ترامب العائد ومصير حرب الإبادة

وائل الحجار
حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، أثار احتفالية عند آل نتنياهو، وفي معظم أحزاب الطّيف السياسي الإسرائيلي، وهو ما لم يكن لاستطلاعات الرأي فضل في تبيانه. ولأن إسرائيل بمعظمها وقفت خلف ترامب، ولأن كمالا هاريس خسرت، قال الذين يريدون قتال إسرائيل في المنطقة، إن الأخيرة دفعت ثمن مشاركة إدارتها ومشاركتها هي شخصيا في حرب الإبادة.

وارتكز هذا الموقف على واقع أن قطاعات المسلمين ـ والعرب بينهم ـ لم يصوّتوا للديمقراطيين بنفس الزخم الذي فعلوه عام 2020.
وتعلّق شبكة «صوت أميركا» الإعلامية على ذلك بالقول في أحد تقاريرها المنشورة على موقعها الإلكتروني: «في تحول تاريخي، تخلّى الأمريكيون المسلمون والعرب عن ولائهم للحزب الديمقراطي المستمر منذ عقدين، ووزعوا معظم أصواتهم بين الرئيس المنتخب دونالد ترامب، ومرشحي الأحزاب الأخرى في الانتخابات الرئاسية التي جرت يوم الثلاثاء، وفقًا لنتائج أولية من مجموعتين بارزتين للدفاع عن حقوق الأقليات».
وتضيف إلى ذلك: «وقد أدى هذا التحول، الذي تغذّيه مشاعر الغضب من تعامل إدارة (الرئيس الأمريكي جو) بايدن مع الحرب في غزة، إلى مساعدة ترامب في الفوز بولايات حاسمة، وخاصة ميشيغان، حيث هزم نائبة الرئيس كامالا هاريس، ليفوز بولاية رئاسية ثانية في البيت الأبيض». وذكرت الشبكة استطلاعا لآراء أكثر من 1.300 ناخب على مستوى البلاد أجراه «مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية» أظهر أن أقل من 50 في المئة من الناخبين المسلمين دعموا هاريس. وبالمقارنة، تشير التقديرات إلى أن ما بين 65 في المئة و70 في المئة من المسلمين صوتوا لصالح الرئيس جو بايدن في انتخابات 2020.
ويشير تقرير «صوت أمريكا» بناء على ذلك، إلى أن النصيب الأكبر من أصوات المسلمين ذهب إلى جيل ستاين، مرشحة «حزب الخضر» التي دعت إلى إنهاء الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، أو إلى ترامب، الذي حصل على تأييد العديد من قادة المجتمع العربي، والمسلم، والمسؤولين المنتخبين في ميشيغان.
لكن هذا الموضوع قد لا يكون حاسما في هزيمة هاريس وفوز ترامب. وتحدد شبكة «إن بي سي» الأمريكية في تقرير على موقعها الالكتروني، نحو 10 عوامل مهمة ساهمت في هزيمة هاريس، من بينها تأثير الفجوة بين الجنسين، والجاذبية للرجال الساخطين، والتحول نحو اليمين، والارتباط برئيس غير شعبي، وجاذبية للطبقة العاملة متعددة الأعراق، والمخاوف الاقتصادية، وانتقادات لإدارة الحملة، والدعم الواسع لترامب، وخيبة أمل الناخبين من الديمقراطيين.
ومن دون شك،ّ فإن فلسطين، كانت ثقلا على ضمير هاريس، أو بشكل أدقّ، على ضمير حملتها الانتخابية في أوساط عديدة، بين المسلمين، والإسلاميين، وبين يسار الحزب الديمقراطي، والليبراليين والتقدميين.
أما ماذا سيفعله دونالد ترامب بحق «الشرق الأوسط» المدمى والمنهك، والذي مع ذلك فيه من اختار أن يقاوم، ولأسباب عديدة، فهو أمر يدخل في باب التوقعات، أو ربما التمنيات.
وفي إسرائيل، الصورة مختلفة.
ليس النقاش فيما إذا كان ترامب سوف «يؤذي» إسرائيل أم لا، فالدعم الهائل الذي قدمته إدارة الرئيس جو بادين لحرب الإبادة لا يكفي اليمين الإسرائيلي، الحاكم، وفي المعارضة.
والنقاش الذي عكسته الصحف الإسرائيلية أخيرًا، يشير إلى أن الموضوع كلّه يتعلق بنتنياهو، الغارق في فضائحه وأزماته مجدّداً، والذي قد لا يكون ترامب بحاجة إليه لتبييض صفحته في العالم، إن شاء، وللتخلص من عبء زعيم إسرائيل المندفعة نحو توسيع الحروب. وهو نقاش غير محسوم النتائج بعد، في ظل تجربة نتنياهو بالتخلص من المآزق.
وهذا النقاش جوهري لأنه يتعلق بأمر استمرار الحرب من وقفها في غزة، وفي لبنان. وفي هذا النقاش، أيضاً ما يتعلق بإيران، إن أراد ترامب، الذي أخذ يتصرف وكأنه حاكم فعلا في مصير الحرب، أن يكون أمينا لتصريحاته ومعلومات أوساطه إلى وسائل الإعلام، وتعيينات فريقه، من أنه سوف يعتمد استراتيجية متشددة مع إيران.
وهذا ينطبق في فلسطين، كما في لبنان، الخيار عن أي طريق تُسلَك. وهو خيار صعب، وكاف ليثير كل هذا النقاش الأهلي والسياسي، وحتى الطائفي في الحالة اللبنانية، لأن انعدام النقاش إزاء حرب الإبادة في فلسطين، والمتمددة نيرانها إلى لبنان، لا يمكن أن يكون.
ومع الأخذ في الاعتبار، أن فريقا يريد قتل النقاش تحت ذرائع، ويهدّد أحيانا، وآخر، ولو قلّة، يشطح نحو تبني خطاب الإسرائيلي، حتى في تفاصيله، كما فعل سياسي لبناني في استعادته لرواية 7 أكتوبر، وكأننا نستمع إلى مسؤول في منظمة «زاكا».
وبمعزل عن هذا التراشق الذي لا يزال في إطاره السياسي، طالما لم يحمل تهويلا بالقوة الذاتية أو الخارجية، فإن وقف الحرب قرار من غير المرجّح أن يُفرض فرضاً على الجميع، إلا أن يقبله المقاتلون أولا.
وتشير المواقف الصادرة أخيرا، سواء في فلسطين أو في لبنان، إلى استعداد للتوصل إلى صيغ أكثر مرونة مما كان قبل أيلول/سبتمبر الماضي، لوقف إطلاق النار.
وتبدو غزّة أكثر وضوحا من خلال مواقف عبّر عنها مسؤولون في «حماس» وفصائل مقاومة منخرطة في القتال حليفة لها، عن الاستعداد للاتفاق، ضمن الثوابت، وفي مقدمتها وقف الحرب والانسحاب، فيما لا توجد إشارات على معارضة حقيقية لصيغ حكم القطاع المختلفة في اليوم التالي، أو أن المرونة في هذا أكبر.
وحرصت «حماس» أخيرا على الإشارة العلنية للقاءاتها مع حركة «فتح» وحرصها على استمراراها.
وينبع هذا الحرص، كما من الجانب الآخر، عن إدراك تعبّر عنه تصريحاتهم الرسمية، بالتحديات التي تنتظر الشعب الفلسطيني، فيما يستمر الخلاف بشأن كيفية مواجهتها.
فعلى أجندة اليمين الحاكم في إسرائيل استحقاقات عملية، أنجز بعضها فعلا من خلال مشاريع قوانين الكنيست العنصرية والمشينة. لكنه لم يفرغ من ذلك، والاستحقاق الأقرب العملي يتعلق فيما إذا كانت إسرائيل سوف تمدد مجددا العمل مع البنوك الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة. وتختار إسرائيل أن تعيّن مستوطنا من الضفة، سفيرا لدى إدارة بايدن الديمقراطية الراحلة، والتي كانت فرضت عقوبات على بعض المستوطنين.
ثم توجد الدولة الفلسطينية، التي تحاصر إسرائيل ركيزتها المادّية الموجودة اليوم المتمثلة بالسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، وترفض قيامها بشكل قاطع ونهائي لا عودة عنه في معظم أحزاب إسرائيل اليمينية.
ثم قبل كل ذلك كلّه، توجد غزة التي تواجه حرب الإبادة ويُستشهد شعبها.
وتكشف ذلك قرارات وبيانات جيش الاحتلال العسكرية، وهي غطاء لقرارات المستوى السياسي، الذي نجح نتنياهو بإقالته يؤاف غالانت وتعيينه يسرائيل كاتس مكانه، في احتكار قراره.
وهذا الجيش، يعلن عن خططه لتقسيم قطاع غزة، ويعتبر أساساً ان الشمال مفرغ تقريبا من المدنيين، بينما تسرّب تقارير الإعلام الإسرائيلي بشكل متتابع، تفاصيل إعادة استيطان عسكرية للمفاصل الرئيسية في القطاع، وتعميق منطقة عازلة، وتقسيم القطاع بمحاور كبيرة، ورفض عودة نازحي الشمال، ونوايا عدائية تجاه مدينة غزة، حذّرت منها وزارة الخارجية الفلسطينية.
أما في لبنان، فالنقاش السياسي أكثر تعقيدا، والموقف العام لا يشي حتى الآن بوضوح كاف للقول إن الإشاعات التي سرّبها الإسرائيليون عن قرب وقف حرب لبنان مطروحة، في ظل تصعيد العدوان واستهداف قوات «اليونيفيل» المباشر والمتعمد كما قالت، وتكرار حوادث الاعتداء على الجيش اللبناني.
وعلى المستوى الداخلي، فقد يكون الوضع أكثر تعقيدا في ظل تركيبة لبنان القائمة على الطوائف السياسية، التي تعكس تعددية ثقافية وسياسية في الجماعات المكوّنة للبنان، مع نظام حكم لا يعمل بكفاءة، ويتعرّض غالباً للوصاية. وذكرت تقارير ومعلقون أخيرا، ومن بينهم أمريكيون لبنانيون قريبون من حملة ترامب الانتخابية، أن للبنان مكانة في أجندة ترامب.
وعززت هذا تصريحات لترامب خلال حملته الانتخابية، وتوجيهه في الأسبوع الأخير قبل الانتخابات رسالة مفتوحة إلى الأمريكيين اللبنانيين تعهد فيها بـ «وقف المعاناة والدمار في لبنان» وتأمين «سلام دائم» في الشرق الأوسط إذا تم انتخابه. كما تعهد «بالحفاظ على الشراكة المتساوية بين جميع الطوائف اللبنانية».
ويعتبر الفريق المسيحي في لبنان أن الشراكة اللبنانية هي أساسا هي شراكة ثنائية مسيحية إسلامية، وليس ثلاثية، لكن واقع الحكم اللبناني خلال السّنوات الماضية كان غير ذلك.
ولذا من غير الواضح بعد كيف سيترجم ترامب هذه السياسة، لكن الواضح أنّه أظهر عداءه لـ«محور المقاومة» الموجود في لبنان، عبر «حزب الله» الذي يقاتل ويحظى بتأييد شريحة كبيرة من اللبنانيين.
وكل هذه التحديات والأسئلة الإضافية التي يطرحها مجيء ترامب إلى السلطة، والتي تزيد في العبء السابق الموروث من عهد الإدارة الديمقراطية بالنسبة لشعوب فلسطين ولبنان، ومستقبل الكيانات السياسية، تجعل هذين الشعبين في عين العاصفة.
فلا يعود السؤال ماذا سوف يفعل ترامب، وحده مطروحا، بل كذلك ما الذي على القوى التي تقود اليوم، الدولة والمجتمع والجميع، أن يفعلوه، للتعامل مع كل هذه القضايا، أو تتجنّب كما يقول السياسيون، أن تسود الفوضى، أو الحروب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية