل القراءة واحتمالاتها الممكنة. فحين نقرأ «القط الأسود» كقصة شهيرة للكاتب إدغار آلان بو، نقرأها باعتبار هذا «القط الأسود» قد تسبب في جرائم متعددة، بحيث كان دافعا وراء قتل البطل لزوجته، وبأن لونه كان وراء جريمة القتل، بما تثيره في الثقافة الشعبية من إشارة إلى الجن إلى غير ذلك، لكن هذا المعنى قد يتغير حين ندرك أن تأويلا آخر قد يكون ممكنا، إذا ما اكتشفنا بأن البطل هو المجرم وهو قاتل الزوجة، لكنه اختلق حكاية لون القط كي يؤثر على المتلقي بهذه التفاصيل التي تجعله مصدقا لواقع معين، في حين يمكن لكل هذه التأويلات أن تسهم في تمديد عمر القصة، عبر أخطاء أخرى يضيفها القارئ أو المتلقي للعمل.
حين نتأمل الكثير من الأعمال التي نالت شهرة واسعة، ندرك أن المتلقي متخيلا لنهايات أخرى أو بدايات معينة، فهو حين يعود إلى قصص غير واقعية ليضيف للعمل أخطاء أخرى، فكأنه يمدد في عمر الإبداع باحتمالات إضافية، وهذا ما يحدث مثلا من طرائف، حين يلتقي المبدع والمتلقي للعمل على أرض واقعية فيسر المبدع بأنه لم يكن يقصد هذا التأويل على الإطلاق، وقد يؤدي تخييل المتلقي في بعض الأحيان لإضفاء شرعية على أعمال لا ترقى إلى كل الضجيج الذي يحدث. من بين جماليات الخطأ في التخييل، سواء لدى المبدع أو المتلقي أنها مهدت للخروج من دائرة تأويل الإبداع بالواقع كما هو، ذلك لأنها منحت للكثير من دهاليز النفس التي لا يدركها المبدع ذاته ولا المتلقي بأن تصعد إلى السطح وتصبح هي الأخرى مادة إبداعية تخييلية تعيد بناء الذوات بأشكال مختلفة، وهذا ما نجده الآن لدى العديد من المبدعين كقراء أو متلقين لأعمال سابقة، وهم يعيدون إنتاج أعمال مرت بطرقهم الخاصة، كمبدعين قراء لهذه الكتابات ولولا تخيلاتهم المتعددة لما قرأوها ولما استطاعوا إبداع تخييلات أخرى لم يصلوا إليها إلا عن طريق الخطأ في التخييل والتأويل معا.
أكاديمية وكاتبة من المغرب