يتربص المستعمر بالفنان لأنه يعبّر عن الفكر الحر والمقاومة والتدمير المتعمّد للتراث جريمة حرب
بيروت: القدس العربي «آرت زون فلسطين» منصة اُطلقت حديثاً، أخذت على عاتقها «رصد التحولات التي لا بد أن يشهدها حقل الفنون البصرية الفلسطينية» في حرب الإبادة التي ينفذّها الصهاينة في غزّة منذ سنة وشهرين. إذ ترى المنصة في الإبادة المستمرّة أنها تُشكّل «لحظة فارقة في التاريخ الفلسطيني». فقد سبق «للنكبة أن مثّلت تحولاً وقطيعة مع الخطاب الذي كان قبلها… وما يحصل خلخل المفاهيم الثقافية والأخلاقية والجمالية المهيمنة».
بالتزامن مع الإعلان عن نفسها أطلقت منصة «آرت زون فلسطين» موقعاً فنياً ومعرضاً حمل عنوان DNA تضمّن في أول حضور له أعمالاً فنية أبيدت، أو فقدت وبقيت نسختها فقط على هواتف الفنانين. وحمل الموقع بحدود الـ450 عملاً لـ19 فناناً من غزّة. والرابط الخاص بهذه الأعمال متوافر للجمهور. وبعد الإعلان عن تلك المنصة توالت الاتصالات من فنانين تعرّضت محترفاتهم ومنازلهم للتدمير الكامل، وبقي لهم فقط صوراً يمتلكونها على هواتفهم المحمولة.
نعرف أن 41 فناناً وناشطاً ومؤثراً استشهدوا في غزّة. قُتل الفنانون التشكيليون بقصف متعمّد لمنازلهم. استشهدت محاسن الخطيب مؤخراً في مخيم جباليا، ورئيس منتدى الفن التشكيلي ثائر الطويل، وحليمة كلوت مع 10 من عائلتها، كما استشهدت هبة زقوت مع ابنها، واستشهد رسّام الجداريات محمد سامي قريقع في قصف المشفى المعمداني. قريقة كان معروفاً من الجميع بجدارياته، وبانصرافه لتهدئة الأطفال المحتمين بالمشفى المعمداني من خلال اللعب الهادف. وبالتأكيد هناك فنانون آخرون شهداء غابت أسماؤهم عنا، فغزّة تُعرف بأنها نبع الفن والفنانين، وهم بالعشرات.
هنا تحقيق عن «أرت زون فلسطين» ومشاريعها المستقبلية، ودورها في الإضاءة على الفن التشكيلي المباد، ومحاولة لإبلاغ العالم بأن غزّة تعيش تحت رحمة عدو يستهدف الإنسان الفلسطيني، وآثار وطنه المغرقة في التاريخ، وكذلك الفنانين وفنون الحاضر كونها تفضح همجيته، وبأنه محتل صهيوني لا بد أن يرحل يوماً.
الفنان الغزاوي سلمان نواتي المقيم في السويد، وعضو اللجنة الاستشارية لمنصة «آرت زون فلسطين» أجاب على أسئلة «القدس العربي»:
○ شاركت بتأسيس «آرت زون فلسطين». كيف لهذه المنصة إحياء الفن المباد وجعل الفنانين الشهداء أحياءً بيننا؟
• يبدأ الرهان على بقاء الفن حياً من استمرار حياة الفنانين أولاً ونقل تجاربهم إلى أجيال جديدة تواصل المسيرة. لم نتوقف يوماً عن إنتاج الفن أو الثقافة، وبكافة الظروف منذ النكبة إلى يومنا هذا حيث غزّة تحت الإبادة. نحن شعب مهووس بالإنتاج وبالفن، وبالتعليم وبإثبات الذات. لقد أدركت أن إثبات الذات ناتج من التهميش والرفض الذي تعرّض ويتعرّض له الشعب الفلسطيني على مدى عقود. في كل مطار يقف فيه مواطن فلسطيني يشعر بحالة الرفض، كونه لا ينتمي لدولة معترف بها، ولا يحمل جواز سفر واضح. لهذا يصرّ لإثبات ذاته، ويتضاعف الهوس بالإنتاج مع كل إبادة نتعرّض لها.
○ كفنان من غزّة هل راقبت من بعيد ما يرسمه الفنانون على جدرانها وعلى خيم النزوح؟
• جسدياً أعيش في الخارج، وحين بدأ العدوان على غزّة كنت أسمع القصف في أذنيّ، فذاكرة الجسد ما تزال حاضرة. وآخر حرب شهدتها في القطاع كانت سنة 2021. لست مُراقِباً فقط لما يرسمه الفنانون في غزّة، بل 90 في المئة من وقتي أمضيه بحثاً عن منح لمساعدة الفنانين. وبما أننا لسنا تحت الموت الذي يُزنّر غزّة وناسها، أشعر بمسؤولية كبيرة كفنان وفرد لأن أتحدّث باسم هؤلاء الفنانين، والبحث في كيفية مساعدتهم.
○ وما هو دور منصة «آرت زون فلسطين» في سعيك هذا؟
• عندما سُئلت للمشاركة بتأسيس المنصة وجدت نفسي أفكر من ضمن مجموعة، وهذا ما اؤمن به وأسعى له. عندما نفكر بالمستقبل، وبإعادة بنائه بالشكل الذي يناسبنا، لنستعيد بعضاً مما سُلب علينا بالعمل الجماعي، خاصة في المشهد الثقافي والفني. «آرت زون فلسطين» واحدة من المجموعات التي أعمل معها. ونسعى مستقبلاً لإيجاد شراكات فيما بينها، بحيث يُبرز بعضها الآخر بعيدًا من التركيز على مجموعة دون أخرى. «آرت زون فلسطين» حالة من مجموعة حالات يتمّ بناؤها بحيث يصبح العمل جماعياً. إذاً دافع مشاركتي الانخراط في العمل الجماعي والمساعدة قدر المستطاع، نتيجة احساسي بالمسؤولية تجاه غزّة.
○ شخصياً ماذا عن مجموعاتك الفنية التي تركتها بغزة؟
• كامل أرشيف أبيد، مع منزلي ومنزل والدي وأقاربي. ضُربت المنازل ثمّ حُرقت. اللوحات الناجية هي التي بيعت للخارج خلال مسيرتي في السنوات العشر السابقة لسفري.
○ هل من جديد بالنسبة لـ«آرت زون فلسطين» قريباً؟
• بدأنا تلقي الاتصالات من فنانين يخبرون عن أعمالهم التي ابيدت. تواصلهم أتى بعد معرفتهم بوجود المنصة، التي نهدف لأن تكون فعلاً أرشيفياً مستمراً. ونبحث حالياً في تنظيم احتفالية للمنصة تستضيف آخرين من خارجها، بهدف النقاش حولها كمشروع، وبحثاً عن شراكات. وفي البرنامج تنظيم ندوات، ونشر تأملات ومنفستو، لتصبح منصة تفاعلية تتضمن كتابة عن الفن الذي ابيد وعن الفنانين.
○ أن تُصبح اللوحات التي ابيدت صورة فوتوغرافية ملموسة هل هي فكرة واردة؟
• حفظ تلك الأعمال ديجيتال بات محققاً. نبحث بفائدة مادية لأصحاب تلك الأعمال من الفنانين، كأن نطبع منها نسخاً موقعة من قبلهم، وأن تحمل الطبعات أرقاماً من أولى وما يليها.
○ وماذا عن الفنانين الشهداء؟ وهل تعرف بعضهم؟
• طبعاً. أعرف خمسة شهداء من فنانات وفنانين. في غزّة بحدود الـ 300 فنانة وفنان، وجميعنا متعارفون بدءاً من عمر الدراسة. جميعهم اشتركوا في تعاونيات أو معارض جماعية. قبل الإبادة كنّا نعاني في كيفية إثبات وجودنا، ونحن نعيش تحت حصار لـ17 سنة متواصلة، من دون أن يشعر بنا أحد، بعضنا كانت له فرصة للسفر، وعرض أعماله خارج غزّة.
تغريد عبد العال: منصة لمواجهة الإبادة الثقافية
الكاتبة تغريد عبد العال عضو اللجنة الإستشارية لـ«آرت زون فلسطين» تحدّثت لـ«القدس العربي» عن ولادة المنصة، وعن الفنانة ليان شوابكة التي ولدت لذكراها. قالت: ولدت المنصة كإمتنان لروح ليان شوابكة الفنانة التي رحلت باكرا في عمر العشرين ربيعاً، ومن بعدها بدأ الاهتمام بمسيرتها وأعمالها. أحبت أختها رزان شوابكة أن تكون المنصة لذكراها وأن تتوجه للكشف عن الأعمال الفنية الفلسطينية، وأن تناقش أسباب إبادتها وتغييبها وفقدانها، كما ستهتم المنصة بالأسئلة حول المشهد الفلسطيني وتحولاته في ظل الإبادة وبعدها، ومساءلة أهم المفاهيم والخطوات العملية لمواجهة الاستعمار الثقافي الصهيوني.
○ بعد الرابط الذي تضمّن عشرات اللوحات والأعمال المبادة والمحفوظة على هواتف أصحابها ما هي الخطوة التالية؟
• بعد المعرض، توجه الينا الكثير من الفنانين من غزة وبالتحديد من فقدت أعمالهم، وتمت إضافتهم. بالطبع هناك تواصل مع الفنانين وبالتالي هم مشاركون أيضا في افتتاح المعرض. ونحن ذكرنا في مقولة المعرض أننا نهتم بالاقتراحات الجديدة، التي تجيب عن سؤال الخطوات العملية لإعادة إنتاج هذه الأعمال المفقودة، لأن هذه الـ«دي أن آي» ستتحول إلى حيوات جديدة في الأيام المقبلة. لكننا نفضل أن نستقبل هذه الاقتراحات كنوع من التفاعل مع الأسئلة التي تشكل فلسفة توجهاتنا في هذا المعرض، فدائما هناك خطوة جديدة. والمعرض ليس فقط لمشاهدة الأعمال وتوثيقها، إنما لخلق أساليب جديدة للتفاعل معها ومناقشتها ونقلها إلى حيز آخر.
○ ما هو دور المنصة في الإضاءة على شهداء الفن التشكيلي في غزّة والترويج لأعمالهم إن كانت لديكم صور عنها؟
• تهدف المنصة لمواجهة الإبادة الثقافية. هناك فنانون شهداء وأعمالهم الشهيدة حاضرة. ما يمكننا فعله هو الاهتمام بآثار حياتهم لانها موجودة، وتحكي وجود الفنان وحضوره، وتسهم في فهمنا لمعنى صراعنا الوجودي مع الأعداء.
د. صالحة:
يخاف المستعمر
القصة فيبيد الفنون لوأد التعبير
أستاذة الإعلام في جامعة «أوتاوا يو» البروفسور دينا صالحة أجابت على سؤال «القدس العربي» التالي: ناس غزّة يبادون على الهواء مباشرة. وبالمقابل هناك إبادة خبيثة وصامتة للفنانين والفنون التشكيلية والآثار، فلماذا تستهدفها الحروب الاستعمارية برأيك؟
• تشكّل الكلمات صوتاً تعبّر عنه الفنون. للفنان والفنون دور الحكواتي، يسرد ثقافة الإنسان وهويته. لهذا وعلى الدوام الفنانون والفنون والثقافة الفنية مستهدفون. مستهدفون لأنهم يحملون وينقلون تفاصيل وذكرى الإبادة التي يتعرّض لها أي شعب، كما هو واقع فلسطين الحالي. المستعمر يخاف القصة ويدرك استحالة إبادتها. من النقاط المركزية التي يخافها المستعمر القصة ومن يرويها، ومن ينقل تاريخ مجتمعه. في الحروب الإبادية من المؤكد استهداف الفنون والصورة والقصة، والتعبير، يهدفون وأد التعبير. الفن مقاومة بكل تأكيد، وهو أيضاً استرداد للقصة، وللهوية والذاكرة. بإبادتهم للفنانين والفنون والآثار يبترون استمرارية القصة. يُعبّر الفنان دائماً عن الفكر الحر، والثقافة الحرّة وعن المقاومة، وهذا هو دوره في كافة أنواع الأنظمة سواء كانت ديكتاتورية، أو استبدادية. كافة تلك الأنظمة تنظر إلى الكتّاب والفنانين على أنهم خطر متربص بهم، والسبب إمكاناتهم في معارضة تلك الأنظمة، ووضعها تحت المسائلة، وعندما يستهدفون هؤلاء الفنانين وفنهم الذي يُعبّر عن هوية مناهضة لهم، فهم يسكتون تلك الأصوات التي تضعهم تحت المجهر. تصفية كل من يُعبّر عن أيديولوجيا وعن فكر مغاير، فعلة يرتكبها كافة الطغاة. ولأن الفن يشكل رمزاً شديد التأثير ودائم الحضور كان لدار كريستز أن سحبت من مزادها في العام الماضي لوحة «الملثم» للفنان اللبناني أيمن بعلبكي، لو لم تكن تشكل خطراً لما وجدت اعتراضاً من لوبيات مناهضة لحرية التعبير. بالمحصلة ممارسة الضغط لتحقيق الصمت يشكّل بحد ذاته فضحاً ساطعاً لهؤلاء ولمن يقف خلفهم. هذا الضغط الكبير على الفنون والثقافة بهدف تغيير القصة الحقيقية للتاريخ، لصالح قصة مؤدلجة، وخدمة لهدف محدد، يقدّم فائدة أو خدمة لبعض العناصر ذات السيطرة. التحكم بالخطاب والسردية برأيي ليس حرباً على الناس والجغرافيا والأرض، بل حرباً على التاريخ، ومحواً لذكرى مجتمع معين، أو ثقافة محددة بذاتها كما في فلسطين.
يستضيف متحف جنيف للفنون والتاريخ معرضاً يضم 44 قطعة من غزّة، في معرض بعنوان «تراث في خطر». قطع مملوكة للسلطة الفلسطينية، تتألف من جرار وتماثيل صغيرة، وشواهد قبور ومصابيح زيت. آثار مستخرجة من أرض غزّة تُبرز هوية القطاع الذي يعاني الحرب منذ سنة وثلاثة أشهر. يستمر المعرض إلى التاسع من فبراير المقبل. وهو يتزامن مع الذكرى الـ70 لتوقيع معاهدة لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح. معاهدة تُركز على مسؤولية المتاحف في حماية الممتلكات الثقافية من التدمير والنهب والصراعات. وتذكِّر بأن التدمير المتعمّد للتراث يُعدّ جريمة حرب.