حفارون سودانيون وموريتانيون و«دواعش» وآخرون من تنظيم «القاعدة»… يبحثون عن الذهب

حجم الخط
1

نواكشوط – «القدس العربي»: في نقطة عند ملتقى حدود النيجر وتشاد مع ليبيا، يتزاحم آلاف الحفارين الباحثين عن الذهب والقادمين من كل حدب وصوب.
هذه المنطقة، التي ظلت لقرون مأوى للسحالي وزواحف الصحراء فقط والتي تقع في أعالي كثبان جابو المقفرة، غير بعيد من مدينة بيلما الواحاتية في شمال شرق النيجر. وقد تحولت خلال أشهر إلى ما يشبه صعيد القيامة. فالحفارات لا يهدأ أزيزها، والوجوه مغبرة بصفرة وقترة الذهب، وأجهزة الكشف عن المعدن النفيس تلمع في كل مكان، وهواتف الثريا المحمولة – وهي وسيلة الاتصال الوحيدة – ترن على مدار الساعة.
إنها القيامة بالفعل: هذا ينبش في عرق ذهبي خصب، وهؤلاء ينقلون على الجمال والحمير وعلى سيارات «اللاند كروزر» ما وجدوه من التربة الصفراء، وهناك من يضع أجهزته للكشف عن مخبآت الغيب، وغير بعيد منه شيخ مشعوذ يهاتف الجن، وبين هولاء وأولئك سماسرة ومفاوضون.
كانت بداية هذه المعجزة تربة صفراء اكتشفها ذات يوم من أيام إبريل / نيسان من السنة الماضية مواطن نيجيري يرعى الأغنام، وعرضها على صناع الذهب في بيلما. فاشتروها منه بآلاف الافرنكات بعد ما لاحظوا خصوبتها بالذهب. ثم كان أن رافقوه إلى ذلك المكان لتنطلق بعد ذلك عمليات الحفر وليتزاحم الحفارون الباحثون عن الثراء من كل مكان.
في هذا الموقع حفارون سودانيون مهرة تركوا جبل عامر في دارفور بذهبه الخالص. وفيه موريتانيون جذبتهم أخبار الذهب الإبريز الذي لا مالك له، كما يقول الشاب الموريتاني سيدي ولد محمد سالم بائع مواد غذائية في الموقع.
الغريب، حسب مصدر أمني نيجري، أن لتنظيم الدولة الاسلامية أيضا حفاروها المتسترون هنا في مرتفعات جابو، ولتنظيم القاعدة حفاروه الذين يتخفون وراء قبعات لا يمكن كشفها. «فهذا الموقع» يقول المصدر متأسفا، «هو أحد أهم الروافد التمويلية للإرهاب».
لا يحتاج الباحث عن التربة الصفراء لأي ورشة أو عمالة لأن هذه المادة الغالية تؤخذ مباشرة من الأرض. فما عليك إلا أن تنبش بقدمك لتحصل على ما خف حمله وغلا ثمنه.
وبعد أن كان الحفر بدائيا، دخل مؤخرا على سكة عشاق المعدن الأصفر خبراء جشع ذوو إمكانيات متطورة. وهكذا بدأت أجهزة الكشف الألكتروني عن الذهب تدخل في هذه المعركة.
لقد تحولت منطقة جابو من التصحر والجدب والقحولة إلى الحياة… أصبحت جابو فجأة تضج بخلايا نحل لا تكل، حيث الحفارون يستغلون منطقة لم تتمكن سلطات البلدان الثلاثة المحيطة بها من استغلالها بسبب القحل والوعورة.
يقول الحفار السوداني سيف الدين أحمد: «لا شك في أن وراء هذه التربة التي يشكل الذهب الخالص نسبة 30 في المئة منها كنوز وثراء.. اللهم وفقنا».
في الوقت الحالي ينشط في منطقة التربة الذهبية ما يزيد على 13 ألف حفار من 30 جنسية، حسب تقديرات مصالح أمن المنطقة التي يتنازع خفر الحدود تشادي والنيجري السيطرة عليها. ويستفيد سكان ضواحي مدينة بيلما النيجرية من هذا النشاط. فقد عمهم الثراء اذ وجد عاطلوهم أعمالا مربحة لأن الراتب اليومي للشخص الحفار 15000 فرنك افريقي (30 دولارا). أما برميل الماء النادر في مواقع الحفر فقد ارتفع إلى 5000 فرنك افريقي (10 دولارات).
وممن استفاد من هذا النشاط المشعوذون و»الحجّابون» الذين توافدوا من كل مكان، والذين تدفع لهم الأموال مقابل طرد المردة والشياطين الذين قد يكون نبي الله سليمان عليه السلام قد كلفهم رصد هذه الكنوز وحراستها. ولذا يشترط الشيخ المشعوذ مبلغ عشرة آلاف دولار مقابل تعويذات وبخرات يمنحها للراغب في الحفر ليبدأ التنقيب آمنا من شر الجن وصولات الشياطين.
ومن جهته يبتز الجيش تشادي الحفارين باستمرار. وحسب تأكيدات لموريتانيين يعملون في المنطقة فقد اعتاد هؤلاء الحفارون على زيارات استغلال وابتزاز لقائد فرقة أمن الحدود تشادية الذي لا يرضى بأقل من عشر غرامات من الذهب الخالص تمنح له عربونا صافيا، مقابل عدم اعتقال الناشطين في الموقع.
ولا يهتم المسؤولون الأمنيون في الدول الثلاث بإيقاف هذا النزيف ولا بإغلاق هذا الموقع الساحر لأن الجميع – كل على شاكلته – يجنون منافع نقدية من هذا التنقيب الفوضوي. ولا يشك المستفيدون في أن مداخليهم هذه ستنضب بمجرد أن تدخل الآليات الحكومية لهذا المكان ويغادره الطامعون.
هكذا تصدرت كثبان جابو المشهد فجذبت بتربتها الصفراء ذات اللون الفاقع، فقراء وطماع ومنتهزي الفرص عبر العالم. إنها نعمة ساقتها الأقدار، لسكان بيلما. فهاهم قد استغنوا وتحسنت أحوال معاشهم، بعد أن بلغ بهم الفقر والجهد درجة جعلتهم يعيشون، قبل هذا الاكتشاف، على قديد الجراد وخشاش الأرض.

عبد الله مولود

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية