رواية «نَهر جَاسِم» للعراقي سعد سعيد: الحب والحرب وثنائية الذات وذاتها المضادة

يقتضي مشغل الكتابة الروائية جملة اشتراطات دائما ما يضعها الروائي نصب عينيه، مثل بقية المشتغلين في ميادين الإبداع، في مقدمتها، الإطار الذي يستوعب الفكرة التي يروم طرحها في نتاجه. فمن البديهي أنه لا يكتفي فقط بإيصال رسالته بما تحمله من أفكار، بقدر ما يولي عنايته القصوى بالتقنيات التي سيلجأ إليها في عملية خلق الصورة النهائية، التي يظهر بواسطتها خطابه، فالمهم بالنسبة له أن لا يكون نتاجه في حالة تبعية للواقع الخام الذي استلهم منه حكايته، بمعنى أن يكون قادرا على خلق قرين لهذا الواقع.
وفي رواية «نهر جاسم» الصادرة عن دار أبجد عام 2023. كان الواقع فيها نقطة الانطلاق في صياغة بنية سردية نُسِجت خيوط حبكتها بأنامل التخييل، إلى جانب أن المؤلف سعد سعيد بدا منجذبا إلى تأكيد صلة النص بمرجعيته المستوحاة من الواقع، وهذا ما تشي به الرسائل التي تضمنتها الرواية (أربع عشرة رسالة) التي سبق أن نشر واحدة منها على صفحته في موقع فيسبوك قبل أن يفكر بكتابة روايته.

انشطار الذات

تمثل شخصية «جاسم» المادة الأساسية في هذه الرواية، فهي نقطة الارتكاز التي تنطلق منها الأحداث، وتتحدد اتجاهاتها وفقا لحركتها في السرد. كما يتم من خلالها الكشف عن طبيعة الشخصيات وتشابك علاقاتها وهي تختبر هواجسها وعواطفها في زمن السلم والحرب. هذه الثنائية – الحرب والسلم – تتناوب على الحضور والغياب في الشكل الفني، الذي جاءت عليه الحبكة السردية، لتشكل العمود الفقري الذي ينهض عليه المبنى الحكائي، إلى جانب حالة الانشطار الثنائية التي تعيشها شخصية «جاسم» وترافقها طيلة مسارات السرد، كما لو أنها من الناحية السايكولوجية لا تبدو شخصية واحدة، بل هي شخصيتان داخل شخصية واحدة، وفي حالة تضاد وتصادم مع بعضهما. وكل واحدة منهما تحاول فرض قناعاتها وأفكارها وقيمها على الأخرى، وقد كرَّس هذا الخيار الفني الذي انحاز إليه المؤلف. ليس حالة الصراع النفسي الداخلي للشخصية. بقدر ما أظهر طبيعة التمزق والتصدع الذي أصاب جدران الواقع الموضوعي الذي يحيط بها. من هنا يمكن النظر أيضا إلى خيار تقسيم الرواية إلى جزئين، الأول حمل عنوان «نهر»، حيث تولى فيه السارد العليم وبصيغة الضمير الغائب مسؤولية سرد الأحداث، ليكون من الناحية التقنية بمثابة الاستهلال الذي يهيئ القارئ قبل دخوله إلى العوالم السردية للرواية وما تطرحه من أسئلة تواجه الإنسان عبر شخصية جاسم «من أنا؟ ماذا أفعل هنا؟». ومع موقفها المأخوذ بالنزعة الفردية، إلاّ أن خطاب الرواية في هذا الجزء يشير إلى سطوة هذه الثنائية على لسان السارد العليم، عندما يقر بأن «حياة الإنسان نهر يجري، ولكنه غير مرئي بالنسبة للآخرين، فالمرئي من الإنسان هو فقط ما يظهر من جبل الجليد عادة، ولكن أين هذا من صيرورته الحقيقية التي تجري في الخفاء حتى يصل نهايته». إزاء هذا يبقى الغموض علامة فارقة تحيط بمجريات الواقع الذي تمر به حياة الشخصية الرئيسية، إلى الحد الذي تعجز فيه عن الوصول إلى حل هذا اللغز، رغم ما هي عليه من نزعة التمرد على اشتراطات الواقع.
أما الجزء الثاني من الرواية فقد حمل عنوان «جاسم» وهنا تتولى مسؤولية السّرد الشخصية الرئيسية بصيغة ضمير المتكلم. والبداية تكون من خلال الرسالة التي يوجهها الجندي جاسم إلى حبيبته فاطمة في ليلة 23/ 24 كانون الأول/ديسمبر 1986 «حبيبتي فاطمة.. ليلة غريبة حقا كانت هذه التي أشهد ساعات صباحها الأخيرة الآن، فقد كانت ليلة ليلاء بحق، ولكنها انتهت على خير حال، لأن الذي كان متوقعا لم يحدث، ولكن هذا لا يمنع من أن تكون هناك ليال أخرى تماثلها بالترقب والانتظار والتعب، كما كانت هناك ليال مشابهة قبلها».

تقنية الرسائل

بقدر ما كانت الرسائل التي كان «جاسم» يرسلها إلى حبيته فاطمة من جبهة الحرب تمثل من الناحية التقنية انتقالة في زاوية الرؤية إلى الشخصية، إلاَّ أنها جاءت بمثابة عناوين عريضة تتيح للقارئ احتواء فصول من الحياة التي عاشتها الشخصية الرئيسية، ومن بين سطورها ومفرداتها تتسلل الأفكار والرؤى حول كل شيء له صلة بالمشاعر الجميلة والموجعة التي يحملها، وما الحب فيها إلاَّ عنوان كبير. يفتح الأسئلة على حقائق ذات صلة وثيقة بوجوده، مثل الموت والحياة والخيانة والحرب والانكسارات «أتعرفين يا زهرتي بأن يهوذا الخائن لم يمت؟ بل هو حي خالد في ضمائرنا. يقتلع في كل حين غرس السلام والوئام في نفوس البشر الضالين. يحمِّلنا ألف صليب وصليب لكي نمشي في دروب العذاب حتى نصلب في النهاية بإثم خطايانا». جاسم الذي يعشق الحياة مثلما يعشق النساء، وكل ما له صلة بالجمال، كان قد ارتبط بعلاقة حب مع زميلته فاطمة أيام كان طالبا يدرس في الكلية، واستمرت علاقتهما إلى أن تخرجا، ثم التحق بالخدمة العسكرية الإلزامية أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وظل يكتب لها الرسائل طيلة فترة الحرب، لكن فاطمة اختفت من حياته بشكل غامض، ولم يعد يعرف عنها أي شيء، ثم يكتشف – في وقت متأخر من زمن أحداث الرواية – أن جميع الرسائل لم تصلها. عندما وجدها مكدسة ويعلوها الغبار من بعد أن يفتح صندوقه البريدي «ما هذا؟ الصندوق مليء بالرسائل العشرات منها. معقول». تأتي هذه الخاتمة لترسخ الإحساس بضياع الإنسان وغيبوبته في هذه الحياة المخادعة، مثلما فقد ذاكرته بعد أن صدمته هيام بسيارتها، ولم يعد يعرف من هو وما حقيقة هذا العالم الغريب الذي وجد نفسه فيه فجأة «حاول أن يرتب أفكاره لعله يستطيع أن يفهم شيئا. ولكن الأمر بدا له مستحيلا. نعم.. هو حدس بأن حادثا ما قد وقع، ولذلك كان يشعر بآلام في أماكن مختلفة من جسده، ولكن ما الذي أتى به إلى هنا أساسا؟ وكيف وقع الحادث؟ ولكنه سرعان ما جزع من هذه الأسئلة الحائرة عندما تذكر بأنه لم يعرف بعد من يكون».
ورغم أن جاسم تزوج من «حنان» المرأة الثرية التي أنقذته من الفقر والضياع وحالة اللاجدوى، التي كان يعيشها، ومنحته الاستقرار المادي والعائلي، كما منحته ولدين يحبهما كثيرا، إلاَّ أنها لم تمنحه بديلا عن الحب الذي ضاع منه، وبقيت العلاقة بينهما خالية من المشاعر، خاصة بعد أن وجدته عاجزا عن توفير حياة أفضل بسبب محدودية راتبه الشهري.. أما هيام التي تصغره بالسن والتي تعرف عليها بعد أن شاء القدر أن تصدمه بسيارتها، فقد تعلق بها هي الأخرى، لكن فارق العمر الكبير بينهما منعه من الاستمرار بتطوير هذه العلاقة، إضافة إلى غيرة زوجته عليه.
الحافز الرئيس للسرد يتمثل في حادث الاصطدام وفقدانه للذاكرة قبل أن تتعرف عليه عائلته بعد يومين على الحادث عن طريق الإعلان الذي نشرته عائلة هيام في الجريدة.
بدت شخصية جاسم منفتحة على محيطها الاجتماعي، ولديه القدرة على بناء علاقات جديدة حتى مع نساء يصغرنه في السن. فبعد أن تخطى عتبة الستين من عمره يلتقي بالشابة الصغيرة «عذبة» أثناء ما كان يزور شباب تشرين المنتفضين في ساحة التحرير ضد السلطة الحاكمة، فيستيقظ في داخله الطفل والمراهق والشاب، لكنه بقي مرتبطا بوجدانه مع فاطمة، المرأة الذي كتب لها رسائل صاغها بأجمل العبارات المعبأة بالشوق، ورغم اختفائها الغامض بقي يبحث عنها طيلة ثلاثة عقود حتى بعد أن تجاوز العقد السادس من عمره، متأملا العثور عليها في يوم ما، وكان خياله يوهمه بأنه يراها في أماكن كثيرة أثناء سيره في بغداد.

طبقات السرد

يتوزع المبنى الحكائي من حيث الزمن على طبقات متعددة، وشاء المؤلف في نسج حبكته أن لا يتحرك اتجاه السرد بمسار أفقي، متخذا بذلك حركة ذات اتجاهات متشظية، تتأرجح بين الذهاب إلى الماضي والعودة إلى الحاضر، ولتكون الرسائل صلة الوصل بينها. وبهذا الشكل الديناميكي تكون بنية السرد قد استوعبت وبشكل حيوي ومكثف أكثر من ستة عقود من الزمن عاشها جاسم، ابتداء من فترة خمسينيات القرن الماضي عندما كان طفلا وانتهاء بالسنين التي أعقبت احتلال بغداد من قبل الأمريكيين. والتجارب التي مرّ بها تركت أثرها الواضح على وعيه وفلسفته في الحياة، حتى إنه في حالة جدل مستمر مع نفسه. كما لو أنه يحمل في داخله شخصية أخرى تراقبه وتحاسبه وتنتقده على كل فكرة تخطر على باله، أو أي عمل يقدم عليه. إلى جانب ما لديه من شغف كبير بالنساء والمدينة ومباهج الحياة، ولم تستطع الحرب التي عاش قساوة تجربتها خلال ثمانينيات القرن الماضي. أن تطفئ هذا الشغف. لذا يصر على كتابة رسائل الحب الى حبيبته فاطمة من جبهات القتال. دون أن يعير أهمية لما يدور حوله من ظروف قاسية، أقلها وطأة أن حياته كانت معرضة للموت في أي لحظة، فهو متصالح مع نفسه مثلما هو متصالح مع الخوف، ويعرف حدوده معه، فلا الخوف المقدس قادر على أن يكتم عواطفه، ولا الخوف بدلالته الطبيعية أيضا، ولأنه يحمل قدرا كبيرا من المشاعر الجميلة، يشعر بضياع السنين وهو يعيش تجربة الحرب بكل مرارتها ووحشيتها.
في خضم هذه الإشكالية الوجودية التي تمر عليه، يجد نفسه شاهدا على دناءات البشر في زمن الحرب، فتسقط لديه أي قناعة حول النصر في الحروب، فالجميع في نظره خاسرون، والنصر ما هو إلاَّ وهم ابتدعه خيال الطرف الأقوى من الخاسرين. فيكتب رسالة إلى حبيته فاطمة يقول فيها: «بائس أنا لبعدي عنك، حزين ومحبط، في هذه اللحظات أشعر بأشد الحاجة إليك، ولكنك بعيدة، الآن أريد أن أبكي، أن أصرخ، ولكن يمنعني خجلي اللعين، خجل أنا من نفسي، بل مشمئز، هل يمكن أن يكون للحياة مثل هذا الوجه القبيح الذي أراه الآن؟». هذه التساؤلات تصل به إلى لحظة عدمية ينتفي فيها إيمانه بكل شيء «رباه. ولكن أي رب هذا الذي أدعوه؟».
الرواية تتصدى لثنائية الحب والحرب في سياقهما الاجتماعي والثقافي والنفسي، انطلاقا من تجربة إنسان عاش تجربة الحرب بكل قساوتها، بينما كان يعيش تجربة حب يسعى إلى أن تنتهي بالزواج، لكن الحرب أنهتها، ولم يعد يعرف شيئا عن الإنسانة التي ارتبط بها وظل يبحث عنها حتى بعد أن تزوج وأصبح لديه أولاد وتجاوز العقد السادس من عمره.
في النهاية نحن أمام رواية قائمة على شخصية محورية تستحوذ على بنية السرد، حيث يتم توظيف الأحداث والشخصيات من أجل التوغل عميقا في دواخلها التي تتجادل وتتصارع فيها أفكارها ومشاعرها ورؤية ذاتها لذاتها، وللزمن الذي تعيش فيه، فنرى كل شيء من خلال ثنائية صراعها مع نفسها ومع محطيها.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية