في الانتخابات البريطانية… «البعبع القومي يؤتي أُكُلَه»

حجم الخط
0

■ انتهت الانتخابات البريطانية بفوز من فاز، كما بدأت.. والحياة في اليوم التالي كانت هادئة كالحياة في اليوم الذي سبق الانتخابات وفي يوم الانتخابات نفسه.. ولولا المناقشات والحوارات الهادئة في الإذاعات والقنوات التلفزيونية ـ التي كانت تحلل أسباب فوز وفشل الأطراف المتنافسة، لما شعر أحد بأن زلزالا سياسيا مفاجئا بقوة 8 درجات على مقياس ريختر ضرب ويستمينستر (حي في وسط لندن يضم مقر رئاسة الوزراء والحكومة والوزارات إضافة إلى مجلس العموم البريطاني)…
نعم، انتهت الانتخابات بلا رصاص يطلق في الهواء أو في الصدور، وبلا حرق مراكز اقتراع أو إطارات سيارات غضبا.. انتهت كما بدأت من غير أبواق سيارات ولا أعراس ولا زغاريد. 
انتهت كما بدأت، من غير صور ولافتات تُفرض عليك، في الأحياء والشوارع وكل زاوية من الزوايا، على نحو يثير القرف ويزيد من قذارة الشوارع والحارات والأحياء والأزقة، كما في بلدان أخرى ومن دون تسمية..
انتهت كما بدأت من غير رز وسمن وسكر يوزع على طوابير الناخبين، أملا في كسب أصواتهم.. انتهت كما بدأت من غير مناسف وحلويات لا من قبل ولا من بعد.. 
وانتهت الانتخابات كما بدأت بلا تخوين أو تشكيك في النتائج أو في إدارة عملية التصويت.. انتهت كما بدأت، من دون تشف أو مماحكات، بل باستسلام المهزوم واعترافه بهزيمته والقبول بها وتحمل كامل المسؤولية عنها، ومباركة الفائز على فوزه.. وإشادة الفائز بخصومه. 
نعم انتهت الانتخابات في بريطانيا كما بدأت من دون الحديث عن مؤامرات.. واقتبس جملة رائعة قالها الصديق نواف التميمي، على صفحته في الفيسبوك… «يبدو أن المؤامرات تموت في البحر كالمهاجرين قبل الوصول إلى الشط البريطاني».
ورغم كل ذلك فقد انتهت كما لم تبدأ، بمجزرة سياسية حقيقة طارت فيها رؤوس ليست على الطريقة الداعشية، أو غيره من التنظيمات المستحدثة والغريبة في العالم العربي الجديد! مجزرة سياسية طارت فيها رؤوس من دون بلطات أو سكاكين وأيضا من دون قطرة من الدماء.
فقد أطاحت هذه الانتخابات بعدد من زعماء وقيادات الصف الأول في عدد من الأحزاب. على رأس قائمة الضحايا، زعيم حزب العمال أيد ميليباند الذي استقال بعد الإعلان الرسمي عن النتائج واعترافه بالهزيمة التي تحمّل كامل المسؤولية عنها.. وفتح المجال أمام معركة انتخابية داخلية حامية الوطيس يتنافس على خلافته فيها عدد من قيادات الصف الأول للحزب.
ولم يكن ميليباند، الذي تمكن من الاحتفاظ بمقعده في مجلس العموم، الضحية الوحيدة من حزبه، فقد أطيح بعدد من قيادات الصف الاول منهم، عدد من وزراء الظل الذين هزمهم الناخب مباشرة.. هزمهم في معاقلهم منهم إيد بولز وزير الخزانة الظل في ما تمكنت زوجته إيفا كوبر التي تشغل وزيرة داخلية الظل ومن المرشحين لخلافة ميليباند، من الفوز في دائرتها. وهناك دوغلاس أليكساندر وزير خارجية الظل الإسكتلندي الأصل الذي مني بهزيمة نكراء في مسقط رأسه في إسكتلندا، وكذلك جيم ميرفي زعيم الحزب في إسكتلندا الذي ارتفعت الأصوات تطالبه بالاستقالة وتحمله مسؤولية الهزيمة. 
ولحق بميليباند زعيم حزب الأحرار الديمقراطيين نك كلــــيغ أيضا، الذي تحمل بكل شجاعة المسؤولية عن الانهيار غير المسبوق لشعبية حزبه.. وفي حين احتفظ كليـــغ بمقعــــده، فشل عدد من قادة الصف الأول في الحزب ووزراء في الحكومة الإئتلافية السابقة، منهـــم الوزير فينـــس كيبــــل وزير الأعمال التجارية، ووكيل وزارة المالية دانيال ألكســـندر وتشارلز كندي زعيم الحزب الأسبق وسايمون هيوز من كبـــار المسؤولين.
ومن ضحايا الانتخابات أيضا نايجل فراج زعيم الحزب البريطاني المستقل القومي المتعصب حامل راية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي ووقف الهجرة، لاسيما من الدول الأعضاء الجدد في الاتحاد الأوروبي مثل رومانيا وبولندا وغيرهما. فقد هزم في دائرته الانتخابية.. فأعلن استقالته من على شاشات التلفزيون.
بيد أنه في النهاية عاد ولحس استقالته وأختار السير على خطى «الشاويش» علي عبد الله صالح الذي وعد عندما كان رئيسا بعدم الترشح للرئاسة في اليمن، ولكنه اضطر إلى التراجع «نزولا عند رغبة الجماهير التي خرجت إلى الشوارع تطالب بترشحه»، قبل أن تطيح به. وقال فراج يوم الثلاثاء الماضي إن قيادة الحزب ردت استقالته ورفضت قبولها. ولا أدري إن كان اسم فَرَج أو فرَّاج يرجع إلى أصول عربية، لكن سيره على خطى «الشاويش اليمني» صالح يرجح ذلك.
شئنا أم أبينا كانت هذه الانتخابات ديمقراطية وبامتياز. وهنا أقول لقارئ إختلف معي في ما ذهبت إليه في مقالي «بطاقة عيد الميلاد.. والانتخابات البريطانية» كما قال، من مدح لديمقراطية ويستمينستر، فأنا لم أقصد كيل المديح لأحد، ولكنني كنت فقط أسجل واقعة حصلت معي شخصيا مقارنة بما يحصل في منطقتنا متمنيا أن نتعلم منها لخلق جيل جديد يعرف قيمته ويقدر شأنه ووزنه في مجتمعه.
وربما لا أختلف مع ما ورد في رسالة القارئ عما يحاك في الظلام ليس للشعب البريطاني فحسب، بل لكل الشعوب على وجه الكرة الأرضية، وعلى وجه الخصوص شعوب منطقتنا وما تشهده من مجازر وتقسيمات وإعادة رسم الحدود، وهي ليست إلا مثالا واحدا فقط.. فموضوع المقال لم يكن الحديث عن الأخ الأكبر، أو من سماهم بالعالميين  Globalists، وإنما عن تجربة شخصية أعتقد أنها ذات معنى ومغزى.
وكما قلت فإن هذا لا يغير الواقع، وهو أن الانتخابات وتحديدا في بريطانيا (أم الديمقراطية) هي الأفضل في العالم، وهذا بالطبع، لا يمحو تاريخ هذا البلد الاستعماري الأسود، ومخلفاته الذي يعاني منها الكثير من مناطق العالم، لا سيما المنطقة العربية حتى اللحظة ولسنوات عديدة مقبلة. لكن هذا ليس موضوعنا.
وفي عودة للانتخابات البريطانية التي أجريت في 7 مايو الجاري فإنها إن نجحت في إثبات شيء فهو «كذب المستَطْلِعون وإن صدقوا».
فهذه الاستطلاعات وعلى مدى الشهرين أو الأشهر الثلاثة الماضية، وحتى يوم الاقتراع كانت تتوقع أن تسفر الانتخابات وخلافا للنتائج النهائية، عن برلمان (عدد أعضائه 650 نائبا) من دون أغلبية مطلقة لأي حزب فيه.. وكانت أحيانا ترجح كفة حزب العمال بفارق بسيط، على حزب المحافظين بزعامة ديفيد كاميرون، وأحيانا أخرى ترجح كفة الثاني على الأول وبفارق بسيط أيضا. وحتى استطلاعات ما يسمى استطلاعات الخروج أي التي تشمل آلاف العينات من الناخبين لدى خروجهم من قاعات الاقتراع بعد الإدلاء  بأصواتهم، أثبتت خطأها.
الشيء الثاني الذي أثبتته هذه الانتخابات بنتائجها التي منحت حزب المحافظين أغلبية مطلقة، وإن ليست بالكبيرة، وألحقت بحزب العمال هزيمة لم يشهدها منذ انتخابات عام 1987، أن العزف على وتر القومية هو الأكثر شعبية عند الإنكليز وأتى أُكله وكذلك بالنسبة للإسكتلنديين الذين فشلوا في خريف العام الماضي في نيل الاستقلال عن المملكة المتحدة بأغلبية بسيطة.
والتعصب القومي هو وراء تدفق الأصوات للمحافظين ربما في اللحظات الأخيرة، إذ استغل كاميرون إمكانية ائتلاف حكومي بين العمال والحزب القومي الإسكتلندي «SNP» إذا لم تحسم الانتخابات بإعطاء المحافظين الأغلبية المطلقة، وأصبح البعبع القومي العنصر الأساسي في كل خطاباته الانتخابية في الأيام الاخيرة، آخذا بنصائح مخطط الحملة الأسترالي، راح يخيف الناس من إمكانية أن يفرض الحزب الوطني الإسكتلندي أجندته على مجلس العموم وعلى الإنكليز.
والتعصب القومي أيضا هو الذي حقق لـ «SNP» الفوز الكاسح على منافسيه من الأحزاب الأخرى والحصول على 56 دائرة انتخابية من أصل 59، ليصبح ثالث أكبر كتلة برلمانية بعد المحافظين والعمال.. وكان الخاسر الاكبر هو أيضا حزب العمال الذي لم يفز إلا بثلاثة مقاعد فقط في إسكتلندا. بعبارة أخرى كانت الضربة القومية مزدوجة للعمال في إنكلترا واسكتلندا.
وهذا طبعا يذكرنا كيف أن زعيم حزب الليكود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لعب على الوتر القومي المُطـَعّم ّأيضا بالعنصرية والكراهية للعرب والاستيطانية والعدوانية، نجح في الأيام الاخيرة في إخراج الناخب اليميني من بيته للإدلاء بصوته لصالحه، وفاز بعدد من المقاعد لم يحلم بها، وبعكس ما توقعته استطلاعات الرأي باحتفالية فوز المعسكرين الصهيوني على الليكود بصوت أو صوتين.
ومرة أخرى «كذب المٌستَطلِعون وإن صدقوا».. ويا ليتها تكذب ولو مرة واحدة عربيا.

٭ كاتب فلسطيني من أسرة «القدس العربي»

علي الصالح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية