هآرتس: كيف يبدو بشار الأسد “شريكاً هادئاً” في الاتفاق بين إسرائيل ولبنان؟ 

حجم الخط
0

عودة المبعوث الأمريكي عاموس هوكشتاين، الذي يحل في بيروت بعد تسلمه رد لبنان على مسودة اتفاق وقف إطلاق النار، تفسر بأنها دليل آخر على تقدم حقيقي قبل استكمال الاتفاق. “المناخ الإيجابي” و”التفاؤل”، حسب تعبير رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، الذي يتفاوض باسم حزب الله، وتفاصيل كثيرة تنشر حول مضمون الخطة، تدل على احتمالية التوقيع “خلال بضعة أيام”.

 للوهلة الأولى، لم يبق سوى أمرين مختلف عليهما بين إسرائيل ولبنان: مطالبة إسرائيل بحرية العمل في لبنان في أي حالة يخرق فيها حزب الله الاتفاق، وطريقة إقامة وتشكيل لجنة الرقابة الدولية. ولكن على الأقل -حسب ما نشر في لبنان- هناك حوالي 12 قضية، بعضها تصريحية وتهدف إلى الحفاظ على كرامة لبنان كدولة سيادية، وبعضها عملياتية وتحتاج إلى التسوية والموافقة قبل التوقيع.

 من بين هذه القضايا، مطالبة لبنان بمنع إسرائيل من القيام بطلعات المراقبة والتصوير في سماء لبنان، وحق كل طرف، ليس فقط إسرائيل، في الدفاع عن نفسه في حالة الخرق، حيث كل رد من أي طرف سيكون بحاجة إلى التشاور مع لجنة الرقابة التي ستكون ملزمة بالتشاور مع الطرفين، تشكيلة لجنة الرقابة لن توسع، وستشمل لبنان وإسرائيل والأمم المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا، وستبقى قوة اليونيفيل في إطارها الذي حدده القرار 1701، سواء من ناحية الحجم أو الصلاحيات، وطلب لبنان عدم السماح لإسرائيل أن تطلب من لجنة الرقابة الإذن لاقتحام مواقع في لبنان أو العمل ضد نشاطات على أراضي لبنان؛ لأن ذلك سيمثل مساً بسيادة لبنان؛ والسماح بعودة المهجرين اللبنانيين في الأيام الأولى لدخول وقف إطلاق النار إلى حيز التنفيذ لمنع إسرائيل من إقامة منطقة أمنية جنوبي لبنان؛ وتحرير جميع الأسرى الذين اعتقلتهم إسرائيل في حرب لبنان.

 وثمة طلب آخر للبنان، يشمل تعهداً يكون للبنان بحسبه صلاحية حصرية في كل قرار يتعلق بإعادة الإعمار، دون أن يكون لإسرائيل حق التدخل في قضايا تتعلق بطبيعة التأهيل، أو المصدر الذي سيمول إعادة الإعمار. هذا بند حيوي بالنسبة لحزب الله الذي يستهدف تمكين إيران من ضخ الأموال لحزب الله بصورة شرعية بذريعة المساعدة في إعادة الإعمار، وهكذا زيادة مكانة الحزب باعتباره جهة تفي بالتزاماتها لمساعدة مواطني الدولة المتضررين من الحرب.

 معظم هذه الطلبات، حتى قضية الرقابة وبند حرية عمل إسرائيل، الذي حصل في إسرائيل في السابق على وصف “الدفاع عن النفس”، ليست طلبات تمنع الاتفاق، لأن إسرائيل ولبنان تطمحان إلى التوصل إلى التوقيع عليه. ولكن في الديناميكية المعروفة لإدارة المفاوضات، التي يريد كل طرف فيها عرض نفسه على أنه الطرف الذي حقق إنجازات وأجبر الطرف الآخر على التنازل، يتوقع كما يبدو أننا سنكون بحاجة إلى مزيد من أيام النقاشات وتبادل الرسائل. وخلال ذلك، سيتم توضيح الصياغة وتهذيبها وتدقيقها، وبالأساس تضييعها، وسيقتل خلالها المزيد من الجنود والمدنيين. من المهم التذكر بأن الدقة القانونية التي رافقت صياغة القرار 1701 في 2006 لم تساعد كثيراً عندما وضع هذا القرار على محك التطبيق.

 عندما يستكمل الاتفاق، سيكون موقعاً من حكومة لبنان، لكنه في جوهره اتفاق بين إسرائيل وحزب الله وإيران. اتفاق معد بالأساس لتقييد نشاطات حزب الله في جنوب لبنان، والتمكين من عودة المهجرين على جانبي الحدود إلى بيوتهم. مكانة حزب الله ومكانة إيران في لبنان كقوى سياسية مهمة يمكنها إملاء سياسة لبنان، لن تتضرر. الجيش اللبناني المعزز قد يجند حوالي 6 آلاف جندي إضافي، والاستفادة من زيادة الميزانية للحصول على السلاح والذخيرة. هذا الجيش سينتشر على طول الحدود، وسيطبق البنود ذات الصلة المشمولة في القرار 1701 والقرار السابق 1559 من العام 2004، ولكن مشكوك فيه إذا كان هذا الجيش يستطيع، أو يتخذ قرار نزع سلاح حزب الله وتحييد تهديده العسكري الذي يفرضه داخل لبنان.

 ربما تكون هذه نقطة من نقاط الضعف في الاتفاق. في الواقع، المطلوب من حكومة لبنان -حسب القرارات السابقة- منع إدخال السلاح والذخيرة إلى الدولة باستثناء ما هو مطلوب للجيش اللبناني. ولكن امتحان الدولة وامتحان الاتفاق المتبلور يكمن في قدرة الحكومة على العثور على أنبوب تزويد السلاح القادم لحزب الله من سوريا وعبر البحر، ووقفه أيضاً. السؤال الذي سيقف أمام إسرائيل والدول الضامنة للاتفاق، لا سيما الولايات المتحدة، هو: هل يشكل إدخال السلاح غير القانوني إلى لبنان خرقاً للاتفاق، الخرق الذي سيعطي إسرائيل شرعية رسمية للعمل في لبنان، وبهذا تعريض الاتفاق للخطر؟

روسيا غير مشاركة

 لتطبيق هذا البند في الاتفاق، على إسرائيل إيجاد “شريك هادئ”، يجلس في دمشق. عملت إسرائيل حتى الآن بدون تقييد تقريباً، بالأساس في سوريا، لإغلاق قنوات تزويد السلاح. مؤخراً، نشر أنها توجهت إلى روسيا وطلبت العمل على منع نقل السلاح من سوريا. كان الرد الروسي بارداً. المبعوث الروسي في سوريا، ألكسندر لبرنتييف، أوضح بأن روسيا رفضت طلب إسرائيل؛ لأن ذلك ليس دورها، وأن هذا الأمر “خارج تفويض قوات روسيا العاملة في سوريا والتي هدفها مكافحة الإرهاب”. إضافة إلى ذلك، الاستجابة لهذا الطلب ستلزم روسيا بإقامة حواجز على الطرق والرقابة على المعابر الحدودية والقيام بالخطوات التي تحتاج إلى موافقة نظام الأسد.

 مؤخراً، وسعت إسرائيل من ناحيتها حدود منطقة هجماتها في سوريا، وقصفت ضمن أهداف أخرى، أهدافاً في دمشق وإدلب وحمص وحماة، وهي حالات أصيب فيها جنود سوريون. هذا إضافة إلى نشاطات محددة في سوريا التي أسرت فيها ناشطاً في حزب الله، أو تفجير منشآت معينة. بصورة استثنائية، هاجمت اللاذقية قرب مطار “حميميم”، التابع لسيطرة روسيا.

 الأسد ليس بحاجة إلى إشارة سميكة جداً ليدرك الخطر الذي يشكله وجود إيران في بلاده، أو أن سوريا أصبحت شارعاً سريعاً لنقل السلاح من إيران إلى لبنان. ولكن اعتماده الاقتصادي على إيران التي توفر له ربع – نصف حاجته من الوقود، وخطوط اعتماد لتمويل نشاطات النظام، لا يمكنه من المطالبة بسحب قواتها. في المقابل، أوقف الأسد معظم محاولات “فيلق القدس” و”حزب الله” لتحويل سوريا إلى منصة لانطلاق الهجمات ضد إسرائيل، وهو بالأساس تبنى سياسة حيادية تجاه الحرب في غزة. ولم يقتصر الأمر على عدم مشاركته بالفعل في “وحدة الساحات” كجزء من “حلقة النار” الإيرانية، بل تجاهل هو ووسائل الإعلام السورية حماس تماماً، وقوات الأمن السورية منعت إجراء مظاهرات تأييد في مخيمات اللاجئين في سوريا. عندما فحصت إيران إمكانية انتقال قيادة حماس من قطر إلى سوريا، رفض الأسد ذلك بشكل حازم.

 الأسد الذي عاد في السنة الماضية إلى “الحضن العربي” والجامعة العربية التي علقت فيها عضوية سوريا في 2011، يسيطر على 70 في المئة من أراضي الدولة بفضل مساعدة عسكرية كثيفة من روسيا وليس بفضل مساعدة إيران. ولكن ربما وجد الآن الفرصة لترميم مكانته أيضاً أمام الولايات المتحدة، بالتحديد بعد فوز ترامب. مؤخراً، صاغت سبع دول أوروبية، على رأسها إيطاليا، مشروع قرار “إعادة فحص سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا”، واستئناف العلاقات الدبلوماسية معها كقناة ستمكن من التخلص من ملايين اللاجئين السوريين الموجودين في أوروبا.

 ترامب في الحقيقة كان الرئيس في 2019 عندما صودق على “قانون قيصر”، الذي يفرض عقوبات شديدة على سوريا بشكل خاص، لكنه أيضاً كان وما زال الرئيس الطامح لسحب حوالي الـ 900 جندي أمريكي موجودين في سوريا. تحقيق هذه الغاية سيقتضي من ترامب تجنيد مساعدة سوريا وتركيا لحماية سلامة الأكراد في سوريا، حلفاء الولايات المتحدة في حربها ضد “داعش”. من غير المستبعد أن يقوم ترامب، هاوي “الصفقات الكبيرة”، بـ “إعادة فحص” سياسة أمريكا تجاه سوريا، وأن يطرح خطوة ربما لن تبعد إيران من سوريا. ولكنه سيحاول ضمان عدم نقل السلاح من سوريا إلى لبنان، وبالتالي تحويل الأسد إلى “شريك هادئ” في اتفاق لبنان. 

تسفي برئيل

هآرتس 19/11/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية