دمشق – «القدس العربي»: فر 300 ألف طفل من لبنان إلى سوريا خلال الأسابيع السبعة الماضية بحثاً عن الأمان من الصراع المتفاقم، ليصلوا إلى بلد الاحتياجات الإنسانية فيه أدنى من أي وقت مضى، حسب منظمة “إنقاذ الطفولة”. ويجري ذلك وسط تحذيرات أممية من نقص التمويل الإنساني في سوريا، مؤكدة أن كلفة التقاعس هائلة، ويمكن أن تؤدي إلى توسيع رقعة الصراع وزيادة تدفق الهجرة إلى خارج البلاد.
وعدد من هؤلاء الأطفال نزحوا من لبنان بمفردهم، وينفصلون عن عائلاتهم، ويتعرضون لخطر الإساءة ونقص الغذاء والمرض مع اقتراب فصل الشتاء.
سليمان الخطيب، مدير منظمة إنسانية تعمل ضمن “شبكة طوارئ البقاع” لتغطية احتياجات النازحين السوريين في بلدات برالياس وسعد نايل، ومجدل عنجر، والمرج والقرى المحيطة، قال لـ “القدس العربي” إن المنظمة وثقت عودة أطفال سوريين إلى بلدهم دون آبائهم، بسبب ظروف الحرب.
وقال: “آلاف العائلات السورية باتت ممزقة، وتعاني من رحلات نزوح متكررة في لبنان، ما اضطر الكثير منهم إلى الدفع بالأطفال مع أمهاتهم إلى سوريا، بينما بقي رب الأسرة في لبنان، لا سيما بعد اعتقال عشرات العائدين، وهو ما أجبر الناس على البقاء تحت القصف بعد المفاضلة مع مصير محتم بالاعتقال في سوريا”.
وأضاف: “تشرف منظمتنا على 7 مراكز إيواء، ويضم مركز إيواء برلياس حوالي 65 طفلاً، وفي غزة حوالي 55 طفلاً، ومثل ذلك في باقي المراكز أي ما يناهز 450 طفلاً في هذه المراكز مجتمعة، حيث نواجه الكثير من التحديات”.
وقال: “بغض النظر عن المعاناة والمأساة الإنسانية والمادية التي يعاني منها الأطفال وعائلاتهم، يمكننا القول إنهم جميعاً بحاجة إلى معالجة نفسية بعد تغير واضح في سلوكهم وحركتهم نتيجة ضغوط الحرب وما تحمله من مشقة يصعب عليهم فهمها كالنزوح المفاجئ بعد قصف وانفجارات، ومشاهد قتل ودمار، والبقاء ضمن غرفة مغلقة وصعوبة تأمين المستلزمات الضرورية وغيرها”.
وتحذر لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا من أن البلاد تُجر إلى الصراع الكارثي الذي يجتاح المنطقة، مشيرة إلى نزوح أكثر من 300 ألف لاجئ سوري، مرة أخرى، من لبنان إلى سوريا بسبب القصف الإسرائيلي، كما فر أكثر من 100 ألف مواطن لبناني إلى سوريا، البلد الذي مزقته الحرب ويشهد هو نفسه زيادة في الغارات الجوية الإسرائيلية ولا يزال غير آمن إلى حد كبير، ويواصل الغرق، بشكل أعمق، في أزمة إنسانية واقتصادية.
وتشير التقديرات التي نشرتها منظمة “إنقاذ الطفولة”، الثلاثاء، إلى أن 70% من النازحين من لبنان إلى سوريا هم سوريون، والبقية لبنانيون أو من جنسيات أخرى. وتقدر الأمم المتحدة أن حوالي 60% منهم أطفال ومراهقون، ويصل العديد منهم في حاجة ماسة إلى الرعاية الطبية، والمأوى، والغذاء، والماء.
وأضافت: “لقد نزح ما لا يقل عن 1.2 مليون شخص في لبنان – أي خمس إجمالي عدد السكان – منذ تصاعد العنف، بما في ذلك العديد من اللاجئين السوريين البالغ عددهم 1.5 مليون لاجئ والذين لجأوا إلى لبنان منذ أن ضرب الصراع بلادهم قبل 13 عاماً”.
وتقول ميساء، 28 عاماً، لاجئة سورية كانت تعيش في لبنان مع زوجها وطفليهما الصغيرين، وبعد فرارها من العنف أصبحت الآن نازحة في سوريا: “عندما اندلع الصراع في لبنان، جلب معه الرعب. كنا نشعر بالرعب من أصوات القصف والقذائف، حيث كنا نعيش في خيمة يمكن لأي رصاصة أن تخترقها. رأينا المباني وهي تُدمَّر وسمعنا صراخ الناس الهاربين من القصف. لقد شهدنا أحداثاً ومواقف مرعبة لن ننساها أبداً. اضطررنا إلى مغادرة لبنان والعودة إلى سوريا”.
ويصل الأطفال النازحون وأسرهم إلى بلد يعاني منذ 13 عاماً من الصراع والأزمات الإنسانية والاقتصادية اللاحقة، والزلزال المدمر الذي ضرب البلاد العام الماضي والذي أثر على 38٪ من السكان. يحتاج حوالي 16.7 مليون شخص إلى المساعدة في سوريا، وهو ما يزيد عن 72٪ من السكان وهو أعلى رقم منذ بداية الأزمة في عام 2011. وتشير التقديرات إلى أن 45٪ من المحتاجين هم من الأطفال. ووصفت ميساء وضعها الحالي قائلة: “الجو بارد للغاية في الليل ولا يوجد ما يدفئ أطفالي. أصيب ابني بالمرض بسبب البرد، وأصيب بالإنفلونزا والالتهابات في جميع أنحاء جسده. لم يتبق لدينا سوى القليل من الطعام. أشعر دائماً بالقلق بشأن تأمين الطعام والملابس لأطفالي”.
مديرة الاستجابة لأزمة سوريا في منظمة إنقاذ الطفولة رشا محرز قالت بهذا الصدد: “لقد قام العديد من هؤلاء الأطفال والأسر الواصلين إلى سوريا من لبنان بنفس الرحلة في الاتجاه الآخر منذ عدة سنوات، هرباً من الصراع على أمل الحصول على الأمان في لبنان. لقد وصلوا إلى سوريا حيث لم تكن الظروف الإنسانية أسوأ من ذلك قط. فقد تضاعفت تكلفة الغذاء تقريباً منذ العام الماضي، ولا يغطي الحد الأدنى للأجور سوى 16% من سلة الغذاء الأساسية. وفي الوقت نفسه، احتاج نصف مليون طفل إلى علاج منقذ للحياة من سوء التغذية الحاد، وهو ما كان من غير الممكن تصوره في سوريا في السابق”.
وأضافت أن المجتمعات في حاجة ماسة إلى المساعدات الإنسانية، ومع ذلك فإن الدعم الدولي يكاد ينفد. ونحن بحاجة إلى رؤية ضخ عاجل للأموال يعطي الأولوية لاحتياجات وتعافي الأطفال والشباب الذين نزحوا حديثاً وكذلك المجتمعات التي تستضيفهم. إن الوصول إلى التعليم ودعم الصحة العقلية للأطفال ورفاهتهم من الاحتياجات الأساسية للأطفال الآن، فضلاً عن الاستثمار في برامج التعافي المبكر لحماية مستقبلهم. ومن الأهمية بمكان أن يضع المجتمع الدولي ثقله الكامل وراء الدعوات إلى وقف إطلاق النار ومنع المزيد من العنف الذي يخلف مثل هذا التأثير المدمر على المنطقة.
وتعمل منظمة إنقاذ الطفولة وشركاؤها على دعم الأشخاص القادمين من لبنان من خلال توزيع البطانيات والطعام والمياه وغيرها من المواد الأساسية.
وتنشط المنظمة في سوريا منذ عام 2012، حيث وصلت إلى أكثر من عشرة ملايين شخص، بما في ذلك أكثر من ستة ملايين طفل. تجمع برامج منظمة إنقاذ الطفولة بين التدخلات الطارئة والمنقذة للحياة وأنشطة التعافي المبكر التي تدعم استعادة الخدمات الأساسية، بما في ذلك حماية الطفل والتعليم والاستجابة للطوارئ والأمن الغذائي وسبل العيش والمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية وكذلك الصحة والتغذية.
كما تعمل منظمة إنقاذ الطفولة في لبنان منذ عام 1953، حيث تساعد الأطفال على البقاء والتعلم والبقاء في أمان. ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023، توسع نطاق استجابة المنظمة في جنوب لبنان، لدعم الأطفال والأسر اللبنانية والسورية والفلسطينية النازحة بسبب العنف.
كانت الأمم المتحدة قد حذرت، الأسبوع الفائت، من نقص التمويل الإنساني في سوريا، مؤكدة أن كلفة التقاعس هائلة، ويمكن أن تؤدي إلى توسيع رقعة الصراع وزيادة تدفق الهجرة إلى خارج البلاد.
جاء ذلك في بيان مشترك للمنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في سوريا، آدم عبد المولى، والمنسق الإقليمي للشؤون الإنسانية للأزمة السورية، رامناتن بالكرشنن.
وقال البيان إن “الأزمة الإنسانية في سوريا تتعمق وتتسع، حيث يحتاج اثنان من كل ثلاثة أشخاص إلى المساعدات الإنسانية المنقذة للحياة حاجة ماسة، أو يحتاجونها للحفاظ على رمقهم”.
وأوضح أنه “بالإضافة إلى 16.7 مليون محتاج إلى الإغاثة أصلاً في سوريا، فقد فر إليها 510 آلاف سوري ولبنان وفلسطيني من لبنان خوفاً على حياتهم، و75% من الوافدين الجدد هم من النساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة”، مضيفاً أن “هؤلاء لجأوا مضطرين إلى بلد يعاني أصلاً من أزمة إنسانية طالت لأكثر من عقد من الزمن”.
وأشار البيان الأممي إلى أن “معظم الوافدين الجدد يستضيفهم أقاربهم وأصدقاؤهم ضمن مجتمعات محلية تعاني أصلاً من شح الموارد، حيث يحصل الوافدون على خدمات تقدمها آليات الاستجابة الإنسانية القائمة بالأساس، والتي تقف بالفعل على حافة الانهيار”.
وذكر البيان أنه لم يتم تمويل سوى 27% من خطة الاستجابة الإنسانية لسوريا، البالغة 4.07 مليارات دولار أمريكي، كما لم يحصل نداء الطوارئ، الذي أطلق في أيلول الماضي، سوى على 32 مليون دولار فقط بما فيها 12 مليون دولار من صندوق الطوارئ المركزي، في حين سعى النداء إلى تأمين 324 مليون دولار لتلبية احتياجات الوافدين الجدد. ودعا البيان الأممي مجتمع المانحين إلى “زيادة دعمه للاستجابة الإنسانية في سوريا، بشكل عاجل وكبير”، محذراً من أن “كلفة التقاعس هائلة، ومن شأنها أن تتجاوز حد تفاقم المعاناة الإنسانية، حيث يمكن أن يؤدي إلى زعزعة الاستقرار أكثر في المنطقة، وتدفق الهجرة خارجها، كما يمكن أن يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع”.