بيروت – «القدس العربي»: تدخل مها الحاج، الكاتبة والمخرجة الفلسطينية في معالجتها لفكرة فيلم «ما بعد» إلى عمق النفس البشرية، وتبحر معها في رحلة شاقة ومؤلمة. إنه الفقد الذي شكّل محور شريطها.
ندرك بعد مشاهدته مدى نهلها من علم النفس، ككاتبة ومعالجة بدقة لفكرتها عبر الصورة والصوت. اختارت أن تترك زوجين فلسطينيين من غزّة عاريين تماماً كأب وأم. داهمتهما خسارة تفوق الخيال.
«ما بعد» فيلم روائي قصير شكلت غزّة بحاضرها وماضيها محوره. اختارت مها الحاج لتجسيد شخصيات شريطها الجديد الممثل محمد بكري في دور سليمان، والممثلة عرين عمري في دور لبنى، إلى جانب الممثل عامر حليحل. وهو اختيار موفق جداً.
زوجان يعيشان وحيدين في مزرعة نائية. يهتم الزوج بشجر الزيتون، الذي يحيط بمنزله، وتهتم الزوجة بقن دجاج يقع في أقصى المكان. حضور شبه صامت لكل من سليمان ولبنى. إيقاعهما ساكن وبحزن. حركتهما متأنية. عيونهما شاردة. لباسهما قاتم. حالة تدفع للسؤال ماذا بعد المشهد الأول؟ هل من مشهد تالي مختلف؟
يتحدّث الثنائي عن أبنائهما، بثقة واطمئنان وأمل. عن خلاف أحدهم مع زوجته. عن مرض ابن آخر. وعن ذاك الفنان الذي احترف الرسم. عن حلُم الأب بأن تُصبح ابنته دكتورة «تلف العالم.. بلا زواج وبلا بطيخ». عن الابن طارق الذي أرسل أيميل لوالده «يمكن يجو الأسبوع الجاي»؟
نصدّق بقوة حوار الزوجين، وفي أعماقنا نتمنى أن تحصل سريعاً زيارة طارق وعائلته لوالديه، لنعاين للوقوف على كسر ذاك الحزن البليغ الذي لم ندرك سببه. الزوجان يتحاوران ويتبادلان أخبار أبنائهما وهما إلى طاولة الطعام. فيما الانتظار يلحّ على المتلقي لفيلم مها الحاج، إلى أن تحلُّ المفاجأة المدوية. من على سور المنزل يهتف الصحافي «أنا خليل الحاج.. دكتور سليمان حابب أعمل عنكم تقرير، ومن سنين عم افتش عليكم». يعلمه الدكتور سليمان «مش معنيين». يستمر واقفاً قبالتمها والمطر ينهمر.. «دكتور كباية مية من فضلك»؟
عندما يأذن الدكتور سليمان للصحافي بالانضمام إليهما، نعرف المأساة التي ألمت بهما. ونعرف أن الصحافي خليل الحاج كان لدى حصول المأساة بعمر العاش،.
مفاجأة تراجيدية أجابت على السؤال الذي ألح في بداية الفيلم. وما يصعب إدراكه قبل ذلك هي حالة التصديق الكاملة بأن لسليمان ولبنى أربعة شباب وشابة، وهما معنيان بالتواصل معهم، وسرد تفاصيلهم العائلية والمهنية. تواصل عبر الهاتف، وعبر الإيميل. لهذه الدرجة من الاحتراف بلغت مشاهد تصوير حالة الإنكار التي أرادها الزوجان، ومثّلاها بصدق،
تمكنت المخرجة مها الحاج في فيلمها الروائي القصير «ما بعد» من أسر العين والأذن، رغم الاقتصاد في الكلام. تصوير مؤثر للبشر، وللطبيعة التي تزمجر بالرعد والبرق والمطر ونعيق البوم.
سليمان ولبنى يشكلان نموذجاً من آلاف الفلسطينيين في غزّة تحت الإبادة. آلاف يعيشون هذا العري النفسي والإنساني. أهل عراة تماماً من أطفالهم، وأطفال عراة تماماً من ذويهم. وقبل أن يضع العدوان أوزاره، ويختم حلقة جرائمه غير المسبوقة، ظهرت في السينما تلك المعالجة البليغة لحالة الفقد التراجيدية، للعري النفسي الذي يرافقها. إنها واحدة من الوثائق التي يقدّمها الفن السابع عن أشرس الحروب العدوانية، ونتائجها البشرية والنفسية على فلسطين وأهلها، والمستمرّة منذ سنوات.
يُذكر أن «ما بعد» عُرض في مهرجان الجونة ونال جائزة «نجمة الجونة الذهبية». وفاز سابقاً بجائزتي لجنة التحكيم في مهرجان «لوكانو».
