التقى إيلون ماسك سفير إيران لدى الأمم المتحدة، وحث السفير الإيراني ماسك في اجتماعهما على السعي للحصول على إعفاءات من العقوبات الأمريكية، والقيام بأعمال تجارية في طهران.
لندن ـ «القدس العربي»: طرق المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي باب طهران، ففتحت له أبواب موقعين نوويين هامين في البلاد يوم الجمعة. وذكرت وسائل إعلام رسمية أن غروسي زار محطة نطنز النووية وموقع التخصيب في فوردو المحفور في جبل على بعد نحو 100 كيلومتر إلى الجنوب من العاصمة طهران.
وتكمن أهمية هذا التطور في كون العلاقات بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية متوترة بسبب عدد من المسائل العالقة منذ فترة طويلة، منها منع إيران خبراء في تخصيب اليورانيوم تابعين للوكالة من دخول البلاد وعدم توضيحها لأسباب وجود آثار يورانيوم في مواقع لم تعلن عنها سابقا.
وتم تفسير زيارة الموقعين النوويين على أنها خطوة عملية تعقيبا على ما أعلنه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال استقباله غروسي يوم الخميس قائلا: «نحن مستعدون للتعاون والتقارب مع المنظمة الدولية للطاقة الذرية من أجل إزالة جوانب الغموض والشكوك المزعومة حول الأنشطة النووية السلمية لبلادنا» وفق الرئاسة الإيرانية.
وجاءت الخطوة الإيرانية لتعطي دفعا لمسعى دبلوماسي متوقع لدول الترويكا الأوروبية وهي فرنسا وألمانيا وبريطانيا بشأن الأنشطة النووية لطهران قبل عودة دونالد ترامب رسميا إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير المقبل بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي جرت في 6 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري. فخلال الولاية السابقة لترامب انسحبت الولايات المتحدة عام 2018 من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي إضافة إلى ألمانيا، وهي المجموعة المعروفة باسم خمسة زائدا واحد، وهو اتفاق كان يقيد أنشطة إيران النووية مقابل إلغاء عقوبات دولية مفروضة عليها منذ سنوات طويلة.
الخروج الأمريكي من الاتفاق في عهد الجمهوري ترامب الأول، ألقى بظله على ولاية الرئيس الديمقراطي جو بايدن، حيث لم تفلح المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران عبر بقية أطراف الاتفاق في إحياء العمل به مجددا، حيث كانت طهران تتهم واشنطن بعدم الجدية في إعطاء ضمانات حقيقية لعدم الخروج مجددا من الاتفاق إذا عاد ترامب لحكم الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي ظل ما يشاع عن إمكانية عودة سياسة الضغط الأقصى على طهران في عهد ترامب، فإن الدبلوماسية الإيرانية استبقت ذلك عبر قول وزير الخارجية عباس عراقجي لرئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية «إن طهران مستعدة لحل النزاعات العالقة بشأن برنامجها النووي، لكنها لن تستسلم للضغوط».
ثم خاطب عراقجي الطرف الأوروبي في تغريدة على موقع إكس قال فيها: «الكرة الآن في ملعب الاتحاد الأوروبي/الترويكا الأوروبية. نحن على استعداد للتفاوض على أساس مصلحتنا الوطنية وحقوقنا التي لا يمكن التنازل عنها، لكننا غير مستعدين للتفاوض تحت الضغط والترهيب».
وجاء الرد الأمريكي سريعا حيث أكدت واشنطن أنها تنتظر تغييرا في «سلوك» طهران لا مجرد أقوال، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية فيدانت باتل «في نهاية المطاف، ما نريد أن نراه من إيران هو تغيير فعلي في السلوك والخطوات، لا مجرد مؤشرات أو تلميحات الى أمر ما. نريد ضمان ألا تمتلك إيران أبدا سلاحا نوويا».
خطوة من القنبلة
وتحدثت دوائر الاستخبارات الأمريكية مؤخرا بأن إيران تقف على بعد خطوة واحدة من إنتاج القنبلة النووية خلال أسبوع أو أسبوعين، لكنها لم تقرر فعل ذلك حتى الآن.
وكانت طهران ردت على خروج ترامب من الاتفاق النووي برفع نسبة تخصيب اليورانيوم بدرجة كبيرة، وهي حاليا بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المئة، وهو ما يقترب من نسبة 90 في المئة المطلوبة لتصنيع قنبلة ذرية.
وما زالت القيادة الإيرانية تتحدث عن سلمية البرنامج النووي، لكن كمال خرازي أحد مستشاري المرشد خامنئي قال أكثر من مرة إن بلاده قد تراجع عقيدتها النووية في حال تعرضت للخطر.
وتتركز تلك العقيدة حول فتوى دينية كان أصدرها المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي تؤكد حرمة امتلاك السلاح النووي، ولا يستبعد كثيرون إمكانية تغيير تلك الفتوى على قاعدة «أن الضرورات تبيح المحظورات» إذ أن خامنئي صاحب الفتوى، هو أيضا القائد الأعلى للقوات المسلحة الإيرانية، وقد يأخذ برأي القادة العسكريين بتغيير تلك الفتوى في حال تعرضت بلادهم للخطر.
وبات معروفا أن مصدر ذلك الخطر هو تل أبيب حيث حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مؤخرا من أن إيران «أكثر عرضة من أي وقت مضى لضربات على منشآتها النووية».
إلا أن ما أعلنه الرئيس ترامب عن انفتاحه على الحل الدبلوماسي مع إيران قد يعيد الأمور إلى نصابها، خاصة وأن ترامب لم يكن مرتاحا لتجربة الاحتكاك العسكري المباشر مع إيران عندما أمر بقتل جنرالها الأبرز قاسم سليماني عام 2020 لدى وصوله إلى بغداد، فردت القيادة الإيرانية حينها بتوجيه ضربات صاروخية إلى قاعدة عين الأسد الأمريكية في العراق، وكانت حينها أول قاعدة أمريكية تتعرض لهجوم من طرف دولة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكان لافتا أن بعض المحيطين بترامب يسعون إلى فتح خطوط مباشرة مع إيران وإن كان من باب الصفقات التي يجيدها ترامب، فصحيفة «نيويورك تايمز» ذكرت الخميس الماضي أن الملياردير إيلون ماسك المقرب من الرئيس ترامب التقى سفير إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني في محاولة لنزع فتيل التوتر بين طهران وواشنطن. ونقلت الصحيفة عن مصدرين إيرانيين لم تسمّهما قولهما إن اللقاء بين أغنى رجل في العالم والسفير إيرواني كان «إيجابيا» واستمر لأكثر من ساعة في مكان غير معلن يوم الاثنين الماضي.
وأضافت الصحيفة أن السفير الإيراني حث ماسك في اجتماعهما على السعي للحصول على إعفاءات من العقوبات الأمريكية، والقيام بأعمال تجارية في طهران، حسبما نقلت الصحيفة عن مسؤول بوزارة الخارجية الإيرانية. ولم يؤكد فريق ترامب أو بعثة إيران لدى الأمم المتحدة اللقاء على الفور.
وتقول وكالة الصحافة الفرنسية أنه في حال تأكيد حصول اللقاء، فإنه يبعث إشارة مبكرة إلى أن ترامب جاد بشأن إجراء حوار مع إيران وعدم الركون إلى النهج الأكثر تشددا الذي يفضله العديد من المحافظين في حزبه الجمهوري وكذلك إسرائيل. ويظهر هذا مجددا النفوذ الاستثنائي لمالك شركة تيسلا ومنصة اكس، بحضوره الدائم إلى جانب ترامب ومشاركته بالمكالمات الهاتفية للرئيس المنتخب مع زعماء العالم. لكن ترامب يقدم نفسه باعتباره رجل الصفقات، وخلال حملته الأخيرة أعرب عن انفتاحه على الدبلوماسية رغم دعمه المعلن لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحالم بقصف المنشآت النووية الإيرانية.
ويجزم الكثير من المراقبين أن قصف تلك المنشآت لن يوقف البرنامج النووي الإيراني لاعتبارات عديدة، أبرزها وجود المنشآت الرئيسية في قواعد عميقة تحت الأرض وقد لا تؤثر فيها حتى «أم القنابل الأمريكية» كما أن العلوم النووية في إيران تم نشرها «أفقيا» في عقول آلاف الخبراء النوويين من جيل الشباب، ولم تعد مقتصرة على وجودها «عاموديا» لدى كبار الخبراء والمتخصصين النوويين الذين جرى اغتيال عدد كبير منهم، وبالتالي فإن إيران صارت جاهزة لامتصاص أي ضربة محتملة وقد يدفعها ذلك إلى تغيير عقيدتها النووية.