بات الحصول على لقمة العيش أمرا خطيرا ومرهقا في مناطق وسط وجنوب قطاع غزة، حيث يواجه النازحون مجاعة خطيرة ومقلقة، وسط صعوبة كبيرة في الحصول على الطحين لإنتاج الخبز، الأمر الذي دفع بأعداد كبيرة من النازحين للمخاطرة بحياتهم من أجل الحصول على القليل من الخبز بعد الاصطفاف لساعات طويلة يوميا على أبواب المخابز. وتصدرت مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد تجمهر المواطنين بالمئات أمام المخابز من ساعات الفجر الأولى لأخذ مكان في الطوابير الطويلة، ويحصل القليل منهم على الخبز بسبب عدم توفر الطحين، حيث بدأت الأزمة تشتد بعد توقف برامج التوزيع على المواطنين من قبل المنظمات الإغاثية الدولية في مناطق وسط وجنوب غزة مطلع تشرين الأول/أكتوبر الماضي وبات الحصول على كيس الطحين حلم كل مواطن في الجنوب.
وتجد وكالة الأونروا ومنظمة الأغذية العالمية صعوبة في عودة برامج توزيع الطحين على المواطنين في مناطق جنوب قطاع غزة بسبب النقص الحاد في امدادات المستودعات بالطحين والعديد من أصناف المواد التموينية الأخرى منذ فترة طويلة، ويعود ذلك إلى عمليات السطو التي يقوم بها قطاع الطرق، الذين يعتدون بالقوة وتهديد السلاح على شاحنات الطحين والمساعدات أثناء مرورها على مقربة من تواجد الجيش الإسرائيلي شرق مدينة رفح، ما سبب عجزا كبيرا في إمدادات المعونات وبالأخص الطحين، الذي يشكل نقصه أزمة خطيرة.
وتفتقد مناطق واسعة من القطاع للأمن بسبب غياب الأجهزة المعنية منذ بداية الحرب، الأمر الذي أوجد حالة من الفوضى في مختلف مناطق القطاع. وعلى صعيد التكدس الهائل للمواطنين على أبواب المخابز، يحاول مسلحون مدنيون يعملون بشكل شخصي ضبط حالة الفوضى أمام المخابز، لكن المواطنين لا يلتزمون بأوامر عناصر الأمن، وبالتالي يحدث عنف ومشادات تنتج في غالبية الأحيان إصابات وحالات قتل.
يقول المتحدث باسم الأمم المتحدة في غزة ستيفان دوجاريك، «يعاني جنوب قطاع غزة من نقص حاد في الطحين بفعل الإجراءات الإسرائيلية وسرقة اللصوص شاحنات الطحين أثناء مرورها من معابر الجانب الإسرائيلي مع غزة، كما أن جميع الناس في وسط وجنوب القطاع يكافحون من أجل الحصول على رغيف خبز، وخطر المجاعة بات يهدد أكثر من مليون مواطن ونازح» مشيرا إلى أن الجانب الإسرائيلي يعمل بشكل متعمد ضمن سياسة تجويع القطاع، على تقنين كميات المساعدات المدخلة، إلى جانب السماح لقطاع الطرق بالسطو على الشاحنات وسرقتها.
في مقابل ذلك يحمل مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن المجاعة الكارثية وحالة الفوضى وانعدام الأمن في غزة، بعد أن شرع الاحتلال بتشكيل عناصر من داخل القطاع لزعزعة الأمن وسرقة المساعدات، وفرض مجاعة بين المواطنين، الأمر الذي زاد من معاناة المواطنين وقلقهم من حدوث مجاعة خطيرة إذا استمر الحال على ما هو خلال الأيام والأسابيع المقبلة.
المواطن محمد الكردي من مدينة دير البلح يخرج يوميا عند الساعة الثالثة فجرا تحت أزيز الطائرات الحربية الإسرائيلية والظلام الدامس، من أجل الوصول إلى أحد المخابز في منطقة البلد وسط المدينة، للحصول على ربطة خبز، لا تكاد تكفى أسرته حتى المساء.
ويقول لـ«القدس العربي»: «هناك مجاعة حقيقية يمر بها السكان في المدينة، بعد أن توقفت الأونروا عن توزيع الطحين منذ أشهر، بسبب العجز في إمدادات الطحين إلى مخازنها، واستمرار هذا التوقف أرهق السكان والنازحين، وبدأ الناس يبحثون هنا وهناك من أجل الحصول على الطحين لسد جوعهم، خاصة وأن الأسواق تشهد شحا حادا في المواد التموينية، في ظل حرب التجويع التي تمارسها إسرائيل ضد سكان قطاع غزة».
ولفت إلى أن محاولات الحصول على ربطة الخبز لا يمكن أن تتحقق في كثير من الأحيان، وهذا يعود إلى التكدس الكبير للمواطنين، وحدوث مشاكل وعنف وإطلاق نار في بعض الأحيان، عدا عن الكميات المحدودة من الخبز التي تنتجها المخابز يوميا مقارنة بأعداد من يحتاجون الخبز.
أما المواطن أحمد الشيخ فبات مجبرا على شراء كيس طحين وزن 25 كيلو غراما بمبلغ 400 شيكل، بعدما كان سعره 20 شيكلا لتفادي المشاكل التي تحدث عند المخابز.
يقول لـ «القدس العربي» إن رحلة البحث عن لقمة العيش في غزة خطيرة ومرهقة وتكلف الإنسان حياته، فتارة يستهدف الاحتلال تجمهر المواطنين أمام المخابز، وتارة أخرى تشكل الفوضى الداخلية مشكلة خطيرة للمواطنين، نتيجة التدافع أمام المخابز والعراك بالأيدي بين المواطنين.
أما أم فايز فهي تخرج على مدار أيام مع حلول الصباح إلى إحدى المخابز وسط مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة من أجل الحصول على ربطة خبز لا تزيد عن 20 رغيفا تسد بها جوع أسرتها الذين يواجهون مجاعة منذ أسابيع بفعل نقص الطحين.
وتقول إنها لم تفلح في الحصول على الخبز بسبب ازدحام المواطنين الهائل على المخبز القريب من خيمتها حتى أنها تعرضت مرات عديدة للإصابة بحالات إغماء بسبب الازدحام وتدافع المواطنين أمام المخبز.
وتشير إلى أن توقف عمل التكيات القريبة من خيمتها إثر النقص في المواد التموينية وارتفاع أسعار ما هو متوفر في الأسواق، كرس من معاناة أسرتها من الجوع، كما أن المساعدات التي تحتوي على مواد تموينية، لم تحصل عليها منذ أشهر.
وفي ظل اشتداد الأزمة، يخيم البؤس والضعف على أجساد المواطنين الذين يعانون من الجوع وسوء التغذية، وبات المواطنون منشغلون بكيفية الحصول على الطحين بعدما كانوا منشغلين بأخبار الحرب ومتى سوف تنتهي، وسط حالة من الغضب والامتعاض الشديد من تصاعد ظاهرة سرقة المساعدات، وانعدام الأمن في مناطق جنوب قطاع غزة، التي تكتظ بمئات الآلاف من النازحين.