ردا على منصف الوهايبي وزهور كرام: التخييل الذاتي… تشظٍ روائي أم جنس أدبي جديد؟

حجم الخط
2

أثار التخييل الذاتي، منذ ظهور النصوص الأولى التي انتسبت إليه، أسئلة كثيرة وجدلا واسعا، بسبب وقوفه في المنزلة بن المنزلتين من جنسين أدبيين معروفين ومكرسين هما: الرواية والسيرة الذاتية، لأنه استمد أدواته وآلياته منهما جميعا، في الوقت نفسه، وعلى المستوى النصي الواحد، غير منحاز بالكلية إلى أحدهما على حساب الآخر.
فمن الأول استمد مشروعية التخييل بكل ما يتيحه التخييل من حرية مطلقة في بناء الأحداث والشخصيات والفضاء المكاني خصوصا، ومن الثاني استمد مشروعية الذات والمرجع، إذ تتأسس الذات محوريا لتصير القطب والمناط والمبتدى والمنتهى، تبصر العالم وتستعيد الأحداث السابقة، تحللها وتعلق عليها وتستكنهها وتعيد تأويل تفاصيلها وفق منظورها الراهن بمحموله من خبرات الحياة والتجارب والثقافة، تمارس من حيث لا تدري أو لا تدري أسمى تمظهرات النرجسية الأدبية، لأن السارد فيها هو الكاتب نفسه، وليس راويا تخييليا ينوب عن الكاتب نيابة أدبية وأخلاقية، غير أنها، وهي تفعل ذلك، لا تكف عن إرباك المتلقي أيما إرباك، أإلى التخييل ينبغي عليه أن يصرف وقائع النص ومكوناته، أم إلى المرجع الحي الواقعي الذي هو بالمناسبة حياة المؤلف عينه المعلن عنه؟
يمثل السؤال السابق، على الرغم من بساطته الظاهرة، جوهر الجدل الذي يثيره التخييل الذاتي، لأن الالتباس الشديد الذي يخلفه غياب العقد القرائي بين المؤلف الحقيقي والقارئ، سيظل يدفع بهذا الأخير إلى التوجس والحذر والريبة، وإلى أخذ المسرود كمعطى يهيمن فيه المرجعي على التخييلي، مع يحمله ذلك من سوء فهم أو تفاهم بين طرفي العملية الإبداعية: الناص والمتلقي. وعليه فإن قابلية هذا الجنس الوليد نسبيا للمقاربة التوثيقية، هي ما يفسر في نظرنا إحجام الكاتب العربي عن المغامرة بالكتابة فيه، إلا في الاستثناء النادر. إن سوء الفهم الذي أسلفنا الإشارة إليه هو الذي يفسر التلقي الأولي المرتبك للنصوص المبكرة في هذا اللون، إذا نظر إليها باعتبارها سيرا ذاتية متمردة، تجاوزت حدود نوعها، من دون أن تتعاقد مع القارئ على أنها كذلك أو على أنها جنس ما يتم تعيينه بدقة.
كل شيء بدأ مع الكاتب والناقد الفرنسي سارج دوبروفسكي سنة 1977 عندما جنس نصه أبناء (fils) بتوصيف: تخييل ذاتي، كجواب عملي على السؤال الفعال الذي طرحه فيليب لوجون في خضم تأسيسه لمشروعه الضخم حول السيرة الذاتية:» هل يمكن للبطل الروائي أن يحمل اسم المؤلف نفسه؟». يجيب دوبروفسكي في رسالته إلى لوجون بالقول:» لقد أردت، برغبة عميقة، أن أملأ الفراغ الذي خلفه تحليلكم، وهي رغبة زامنت فجأة نصكم النقدي مع ما أنا بصدد كتابته». وقد برر دوبروفسكي خياراته الفنية المتمردة على التحديدات النوعية المستقرة، ولاسيما السيرة الذاتية، تبريرا أقل ما يقال عنه بأنه فتح الباب على مصراعيه لمختلف المعارف الإنسانية لتسهم في تفسير البروز المفاجئ للأنا إلى صدارة الأدب، معرضة هذا الأخير إلى سلسلة من الأسئلة المربكة وإلى هزات عنيفة مست مفاهيمه الأكثر رسوخا من قبيل، الواقع، الحقيقة، الصدق الفني، التخييل، وغيرها، مستجيبة، تحت ظروف تحتاج إلى المزيد من القراءة، إلى تبني بعض الكتاب لمفهوم التخييل الذاتي بالغ اللطافة والزئبقية والرجاجة، الذي ما زال يستعصي على التحديد المنهجي، متنكبين بذلك عن السيرة الذاتية والرواية، وعن كل أوهام الوضوح المفترضة، إلى دهاليز الذاكرة وأنفاقها الحبلى بالمفاجآت المدهشة.
مهما يكن فإن اللعبة السردية في التخييل الذاتي تقوم على مبدئين رئيسين: أولهما هو إحلال الذات محلا إشكاليا يتذبذب بين الواقع والخيال، الوجود والفناء، الغياب والحضور، الغموض والتجلي في الآن نفسه، بما يجعل العملية السردية برمتها محض بحث أبدي عن الأنا المفقود، عن الذات التي أصبحت فجأة موازيا للعالم، والمعنى الذي أصبح مماثلا للحياة في أعمق صورها غموضا، وتخفيا، واستعصاء عن الفهم والتأويل، وثانيهما هو كما عبر عنه دوبروفسكي ببلاغة ناصعة، إحلال مغامرة اللغة محل لغة المغامرة، أي نقل مركز الثقل من المغامرة/الحكاية إلى الأداة/لغة الحكاية، ومن ثم تنقلب السيرورة السردية رأسا على عقب، لتوغل في لعبة اللغة وإمكاناتها وإغراءاتها اللامحدودة، عندئذ تصبح الكتابة ذريعة لنفسها لا لشيء وراءها، تحاول أن تتخفى كالزجاج المعشق وراء تشكيلات الرموز عن أداء مهمتها الكشفية عما وراء الزجاج من حياة واقعية، وتتنازل طواعية عن مهمتها التبليغية من أجل وظيفتها الأخرى الشعرية، كما لو أن البحث عن الذات المفقودة كفيل بتبرير كل الانتهاكات.
من البديهي إذن أن تصبح الكتابة، وفق هذين المكونين، ممارسة ذاتية خالصة، والنص نصا شخصيا حرا ليس ملزما بشيء واقع خارج ذات كاتبه، ينطلق من تجربة واقعية معيشة، أو يفترض أنها كذلك، قبل الاسترسال في بحث استقصائي للتفاصيل والذكريات والأحاسيس الشاردة، بغية ترميم الصدوع وإزالة الخدوش عن صفحة اللاشعور. ذلك ما يفسر إلى حد كبير في اعتقادنا، ما في التخييل الذاتي من قلة احتفاء بإبراز واقعية الأحداث المسرودة أو تخييليتها إلا بالقدر الذي يعطي للذاكرة واللاشعور ما يكفي من الدافعية للغوص تحت الكثافة الحسية، والتملص من سلطان العقل وصرامته في ممارسة شخصية للتحليل النفسي وأبعاده الاستبطانية العميقة. تؤكد مادلان والات ميشالسكا بأنه «ليس من المدهش أن يكون التخييل الذاتي الوثيق الصلة بالتحليل النفسي هو جنس الغموض بامتياز، جنس يجمع بين وقائع حياة معيشة واسترسالات التخييل». ثم تتساءل: «لماذا العودة إلى وهم اللغة (الآدمية) المتعلقة بتناسب الكلمات والأشياء بعد التفكيك الذي أحدثه التحليل النفسي واللسانيات؟ إن الجدلية المتعلقة بالتخيل الذاتي وكشف الذات الأكثر انتشارا ترجع في الحقيقة إلى هذه النظرة الماضوية».
تجدر الإشارة إلى أن الهوية الاعلامية Onomastique هي المكون الوحيد الفاصل بين الرواية والتخييل الذاتي، فإذا كانت السيرة الذاتية تفصح عن جنسها منذ البداية، وتوجه التلقي وجهة مرجعية خالصة من خلال العقد القرائي المحيل إلى حياة الكاتب الحقيقي دون سواه، بشفافية ووضوح وقصد، فإن التخييل الذاتي لا يفعل ذلك، على الرغم من تقاطعه مع السيرة الذاتية في تطابق أسماء الراوي والكاتب والشخصية، ولا ينتسب كذلك إلى الرواية، على الرغم من استعماله لجميع آليات السرد الروائي، باستثناء الشخصيات التي تحتفظ بأسمائها المرجعية الواقعية، بما فيها السارد الذي هو الذات/الكاتب في نهاية المطاف. وتتورط الشخصيات والذات الساردة معا، رغم واقعيتها المفرطة، في لعبة سردية تخييلية لها جميع مقومات اللعبة الروائية من دون أن تكونها في النهاية.
هذا الالتباس الشديد، وهذا الغموض الذي يكتنف مفهوم التخييل الذاتي، جعل جاك لوكارم يميز بين نوعين كبيرين من التخييل الذاتي، أو بين صنفين مميزين داخله، أولهما: هو ما يصلح أن نطلق عليه التخييل الذاتي الحقيقي، حيث الأحداث والوقائع قد حدثت ووقعت صدقا وفعلا، وفي هذه الحال لا ينصرف التخييل إلى محتوى الذكريات المسرودة، وإنما إلى طرائق السرد وأساليب التلفظ. وثانيهما: هو ما يمكن توصيفه بالتخييل الذاتي العام، حيث يتم مزج الحياة الحقيقية بالمتخيل، فلا المسرود حقيقي كما ينبغي أن تكون الحقيقة في السيرة الذاتية، ولا هو خيالي صرف كما ينبغي أن تكون الوقائع في الرواية، وعلى هذا الأساس اقترح ما سماه بدوره العقد التخييل ذاتي الذي سيكون بالتأكيد متناقضا، بدل ما سماه لوجون العقد السير ذاتي.

أكاديمي جزائري

عبدالله شطاح

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية