وجوه وأطياف: عندما تُعيد الكتابة تشكيل الذاكرة الوطنية

تأتي الكتابة كمرفأ تستقر به الذات لتراقب حركة النفَس الهارب من غلالة الصمت، فتقول أشياءها لا تعنيها سوى ذاتها، على حد قول طاهر جاووت، الروائي الجزائري الذي اغتيل إبان العشرية السوداء (تسعينيات القرن الماضي): «تتكلم تموت، تصمت تموت، تكلم ومت»، فإن يقدم الكاتب شيئا إلى العالم يستنطق فيه صمته ومخفي اللاكلام، معناه أنه يعيد للفصاحة منبريتها وإشارتها إلى ذاتها، فالعالم لا يمكن أن يكون لونا واحدا، «يلزم كل شيء ليتشكل العالم» حسب المثل الفرنسي، وهذا ما حاوله محمد بوزرواطة في كتابه «وجوه وأطياف.. بورتريهات وتأملات في الأدب والفن والحياة».
عرض الكاتب عدة وجوه ثقافية وفنية وشعبية، أثرت في حياة المجتمع العامة، فانتشل بائع الكتب من على الرصيف ليجعله نصا مفعما بالحلم، وجعل لراقص «لَعْلاوِي» مساحة للتعبير عن فرديته في أداء تلك الرقصة الشعبية، التي تطفح منها رائحة الجسد وهو يتهيأ ليقول شغفه بالحياة في شعبية طاغية مفعمة بالوطن، والإحساس بتحولات الجسد، وهو يستقيل من رتابة المستقيم ليتعرج في التواءات الزوايا غير المحسوبة في مقامات حريته.

في فضاءات الرقدة الأخيرة:

تابع الكاتب وجوها غادرت، «غابت عني فجأة دون سابق إنذار»، كما يقول في الإهداء، ليصور لحظات التحديق في الموت، الموت ليس باعتباره نهاية، بل كونه حالة من حالات الاستمرار في الحياة. يتحدث عن بيار كلافيري أسقف مدينة وهران الذي قضى في تفجير سيارته رفقة سائقه المسلم محمد بوشيخي، وحضور أخته التي ذكرت في جنازته بأخيها الذي أحب الجزائر وكان بإمكانه مغادرتها، مذكرة أن العفو هو ما قادها إلى المجيء «للصفح عمن تسببوا في قتل أخي وإزهاق روح بريئة».
لا يشكل الموت هنا حالة إعدام للجسد، بل لحظة انبعاث في حالة استثنائية تتجاور فيها الأرواح مفضية بأشد أوضاعها صوفية. ساح الدم ولُفِظَتِ الأنفاس وكُرست ذاكرة اللقاء الساخن في احمرار سائل الحياة.
لحظة أخرى مع الموت في دهاليز السرطان والزهايمر، خليفة بن عمارة كاتب مهتم بالتاريخ والتنقيب في جيولوجيا ذاكرة منطقته، الحب المفعم للمكان الذي ارتسمت آخر بقاياه في توهجات النص التاريخي لتعانق الذاكرة ألم الخفوت، باعتباره الستار المخفي في مستقبل المقدور، الذي لا يعلمه إلا الله، ينقل الكاتب فالتة في مسار بن عمارة، رأى مجموعة وريقات مطوية إلى جانبه، فأخبره بأنها تحتوي مطالب البيت «لا أريد أن تجد مكانا لها في ذهني، أو حيزا معتبرا في ذاكرتي». يصاب بن عمارة في ذاكرته وتخفت مهارة التفكير لديه، ويجره المرض الخبيث شيئا فشيئا إلى حواف النهاية المحتومة، لكن كان انتصاره الأكبر هو في صوفيته العالقة بين الكتابة والعقل الغائب في حضور البحث، تجرد كامل من بهرج الزي الآفل بالزخرف، وانحياز للبهجة في خرقة المعرفة الصائرة إلى مقام الخلود.
يبتهل الكاتب وحشة المكان في رحيل الروائي طاهر جاووت، الذي قضى في العشرية السوداء، اغتالته أيادي الإرهاب الأعمى. لا يمكن لمثله أن يغفل أهمية المكان، المكان المسكون الذي يتجاوز الهندسي، وفق رؤية غاستون باشلار. كان جاووت يعشق قريته «أولخو»، زاره بها الروائي جيلالي خلاص، فوجده في منزله العائلي البسيط المتواضع مستمتعا بحجر أمه المسنة وشقاوة أطفاله الصغار. عاد جاووت إلى قريته البريئة من دنس المدن الكبرى، المتغشية سكون الأشياء حين تهمس للأدباء والفنانين والشعراء وحدهم بسر ديمومتها وصمتها، الذي يتجلى في تحولاتها عبر الزمن، العودة للمكان جثة هامدة لا تعبر سوى عن أنسنة المكان الذي يأخذ من أنفاس الإنسان وتجليات روحه، فيستمر به كسِر من أسرار الموت، باعتباره أحد أوجه الحياة الغامضة، الموتى وحدهم يَفُكون رموز الموت لأنهم في رحابه وتركوا لنا نحن الأحياء تعب البحث في طلسمه الأبدي المقترن بالحياة كما أسر لي الشاعر عبد الله الهامل، وهو يستذكر ابنه الذي حلق في مدار الغياب.
في فرح البسطاء يستحيل النسيان:
يعود فرنان إيفتان في رسائله مخبأ في النص حتى لا تخاتله الذاكرة بالنسيان، يستعيده الكاتب من أوراق الإعدام (1957) في مقصلة الجلاد وسجلاته التي أقصته من فرنسيته، لأنه اختار أن يكون إنسانا قبل كل شيء، عانق أناشيد الثورة في حلم المجاهدين واستراح في مقاعد الغياب والنص عاشقا للحرية مدافعا عنها. استعاده الروائي رشيد بوجدرة في «فوضى الأشياء» معيدا «النبش في الدفاتر القديمة، والحفر في تضاريس الذاكرة المنسية». عاد إلى رسائله القديمة إلى زوجته وابنه، وفي إحداها يوصي ابنه: «المناضل الثوري.. يا بني.. هو من يضحي ليس فقط من أجل مبادئه، بل من أجل سعادة الناس، خاصة الفقراء منهم والبسطاء»، لحظة الفرح هذه ممزوجة بالموت وهو يسيل من وصايا الحياة الجادة التي لا تعير اهتماما للتفاهة بقدر ما يأخذها نضال المطحونين تحت نير الاستعباد من أجل استعادتهم لحق الحياة الطبيعي، ولهذا أكدت له زوجته في رسالةٍ ثقتها بأنه سيأتي يوم «ننتقم فيه لفقرنا ولفقر هذا الشعب الطيب». إن الحالة الاستعمارية عبثية لأنها ضد نظام الأشياء في تعاضدها من أجل سعادة الإنسان، ولهذا كانت علاقة إيفتون بابنه متوجة في بوتقة النضال وكذلك كانت علاقة زوجته به، النضال باعتباره رهان الذات الحرة من أجل ممارسة حريتها.
في ظل هذه البساطة الثورية المقاوِمة لشراسة الاستعمار، تنضح من أوعية النضال بساطة اجتماعية مقاوِمة للهامش وباعثة للعقل من ظلال الرصيف، إذ تمتد نباهة الكاتب إلى «الزاوي»(1923-2022) المعروف في الأوساط الشعبية في مدينة العين الصفراء. تتشكل هوية المدينة من هذه الأسماء التي لا بد منها لتتعرف الأشياء إلى ذاتها ومن ضمنها المكان والإنسان، «الزاوي» ليس شخصية عابرة، إنه الموقف الثقافي في لحظة من لحظات التحول التاريخي في واقع النخب، وتفتح الوعي على التفكير والعقل المنبثق بتعبير محمد أركون، الذي يهدف إلى منظومة معرفية تنفر من الانغلاق الفكري والانسداد المعرفي.
في العبور البسيط والآمن من متاهات النسيان، يوشوش الكاتب في حواري المدينة التي خلبت لب يوسف سعدي، سيدي بلعباس مدينة في الغرب الجزائري، يقول عنها: «سماء بلعباس مبنية، قرميدة حمراء فوق الكروم». يسجل الكاتب مكانة هذه المدينة في كيان سعدي يوسف: «مدينة سيدي بلعباس الجزائرية الأثيرة على قلبه لا تفتأ تنقر ذاكرته باستمرار»، ولما التقاه الروائي جيلالي خلاص عام 2000 في دمشق، سأله عن المدينة دامع العينين. ليس الشعر قصيدة على بياض آيل للرفوف، أو المنابر المعلنة في ميكروفونات المهرجانات، الشعر موقف يتأسس في حقيقة المكان ليقوله كلمة تمتد في الوعي والذاكرة معيقة أحابيل النسيان.

«وجوه وأطياف»

في فضاء المعنى على امتداد كلمات «وجوه وأطياف» تشرق اللغة كلمعان متناغم مع البساطة، وسلطة الحكاية إذ تبزغ الجدة كذاكرة عتيقة البنيان في طوب أمكنتنا القديمة. يسترد الكاتب تلك اللحظة ليمكن الوعي الشقي من العودة إلى حياضه، مستلهما براءة النضال، من أجل أن يكون العقل منبثقا، ويكون الوطن متصالحا مع تعدد الإنسان في يقينياته وقناعاته قابلا للآخر متجاوزا انهيارات اللحظة آملا في المستقبل. تعود الذاكرة المنسية والهامش كفضاءين ملهمين للذات الوطنية والإنسانية في جوقة من الذوات الحافرة بصماتها في وعي البساطة لدى الإنسان.
يشكل هذا النص من الناحية التاريخانية، باعتبارها السياقات الاجتماعية والتاريخية الملموسة للخطاب، المادة الموضوعة أمام العقل والوعي لإثبات الحالة الإنسانية كوضع عابر للجغرافيا متحدة مع الإنسان في تعدده وهشاشته.

 كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية