اللوحات الفنية المصغرة، رغم ما هي عليه من خاصية صغر حجمها قياسا إلى حجم اللوحة التقليدية، إلاَّ أنها تحمل قيمة فنية عالية، ذلك لأنها تفرض على الرسام الذي يتصدى لها أن يمتلك مهارات تقنية استثنائية قبل أن يفكر بالدخول إلى خفايا الاشتغال بهذه التجربة، فهي ليست مجرد لوحة مصغرة، بل هي بنية جمالية لها معاييرها الخاصة في الإنشاء والتكوين والتلوين، وفي تقنين العلاقة مع المتلقي، ولو تقصينا قصتها سنجد أنها تحمل بين سطورها تاريخا طويلا من الإنتاج، وأسلوبا فنيا مميزا، وأغراضا تختلف باختلاف العصور والثقافات التي مرت بها.
وما يجدر الإشارة إليه أن العناية بفن المصغرات يعود إلى فترات زمنية بعيدة، حيث وظفتها ثقافات عديدة لأغراض ترتبط بموروثها ومقتضيات طقوسها الدينية وما له صلة بحاجاتها اليومية، على سبيل المثال في شبه القارة الهندية وبلاد فارس، شكلت عنصرا أساسيا لتزيين المخطوطات وصفحات الكتب الدينية، وكان الفنانون في هذا المنحى يبدعون صورا تسرد القصص عبر تفاصيل مصغرة، وعادة ما يتم تنفيذ اللوحات على الورق، أو جلود الحيوانات، وباستخدام ألوان من مواد طبيعية مثل الذهب والفضة .أما في أوروبا، فاللوحات المصغرة استخدمت بشكل كبير في القرنين الخامس عشر والسادس عشر في رسم الصور الشخصية، خاصة في العصور التي سبقت اختراع التصوير الفوتوغرافي، حيث اعتادت العائلات الثرية أن تطلب من الفنانين رسم صور مصغرة لأفراد أسرهم، وتلك الصور كانت بمثابة تذكار شخصي ثمين. واللافت في الأمر أن الرسامين غالبا ما استخدموا الألوان بدقة وحرص شديدين، ما جعل لوحاتهم تعكس عناية كبيرة وفهما عميقا لمصادر ومساقط الضوء والظل، ومع تقدم الزمن وتطور فن الرسم بدأ فن المصغرات ينعطف بمساره ولم يعد محصورا في الإطار الشخصي ليشمل مشاهد طبيعية وتاريخية وأساطير وحكايات مستوحاة من الأدب الشعبي والفلكلور. وفي العصر الحديث تغيرت طرق الخلق والابتكار في عوالم هذه اللوحات مستجيبة للإمكانات الثورية، التي أتاحتها التكنولوجيا والثورة الرقمية ومحتفظة في الوقت نفسه بجاذبيتها الفنية.
دقة التفاصيل
الأسلوب المتبع في رسم المصغرات يعتمد بشكل كبير على دقة التفاصيل ضمن حدود وحجم اللوحة. وغالبا ما لجأ الفنانون إلى استخدام أدوات خاصة في العمل، مثل الفرش الصغيرة جدا والإبر لرسم الخطوط، إضافة إلى اعتمادهم على الألوان اللامعة والشفافة لخلق تأثيرات الضوء والظلال على سطح اللوحة، لكي يُظهِروا عن طريقها مهاراتهم وقدراتهم الفائقة في مزج الألوان بالشكل الذي يعكس عمق إحساسه بالموضوع الذي اشتغل عليه. وبشكل عام تتميز اللوحات المصغرة من حيث قياسات الطول والعرض بأبعاد قد تصل إلى بضعة سنتيمترات، مما يتطلب من الفنان مهارة عالية في استخدام الألوان والحفاظ على دقة التفاصيل، مثل تعبيرات الوجوه في الصور الشخصية والتفاصيل الدقيقة في المناظر الطبيعية. أما في ما يتعلق بالموضوعات، فيمكن أن تتنوع بين مشاهد دينية وصور شخصية ومناظر طبيعية ومشاهد تاريخية ومشاهد مستوحاة من أساطير شعبية.
البدايات ونزعة التوثيق
الغاية الرئيسية من اللوحات المصغرة تكمن في الحفاظ على الذاكرة، ففي العصور القديمة كانت تستخدم بشكل رئيسي لتوثيق الوجوه والأحداث المهمة، وأداة يصعب إيجاد بديل عنها في مسألة تصوير ملامح أفراد عائلات الملوك والنبلاء. فكانت بمثابة تذكار ثمين يمكن حمله في الجيب، أو ارتداؤه كعقد أو قلادة، ما يعكس الجانب الشخصي والحميمي لهذا النوع من الفن. أما في السياقات الثقافية المختلفة، فكانت المصغرات تُستخدم في المخطوطات المزخرفة والكتب المقدسة، حيث كان الفنانون يبدعون في رسم صور الأنبياء والأبطال التاريخيين في مساحات صغيرة جدا، مما يضفي قيمة رمزية ودينية كبيرة للعمل.. أما في العصر الحديث، فلا تزال اللوحات المصغرة تحتفظ بجاذبيتها، على الرغم من انتشار التصوير الفوتوغرافي ووسائل التكنولوجيا الحديثة، وتعد وسيلة جاذبة للفنانين المعاصرين للتعبير عن أنفسهم باستخدام تقنيات دقيقة وفنية، وبقيت تمثل فرصة لخلق أعمال تحمل عمقا ورمزية رغم صغر حجمها، إضافة إلى أنها لم تفقد قدرتها على استقطاب اهتمام وذائقة المتلقين والسعي لاقتنائها.
انزياح عن الأطر
في مدينة الموصل وانطلاقا من تفردها في الفن التشكيلي العراقي، خاصة في ميدان الرسم، يمكن للمتابع أن يتوقع بين فترة وأخرى أن يشهد معرضا مشتركا أو فرديا، يقام برعاية جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين فرع نينوى، التي تحرص إدارتها بشخص رئيسها الرسام خليف محمود، على أن يكسر الحدود الضيقة التي عادة ما تلازم أنشطة المدن البعيدة عن العواصم، وآخر الفعاليات التي تناسقت مع هذا المنهج وتطلعات رساميها، معرضا مشتركا للمصغرات أقيم بتاريخ 23 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024 على قاعة الجمعية في مركز مدينة الموصل، وبمشاركة كبيرة من قبل رسامين ينتمون إلى أجيال وتجارب أسلوبية مختلفة، والمعرض يأتي انزياحا عن سياق ما تم التعارف عليه في منظومة الأطر التي تحكم ما يتم عرضه في الصالات داخل المدينة، حيث غابت عن أجندة مسؤولي المعارض طيلة الأعوام الماضية الاهتمام بالمصغرات، ودائما ما كانت اللوحات بمقاييسها التقليدية المتداولة هي الحاضرة، سواء في المعارض الشخصية أو المشتركة.
تباين المستوى الفني
الملاحظ في معرض الموصل ـ موضوع المقال ـ أن المستويات الفنية للوحات، كانت مختلفة ومتباينة جدا من حيث النضج التقني والأسلوبي، وهذا يعود إلى تفاوت عامل الخبرة بين المشاركين، وعلى ما يبدو فإن نزعة المغامرة لدى الفنانين الموصليين على مستوى الشكل، قد ذهبت لدى نخبة معينة ومحدودة جدا من المشاركين باتجاه إنتاج معطيات فنية بعيدة عن الخصائص التي تطرحها الواقعية والطبيعية، متوخين بذلك تأكيد تفرد أسلوبهم المنحاز إلى ضفة التجارب المستلهمة من توقيعات الحداثة، كما هو الحال عند حازم صالح، خليف محمود، حكم الكاتب، رائد فرحان، مروان طارق، بلال دبدوب، بينما هناك الكثير من المساهمين في المعرض لم يخرجوا عن مقتضيات اللوحة التقليدية بموضوعاتها البيئية وأسلوبها الساكن في دائرة الطبيعية أو الواقعية الفوتوغرافية.
هيمنة أيقونات البيئة والتراث
شيوع الاهتمام بالموضوعات التي لها صلة بالفلكلور والتراث الموصلي، التي غالبا ما كانت مبعث اهتمام الرسامين – وهذا ما يبدو في هذا المعرض – على الرغم من أنه يعبّر عن مدى اهتمام وشغف الرسام الموصلي بهذا الموروث، باعتباره يمثل أسلوبا نمطيا لتأكيد الهوية المحلية، إلاّ أن هذا الخيار السهل بشكل ما، كان له أثر في تحديد وتحجيم أفق المشهد التشكيلي، وانزوائه في مسار التنميط والخضوع لدائرة الذائقة الجمعية، وهذا يتنافى مع جوهر التجربة الفنية، في أنها تبقى مغامرة لاكتشاف مناطق فنية جديدة، يمكن العثور في مستويات بنيتها وعناصرها على تقنيات جديدة للتعبير عن الرؤى والأفكار. إلى جانب هذه الملاحظة لا بد من التأكيد على أن المشهد التشكيلي في الموصل، وعلى وجه خاص الرسم، يمتلك مخزونا ثريا من الإمكانات، ومرجع ذلك يعود إلى المستوى المتقدم من الناحية التقنية والحرفية لدى الفنانين الرواد المؤسسين، الذين كانوا قد بدأوا في خمسينيات القرن الماضي الاشتغال على فكرة تأسيس تقاليد فنية رصينة قائمة على الدراسة الأكاديمية، ونقل تجاربهم الذاتية بكل ما تحمله من خصائص فنية ناضجة إلى الأجيال التي جاءت بعدهم وكانت ترمي إلى اقتفاء خطواتهم في ضرورة تأكيد التفرد الذاتي.
شارك في معرض المصغرات كل من: إبراهيم أزهر، إبراهيم أغا، إبراهيم رمضان، أحمد الجليلي، أحمد مزاحم، أزهار حكمت، أساور إياد، أشرف طه، ألوان خليف محمود، أنهار محمود، أوان يوسف، إيمان العبيدي، براء خليف محمود، بسمة محمود، بشرى طلال بلال دبدوب، تمارا الشبخون، حازم صالح، حسن السلامي، حكم الكاتب، حلا مصطفى، خليف محمود، دعاء فواز، رائد فرحان، رهف طالب العزاوي، رويدة وعدالله، زبيدة عمار، زينب سعد، زينة زيد خروفه، سارة نزار، سيف مطر، صفاء عدنان زكي، صلاح حديد، طارق الشبلي، طلال غانم، عبدالغني إبراهيم، عبدالله حازم، عزيز إدريس، علي جاسم، عماد الأمير، ماجدة العبيدي، مائدة طارق، محمد تحسين الهاشم، محمد ذنون، محمد ناطق، مروان طارق، مروة قيدار، مصطفى ناصر، مقبل ناطق، مها الحمودي، ناطق عزيز، نبيل صالح، نور خليف محمود، وعد الساهر، وليد بلال، يوسف الشكرجي.
تبقى اللوحات المصغرة تمثل تحديا للفنان في إطار تشكيل الموضوع ضمن مساحة ضيقة، وبحثا عن مستوى تواصلي بعيد عما هو متشكل من تقاليد راسخة في العرض، ومن خلالها يمكن للفنان أن يكتشف قدراته على تحقيق التميز في الدقة والتفرد، طالما يخوض مغامرة ضمن فضاء يقنن حريته ويموضعها في حدود معينة، وعلى الرغم من تطور الوسائل التكنولوجية، فإن هذا النوع من اللوحات يحتفظ بمكانته الخاصة لدى الرسامين والمهتمين بالفن والتاريخ على حد سواء.
كاتب عراقي

