لندن ـ «القدس العربي»: الفارق بين الكلام السياسي الذي يدلي به في لبنان سمير جعجع، رئيس حزب «القوات اللبنانية» ووليد جنبلاط الزعيم اللبناني الرئيس السابق لـ«اللقاء الديمقراطي» يبدو ضئيلًا.
يطالب الاثنان بإخراج لبنان من أيّ وصاية أو تأثير إيراني، وبوقف استمرار الجنوب اللبناني، ولبنان، ساحة حرب ضد إسرائيل.
وهذا التطابق في الموقف، يفترض أنهما في موقع سياسي واحد، أو في تحالف سياسي.. لكنّه ليس حال ما يجري في لبنان.
فالبلاد التي تواجه حربا إسرائيلية مدمّرة ومجرمة، تشهد انقساما حول العديد من الأمور، ليس فيما يتعلق برؤية مستقبل البلاد فحسب، بل بكيفية إدارة الخطاب السياسي والإعلامي، المتواجه. قبل نحو عشرين عاما، كان لجنبلاط أن يرفع الصوت متقدما صفّ قيادات قوى الرابع عشر من آذار، إلى جانب جعجع، وسعد الحريري، وأمين الجميل، وقوى وأحزاب وشخصيات، واجهت الوصاية السورية بعد اغتيال رفيق الحريري.
لكن هذا المشهد تفتّت وتكسّر، لأسباب وأسباب، وتنقل الرجال بين الاصطفافات والتحالفات و»التكويعات» والانحسار، وصولا إلى «الاعتزال» القسري عند البعض.
ومنذ 2005 وحتى اليوم، شهدت البلاد أحداثا كبيرة، من مسلسل الاغتيالات الذي عاد فأنهته تفاهمات إقليمية، – مع استثناءات – إلى حرب تموز وصعود «حزب الله» المنتصر، ورضوخ داخلي، إلى حرب مخيم نهر البارد التي دفع الفلسطينيون ثمنها، إلى السابع من أيار، وتداعياته على المشهد الحكومي في لبنان، واتفاق الدوحة ضمنا، وصولا إلى الثورة السورية وآثارها الكبيرة على الانقسام، والتورّط اللبناني فيها، إلى أزمة الحريري مع السعودية بعد انتخابه ميشال عون رئيسا للبلاد، إلى الانهيار المالي الأسوأ في تاريخ لبنان، وانتفاضة تشرين التي صاحبته، إلى انفجار المرفأ والجرح الغائر الذي خلّفه في وجدان اللبنانيين، إلى كل بقيّة المصائب التي جُرّ إليها لبنان جرّا، وهو أساسا منهك القوى، ونظامه السياسي والدستوري معطّل ومتداع، وقراره كدولة مصادر داخليا وخارجيا.
اليوم، قد يكون المشهد في لبنان، بعد 81 عاما على استقلاله، الأكثر إيلاما في كل تاريخ وطن الأرز.
فمع أن لبنان دفع أثمانا غالية طوال مسيرته، وعلى مدى أكثر من نصف قرن على الأقل، إسنادا لفلسطين، ومع انقسام دائم حول طريقة الإسناد، وتداعياته على السّلم الأهلي وسلامة الدولة والوطن والكيان، فضلًا عن أزمة النظام اللبناني التي لم تجد لها حلّا ـ رغم اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في مطلع التسعينيات، إلا أن الهجمة الإسرائيلية اليوم تبدو أكثر خطورة أو بشاعة.
تحميل المسؤوليات
وتوصيف الوقائع
لبنان يدمّر، وقراه تباد… عشرات القرى، ويقال أكثر من أربعين، ثم يتوقف العدّ، مُحيت عن أرض الجنوب، والاغتيالات لقادة «حزب الله» روّعت فئة كبيرة من اللبنانيين، ويتّمتهم إلى حين.
وواقع التّهجير تزيد آلامه الانقسامات الداخلية، وحرب إسرائيل الخبيثة في تكتيكات قتل الناس.
وفرضُ شروط «المنتصر» هو ما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، من دون أن يتضّح حتى الآن إلى أيّ مدى سوف يذهب الإسرائيلي في حربه، سواء بالإعلان عن اتفاق قد يكون وشيكا، وقد يكون جزءا من مناورات رئيس الوزراء الإسرائيلي المطلوب للعدالة الدولية بتهم جرائم ضد الإنسانية.
وقد يقال الكثير، وهو يقال، في محاولات تفسير الواقع الذي وصل إليه لبنان، وفي تحميل المسؤوليات وتوصيف الوقائع.. وكّله كلام سياسي طبيعيّ أن يكون مشروعا بعدما حصل.
لكنّه لبنان.
بطوائفه المتراصّة على نفسها، والمتنافرة فيما بينها، نقمة أو نعمة، ومتمايزات أبنائه فيما بينهم، وبالخلافات الكبيرة بين قادته الذين يجمع بينهم فساد المحاصصة الناتج عن الطريقة التي حكم بها لبنان منذ نهاية الحرب، ثمّ منذ ما بعد 2005.
ومع ذلك، يبقى التمايز واضحاً بين المنطق الذي يروّج له وليد جنبلاط، ومنطق جعجع.
فمع أن جعجع لم يستخدم منذ الأزمة الأخيرة أي خطاب نافر ضد المكوّن الشيعي في البلاد، بل بدا ناصحا حاثّا، مبالغا في إظهار محبّته، إلا أن المنطق الذي يطرحه، الداعي إلى حلّ يستفيد من الأوضاع الراهنة لإعادة إنتاج الحكم الإسلامي المسيحي المشترك في لبنان، وإخراجه من المحور الذي تقوده إيران، محكوم عنده بعناوين مثل المنطق والحقّ والميثاقية وما يجب أن يكون، قنعا أو فرضاً.
أما عند جنبلاط، الذي يوافق مع جعجع على معظم العناوين السياسية الكبيرة في ضرورة سيادة لبنانية خارج المحاور، وسيادة الدولة على السلاح، واستعادة لبنان إلى الاصطفاف العربي الرسمي، فلا بدّ أن يحدث ذلك بالتفاهم مع مكوّن أساسي في لبنان هم الشيعة، الشيعة اللبنانيون العرب، الذين يمثّل غالبيتهم اليوم «حزب الله» والرئيس نبيه بري و»حركة أمل».
ومنطق جنبلاط الذي عبّر عنه من خلال مواقفه الأخيرة، هو الإقناع، إقناع المكونات اللبنانية بالذهاب إلى تسوية داخلية تفاهمية تكون انعكاسا أيضا لتسوية إقليمية، تشمل إيران، لكنها لا تزال بعيدة المنال، رغم كل الحديث عن اتفاق ينهي الحرب الإسرائيلية.
وليس هذا منطق وليد جنبلاط وحده، فقد عبّر عنه، عبر أثير حوار المنصات الرقمية والتلفزيونية، سياسيون لبنانيون، بدرجات متفاوتة، دعوا إلى تسوية قائمة على التفاهم والقبول بين اللبنانيين، من منطلق المصلحة والضرورة والحرص على البلد كما يقولون.
لكن المنطق هذا له من تصدّى له، بالسياسة أيضاً، فيحمّله مسؤولية وتبعات كل الإخفاقات التي جرّت لبنان إلى هذا الدرك، من تجنب المواجهة مع «حزب الله» والتنازلات في الداخل، والركون إلى التراجعات خوفا على سلم أهلي هشّ جدّا جدّا.
ويكاد اللبنانيون المعارضون لـ«حزب الله» أن يكونوا بين هذين الاتجاهين، المواجهة أو التفاهم على حلّ، والتفاهم هو ما يسعى إليه أيضاً بعض السياسيين الآخرين المعارضين، غير جبهة معراب السّيادية التي يسعى جعجع إلى أن يكون «قائدها المستحقّ».
انقسام على مستوى
القواعد الشعبية
ومع كل الجدال الدائر في البلاد، الذي وصل إلى حدود عالية في سقف التراشق، كما تبيّنه حوارات التلفزيونات والمنصّات اللبنانية بشكل كبير.
لكن «الحوار» اللبناني الصّارخ، يعكس أيضاً انقساما على مستوى القواعد الشعبية، وهو انقسام كبير، على الرّغم من كل صور التضامن الاجتماعي والأهلي مع النازحين الذي تحرص الأطراف اللبنانية على إظهاره أحيانا.
وهكذا، فتح المجال لخطاب التطرف على مصراعيه. تطرّف يدعو إلى حلّ في لبنان، ينهي حالة غياب الدولة الشاذّ، من خلال «الفرصة الثمينة» التي يوفّرها الإسرائيلي، وكذلك الأحلام المعقودة على «الحبّ الترامبي اللبناني» وعلى ترويج لفكرة مفادها أن الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، قد يكون ضارّا لكل العالم ربّما، وللأمريكيين وللأوروبيين ربّما، وطبعا وأكيد للفلسطينيين، ولكنّ اللبناني هو الوحيد الذي سيستفيد.
وهذه النظريّة التي تلقى رواجا في أوساط متشدّدي «التيار السيادي» تعتبر أن على «حزب الله» بعد «كل ما فعله» أن يرضخ ويستسلم لإسرائيل، وأن يرتضي نزع سلاحه، وإلا سوف، بل يجب، أن ينزع الإسرائيلي سلاحه قسرا، وأن تقرّ الإدارة الأمريكية هذا وتساهم فيه، وتنظّم انتقال لبنان القسري من الحضن الإيراني، إلى الموقع الآخر.
وانبرى عدد من المعلّقين على الشاشات الرقمية والتلفزيونية، وهم قلّة، إلى تبني لغة تشبه كثيرا لغة القوة التي رفعتها «القوات اللبنانية» مع بشير الجميل، عشيّة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، والقائمة على اعتبار أن الانتصار (على «حزب الله» اليوم، وعلى الفلسطينيين والمسلمين عام 82) حصل فعلا، وينبغي استكماله وعدم تضييع الفرصة.
هؤلاء تحديدا، يعارضون أيّ اتفاق بين إسرائيل ولبنان ينهي الحرب بشكل منقوص، أي من دون تفكيك منظومة «حزب الله» العسكرية ـ واستطرادا إضعافه سياسيّا في الداخل.
والمشكلة في هذا المنطق وهذه اللّغة وهذا الخطاب، ليس مبرراته، ولا الأسباب التي يطرحها، بل في أنّه يتضمن دعوة إلى المستحيل في الحالة اللبنانية.
لان لبنان، كما هو اليوم، القائم على حكم ـ لا يعمل ـ، يعتمد التوافق العام بين طوائفه والشراكة فيما بينها أيضاً، لا يمكن أن يُحكم بشكل مستقرّ بانتصار فريق على آخر، ولا حتى تحت شعار الشّراكة الثنائية المسيحية الإسلامية، التي لم تعد موجودة، بل صارت منذ زمن ثلاثية.
وما يقوله بعض هؤلاء المعلّقين، لا يشير إلى هيمنة أبدا، ولا إلى انتصار، بل يعود إلى نفس المنطلقات الدعائية التي حكمت أكثر الأحزاب اللبنانية عند المسيحيين تشدّدا، كأنّه خطاب «حراس الأرز» عند هذه القلّة ذات الصّوت العالي.
هو خطاب لبناني قوميّ أحيانا، وقوميّ مسيحي أحيانا، يخيّر اللبنانيين جميعا، بين القبول بما يطرحوه، أو الذهاب إلى خيارات «أخرى» ومنها التقسيم ـ حتى لو مكرها. بمعنى إما ان تقبلوا أو حلّوا عنا.
ويوجد الاستفزازيّون في هذا التطرف على المنصات، أولئك الذين استعادوا صراحة مواقف الراحل سعيد عقل بشكل حرفي تقريبًا عشية الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 واستعاروا مثاله وذكره، أو يجهرون بدعوات السلام مع إسرائيل ـ وهو ما لا يفعله جعجع اليوم، لأسباب وأسباب، إلا من ضمن «سلام عربي شامل».
ويوجد من يتبنّى السردية الإسرائيلية كاملة فيما حدث من 7 أكتوبر وحتى اليوم، ليس فقط في لبنان، بل كذلك في فلسطين.
وهؤلاء، يمثّلون جزءا كبيراً من الانقسام اللبناني.
لكن المعارضين لخطاب التطرف، من قوى سياسية أو أفراد، يواجهون منطق التطرّف هذا بطرح معادلة شديدة الواقعية. أنه لا يمكن في لبنان أن تفرض على أي طائفة، أو على أيّ مكون لبناني، بالقوّة، أي نظام سياسي، أو أيّ معادلة جديدة في البلاد.
كما أن التّصفيق للمنطق الإسرائيلي ـ أو على الأقل اعتباره الحرب الإسرائيلية فرصة للبنان ـ لا تقتصر أضراره على جرّ البلاد إلى وهم انتصارات الطوائف التي لم تستطع أن توجد استقرارا في أيّ مرحلة سادت.
بل إنها كذلك تشكل استفزازا عاطفيا للنازحين اللبنانيين، وللطائفة الشيعية على وجه الخصوص، الذين تلقت قيادتهم السياسية ممثّلة بـ«حزب الله» ضربات موجعة، لكنّها لا تزال تقاتل على أرض الجنوب، بدعم إيراني مفتوح طبعا، ولا تزال تؤيد «حزب الله» في غياب أي انتخابات أو استحقاقات تختبر هذا التّأييد بعد.
وقد تشكّل أكثر من ذلك أيضا، إهانة للبنانيين أنفسهم عندما تظهر فريقا منهم، ولو كان قلّة، متضامنا في لغته مع أكثر حكومات إسرائيل إجراما ووحشية، على الشعب الفلسطيني وعلى الشعب اللبناني. فالعالم كلّه يتجه إلى عزل اليمين الإسرائيلي الحاكم المتعطش للدماء، فيما التماهي مع روايات الإسرائيلي لا تزيد الواقع اللبناني إلا انقساما قد يصعب إصلاحه، أو توقّع نتائجه بعد أن تنتهي هذه الحرب.
فالحرب سوف تنتهي في يوم ما، قريب أو بعيد، لكن ما بعد الحرب سيبقى «حزب الله» ليس بصواريخه، بل برسوخه الشعبي الذي يزيد منه طبعا، خطاب الكراهية السائد عند الطرف الآخر.
وخطاب الكراهية هذا، أو خطاب التهديد والوعيد والمواجهة، لا يسود فقط عند القلّة من متطرفي «التيّار السياديّ» بل كان ولا يزال راسخًا أيضاً في الطرف الآخر، «محور المقاومة» الذي يأخذ عليه خصومه أنه مارس التهديد والوعيد، وأكثر من هذا أيضاً، التصفية الجسدية كما يتّهمه الآخرون، قبل الحرب، وهو اليوم يعود إليها في وجه أيّ رأي معاكس له، فيما يطلب أن يفاوض منفردا إسرائيل، وبالشراكة فقط مع ثانيه في المعادلة الشيعية ـ نبيه بري -، مهما قيل أو قال عن العودة إلى اتفاق الطائف، والعناوين التي ثبت بالممارسة في الحقبة السابقة أنها لم تعد مضبوطة بدستور أو نصّ، بل بواقع القوّة على الأرض فقط، الوحيد القادر أن يفتح مجلس نواب منتخب أو يقفله.
ليس للحقّ مكانة كبيرة
خطابان يتوهّمان القوة والانتصار، أو يدّعيانه، مع فارق كبير في مضمونهما. ومع فارق أكيد في صورة «الحلم» بعودة لبنان إلى ما «كان عليه» أو ما نشأ عليه، وإلا فلكلّ طريقه.
في لبنان، ليس للحقّ مكانة كبيرة. لبنان بحاجة أكثر إلى الحبّ في هذه الحرب البشعة، إذا كان لا بدّ من استمراره.. إلى توافقات وتنازلات كبيرة، وإلى إرادات سياسية عند القابضين على رقبة اللبنانيين منذ عقود طويلة في سلطة الطوائف.. إلى تنازلات عند الجميع، ومن بينهم الإسلام السياسي الشيعي، والمسيحيون الذين لا يجمعون كلهم على «الطائف» حتى الآن. وقد يكون، كما يؤكّد الداعون إلى التوافق، بحاجة إلى مصالحة وطنية تستفيد من كل إخفاقات المصالحات المفروضة السابقة.
فاليوم، أكثر من أي وقت مضى، لا يظهر أن للخارج القدرة على فرض هذه المصالحات إذا لم يكن عند اللبنانيين الحاكمين إرادة سياسية لإنقاذ ما تبقى، وإعطاء الشعب اللبناني نفسا بعد عقود من الاحتراب الأهلي المتوتّر والعنيف.
مثلا، هذا قد هذا يجد رضى لدى الشّيعي، في جبل عامل وفي البقاع وفي بيروت، ولدى المسيحي المتعطّش للعيش على أرضه وأرض أجداده وجبلهم وساحلهم، ولدى الدرزي القانع بالسّلم وحده منذ زمن، ولدى السّني الذي سئم تجاوزات الشارع وشحّ المال والعوز وغياب القيادة السياسية، ولدى كل لبناني في الطوائف وخارجها يتطلّع إلى مستقبله ومستقبل عائلته، ولدى الفلسطيني في لبنان المنسيّ والمُهمل والمحروم من حقوقه والعرضة في كل مناسبة لتنمّر عنصري من بعض «التطرف اللبناني» والنازح السوري المظلوم و»المكروه» عند لبنانيين كثر، وهو يفتّش عن حلّ أيضًا.