في رواية “سيرة القرنفل” للكاتبة المصرية شهيرة لاشين، ثمة مساحة من التداخل بين الواقعي والعجائبي، وكل قسيم منهما له سطوته ووجوده الملموسان. ولكن مساحة الواقع تشكل الحضور الوافي، تذوب في إطاره الخروجات العجائبية التي تتجلى في بعض الجزئيات، مثل ضفائر النساء التي تتحول إلى نساء يتجمعن، وينصتن إلى امرأة تخرج من الكتاب داخل نسق السرد الآني، ويظلّ عمرها في حركته للإمام بعد موتها، وكأنها تعاين وتتحرّك في مساحة طبقة امرأة أخرى تنتمي إلى العائلة ذاتها.
في هذه الرواية هناك تأسيس لطبقات تنتمي إلى أزمنة مختلفة، تحمل كل طبقة حكاية لامرأة داخل النص السردي، وقد يكون التركيز على الطبقات الزمنية المختلفة مدرجة لقياس التحوّل والثبات، أو الاختلاف التدريجي، فالزمن من مرحلة إلى مرحلة يمثل آلية مراقبة للبشر والظواهر. يعاين القارئ حكايات لا تكتمل بنائيا في شكل كلاسيكي، فالخطاب السردي يوزع حكاياته السردية أو الأجراء من هذه الحكايات وفق منطق خاص لا يرتبط بالترتيب المنطقي، فقد تبدأ الرواية بجزء من الحكاية الأساسية الآنية، لكنها لا تذكر إلا خيطا بسيطا غير واضح الملامح والسمات، وتنتقل مباشرة إلى حكاية أو طبقة أولى تمثل بداية لسيرة العائلة، وتقدم منها جزءا، وكأن الخطاب الروائي يمارس نوعا من التقطير السردي المحسوب بعناية، لكي يظل هناك إغواء بالقراءة والاستمرار من جانب، ومن جانب آخر يتولّد تهشيم للخطية السردية، ويجعل العثور على جزئيات الحكاية أمرا صعبا، ويحتاج إلى يقظة وانتباه شديدين، لترتيب الطبقات في النص الروائي، وللوصول إلى ملامح المرأة التي تشكل ملامح الطبقة.
لغة الرواية أقرب إلى لغة الشعر، في عنايتها بالتصوير والاستعارات والتشبيهات التي تشكّل في البناء السردي مناحي معرفية مرتبطة بنهاية الحركة السردية أو بدايتها، لتسويغ مشروعيتها، وللتأكيد على قيمة التوجه المختار. ولكن الكتابة السردية في النص الروائي بالرغم من الإفراط في استخدام هذه الآليات الفنية طلّت محافظة على بنيتها النوعية والتجنيسية، من خلال ممارستها لنوع من التوجيه الجزئي المستمر، فلا يشعر القارئ بحدة الخروج، وتأتي الصور والاستعارات ذائبة داخل النسق السردي، وتعطيه تفرّدا في الرصد دون أن تشكّل خروجا، أو تخلق نتوءا، يستدعيان التوقف لاستجلاء ملامحه الدلالية.
طبقات النسوية بين الواحدية والتعدد
ربما كان من المداخل المهمة في قراءة الرواية، يرتبط بالوعي النسوي وبالأزمة المحيطة بالنساء في كل الأزمنة مع فروق طفيفة في الفعل الانتقاصي وردّ الفعل المقابل له. فقد يتغيّر الأمر أو تتغير فاعلية النسق في فترة ما، ولكن يظل هناك شيء يفضي إلى وجود هذا المنحى الانتقاصي المنحاز إلى الرجل، يتجلى ذلك في الحكايات الثلاث (ليالي، ومريم، ورؤى). فمع ليالي – التي تمثل الطبقة الأولى على سبيل المثال – يبدو ذلك واضحا في حضور سلطة النسق الكاشف عن الانحياز للولد إمام، تقول الرواية: (كان إذا تشاركوا في اللعب يكون له الحق وحده في اختيار نوعية اللعب، وينطبق ذلك على الطعام وكل شيء).
ممارسة السلطة داخل حدود النسق بوجود حارسه (الجد) تبدأ باكرا، فقد أحال الجد العرف إلى قانون لا يسمح بجرحه أو الخروج على نمطية تحققه. وفي رد الفعل المقاوم لطبيعة النسق نجد أن هناك صورتين تتشكلان لحركة النسوي، الأولى تمثلها ليالي المتمردة غير الخاضعة، حيث تجابه سطوة النسق بالخروج عليه ورفضه بالسير في طريق يحفظ لها التحقق الذاتي. والأخرى حورية حيث تجيء حركتها منمّطة داخل حدود النسق البطريركي المرسوم من الجد والأعراف المقدسة.
أما مع الطبقة الثانية التي تتشكّل في حدود حكاية مريم، فيظهر لنا أن هناك صورة جديدة، تحتمها المسافة الزمنية بين الطبقة الأولى بحكايتها، والطبقة الثانية بمميزات وتوجهات مغايرة. ففي هذه الطبقة مساحات للإنشاء والتأسيس. فإذا كانت ليالي تمثل البداية في تشكيل مساحة من السمات المغايرة لنساء عائلتها ارتباطا بلعنة تصاحبهن، فإن طبقة (مريم) تتفلت من دائرة الصراع بين الذكوري والنسوي، لتضع القارئ وجها لوجه مع فعل القراءة الخاص بنساء العائلة وسلوكهن وعمرهن، وانفتاحهن على تاريخ متصل دائري من لحظة البداية إلى لحظة التأمل.
وهناك وسيلة أخرى استخدمتها الرواية إمعانا منها في تقزيم النسق الذكوري، بخلع مهابته، تتمثل في تقنية الحلم، ففي حلم الجد بعد يقينه بموت ليالي الذي لم يحدث، تقول الرواية: (تدخل عليه أحلامه كأحد آلهة النار تصحبها مهابة عظيمة، وهي تجلس على عرشها المشع بالنور، تنتظره، تنتظر قدومه لتجعله أحد خدّامها وكلبها المطيع). يبدو انتقام القسيم النسوي أو مجابهته للذكوري – بعد ابتعاد ممثلة الطبقة عن مرحلة الطفولة الكاشفة عن مساحة من الفاعلية، بحدوثها خارج المنزل الذي يمثل مساحة اشتغال النسق في دروب اللعب أو الكتّاب برشوة الشيخ لعقاب إمام – واقفا في إطار هذه المساحة الذاتية التي لا يشعر أو يستقوي بها سواها، وهذا يفتح الباب لمكون أساسي في الطبقات الثلاث حتى انتهاء اللعنة، وهو مكون الصمت، فالأصوات محبوسة لا تخرج، لأن خروجها يؤدي إلى الموت، ففي أول صفحة من كتاب تاريخ العائلة، نجد هذه المقولة، بوصفها حكمة كاشفة عن قيمة الصمت والاحتباس (أن تملك صوتا لا يعني بالضرورة أنك تستطيع قول لا).
تبدو الطبقات النسوية الثلاث وكأنها طبقات منفردة، ولكن التفكير المتأني يمكن أن يجعل هذه الطبقات طبقة واحدة، وكل طبقة تظهر وجها من وجوه النسوية العديدة، خاصة في ظل الاختلافات العديدة بين كل طبقة وأخرى، فالأولى في ذروة عنادها تمثل بداية الخروج والمجابهة بين الذكوري والنسوي التي تفصح في لنهاية عن كبت الصوت، لكن ذلك من جانب آخر يؤسس لوجود خاص منعزل، به نوع من الاستقلالية، يتشكّل في إطارها فعل الانتقاء (زوجها وخادمها الجديد)، وهو فعل مغيّب قبل ذلك. وإذا كانت الطبقة الأولى هي فترة الخروج وتأسيس الوجود، فإن الطبقة الثانية هي لحظة تأمل واستحضار ومكاشفة، وهي قد تكون صورة نامية عن الصورة الأولى، وتأتي الطبقة الأخيرة (مساحة أو حكاية رؤى) مرتبطة بتوجهات مغايرة تفضي إلى الفداء والتخلص من اللعنة.
بنية الرواية والحكايات المصاحبة
تشعرك الرواية بمساحة من التقديس لنساء هذه العائلة، فالإفراد والتميز في الصفات والصمت، بالإضافة إلى الغناء في نهاية الرحلة الذي تقوم به المرأة في كل طبقة من الطبقات من مكان عال، حين تشعر بدبيب الموت، كل ذلك يجدل مساحة خاصة لا تخلو من خصوصية، ولا تقف الإشارات التي ترتبط بالقداسة عند حدود الشعور بالاختلاف، بل هناك وسائل أخرى ناجعة، فقد أدخلتنا الرواية من خلال بنيتها إلى أن الحكاية في تعددها أو واحديتها تمثل طبقة من طبقات الخلق الأولى، وأن هناك لعنة أصابت نساء هذه العائلة شبيهة بلعنة السقوط. فالانحياز وقتل الإرادة، واحتباس الصوت، كلها أدت إلى وجود اللعنة، يكشف عن ذلك أن الرواية جاءت في شكل أسفار بما لهذه اللفظة من قداسة تحيل إلى الديني في العهدين القديم والجديد، بالإضافة إلى التكرار الدوري لنشيد الانشاد.
ثمة شيء آخر يوجهنا نحو هذا التلقي للرواية، يتمثل في عوالم عجائبية وغرائبية، تكوّنت بفعل التخلي عن الزمن التراتبي، والاعتماد على الزمن الدائري الأبدي الذي يخرق مواضعة النمو في اتجاه وحيد، فيمكن والحال تلك- معاينة كل الطبقات في لحظة واحدة، ومعاينة توحّد الشخصيات النسوية الثلاث في نسق خارج حدود الفيزياء وطبيعتها، بالرغم من الاعتماد على السحر الفاعل في زلزلة الزمن التصاعدي، فالموت في ظل هذه العوالم الغرائبية حدث انتقال من سياق إلى سياق، وليس حدث محو وانتهاء. فمريم مؤلفة الكتاب الخاص بتاريخ نساء عائلة القرنفل، وخالقة التقويم، تخرج من الكتاب، وترافق رؤى، والضفائر على الشجر تعاين وتنصت، وتتحوّل في لحظات محددة إلى نساء يتكوّم حضورهن للإنصات والاستماع.
فتقديم الحكايات الثلاث في الرواية – وكذلك تقديم الحكاية الواحدة – لا يأتي بشكل نمطي مباشر، فداخل كل حكاية تعرجات شديدة التعقيد في بناء الخطاب الروائي. فمشهد البداية التي تبدأ فيه فتاة في الثالثة عشرة عودتها من المدينة، يظل مفتوحا، دون أن يعرف القارئ على وجه الدقة من هذه الفتاة، وما علاقتها بليالي أو مريم، ويظل هذا المشهد يحتاج إلى اكتمال، بعد الخروج للعودة إلى حكاية شخصية الطبقة الأولى أو بداية الرحلة. ندرك بعد ذلك أن هذه الفتاة صاحبة الطبقة المحورية في النص الروائي، وتمثل حلقة النهاية أو انتهاء اللعنة، ولا يتجلى الكشف عن ذلك إلا في سفر التقويم.
جاءت الرواية مستندة إلى راو عليم في كل فصولها، والراوي ليس شخصية مشاركة داخل النص الروائي، لكنه يترك منصة السرد للشخصيات في حكاياتها الجانبية، لكي يؤسس مغايرة سردية، ويؤسس مغايرة على مستوى الانتماء، فقد أعطى النص الروائي لهذه الشخصيات براح الاحتماء بالمتكلم، والكشف عن حكاية كل شخصية، وحدود عالمها الذي تسكنه في اقترابها من نساء سيرة القرنفل.
وظيفة الحكايات المصاحبة تتمثل في الكشف عن الاختلاف بين العادي والغريب، بوصفها- أي هذه الوظيفة- الوظيفة الأولى لها داخل النص الروائي، إضافة إلى وظيفتها التكميلية لعناصره وعوالمه. ولكن تعدد الحكايات المصاحبة، بداية من حكاية العجوز، ومرورا بحكايتي زوج (رؤى) مع إيمان زميلته بالمدرسة، وصابرين بنت الجزار، وانتهاء بالحكاية المصاحبة للخياطة (لبنى)، يجعل بعضها يكتسب وظائف أكثر التصاقا بالنص الروائي وبنيته المعرفية.
وقد مهدت الرواية بنصوص كثيرة لهذا الارتباط بشكل يكشف عن تبرير التضحية والفداء. فحديث عبلة في جزئيات سابقة يمهد للحدث النهائي في النص الروائي، ويعطي للموت دلالة استمرار، فكلتاهما تستمر بشكل خاص في حياة دافقة بالهدوء، فالأولى (عبلة) بحاجة إلى هدوء يخرجها من أزمتها النفسية، والأخرى تحتاج إلى التخلص من اللعنة الممتدة، والارتباط بالحياة وفق مساحة وجودية صحية في الاتصال بالسياق والمحيطين بها، وفي كل ذلك عودة من الغرابة والنسق العجائبي إلى إطارات الواقعية والعادية.
شهيرة لاشين: “أسفار القرنفل”
دائرة الثقافة، الشارقة 2024
249 صفحة.