بيروت ـ «القدس العربي»: الخامس من كانون الأول/ديسمبر هو اليوم العالمي للتطوع. هكذا قررت الأمم المتحدة سنة 1985. ولأنها تصدّت لهذه الفعلة نسألها رأيها ولو “عن بعد” وإن كانت سمعت بالقتل المتعمد لـ240 شاباً متطوعاً في المؤسسات الصحية والإنسانية في لبنان، بسلاح الصهيونية (الرقم من إحصاءات وزارة الصحة اللبنانية). تمّ استهداف هؤلاء الشباب جهاراً وخلال توجههم لنقل الجرحى، أو وهم نيام في مقرّاتهم التي قُصفت على رؤوسهم. وتمّ تصنيفهم من قبل المعتدي مراكز عسكرية.
إن كانت الحرب الصهيونية على غزّة ولبنان قد كسرت كافة المقاييس والمعايير والحمايات الدولية لأي عمل إنساني وطبي، وما يُسمّى بالمجتمع الدولي يتفرّج، فهل سيؤدي ذلك للإحجام عن التطوّع؟
وماذا تعني الأيام التي تُقرّها الأمم المتحدة من دون أن تكون لها قدرة على حمايتها؟ وهل التطوّع دليل على تحضر البلدان؟ وإن كان كذلك لماذا لا تدين البلدان التي تُعرّف نفسها متحضرة انتهاكه المستمر حتى اللحظة في غزة؟ ولماذا لا تقتصد أقله في تزويد هذا الكيان بالسلاح؟
عن التطوع كهدف وسلوك في المجتمعات هذا الحوار مع أستاذة علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت الدكتورة رنا سكرية:
■ سجّل العدوان الصهيوني الأخير على لبنان مفارقات كثيرة لم تعرفها الحروب من قبل من بينها الاستهداف المباشر والمتعمّد للعاملين في الدفاع المدني والإسعاف. لماذا برأيك؟
■ لنكون على بينة مما طرحه السؤال من المهم أن نتذكر أن المشروع الصهيوني هو إحلالي استيطاني، وبالتالي يفترض أن يُدمّر كافة مقومات الحياة لأهل الأرض، ما يمكنه من الحلول مكانهم. هدفه الأساسي أن يجعل الأمكنة غير قابلة للحياة، تماماً كما يفعل في غزّة، حيث يضع الناس أمام خيار الموت أو الرحيل طوعاً. لهذا شكّل القطاع الصحي هدفاً أول في استهدافاته على غزّة وما زال. ومن الطبيعي أن تصبح الحياة صعبة، وغير ممكنة بدون القطاع الصحي. وهنا لست أعني الأطباء والبنى التحتية كما المستشفيات والمستوصفات، والأطباء والممرضين والدفاع المدني وغيرها فقط، بل كل ما يمكنه المساهمة بالصحة العامة، كمثالٍ على ذلك تراكم النفايات على الطرقات، أو مجارير الصرف الصحي الفائضة في الطرقات. ذكرت هذين المثلين نظراً لأثرهما السلبي على الصحة العامة. بعض المرضى يتأثرون بشكل أكيد ومباشر بإهمال هذين القطاعين. ومنهم قد تظهر لديهم أمراض في المستقبل المنظور. إذاً التدمير الممنهج لكل ما له صلة بالصرف الصحي وجمع النفايات هدفه التدمير التدريجي للصحة العامة، والقضاء على امكانية الحياة خاصة في غزّة وكذلك لبنان.
■ نعرف أن معظم العاملين في الدفاع المدني والإسعاف هم متطوعون. هل سيترك هذا الاستهداف أثراً سلبياً بالإحجام عن التطوع خاصة في الحروب مع العدو؟
■ لا أعتقد ذلك. يُقْدم المتطوع على عمله لأنه يؤمن بأهميته في مجتمعه. ويؤمن بأن لديه رسالة ودوراً في الوضع الذي يعيشه في ظل الاحتلال والاستيطان. وهذا ما نراقبه من خلال الحوارات التي نتابعها على شاشة التلفزيون مع المتطوعين في الدفاع المدني سواء في لبنان أو غزّة، جميعهم يؤكد على مواصلة الطريق رغم استشهاد زملائه، فهم يرون عملهم جزءاً من مقاومتهم اليومية.
■ كيف نما التطوع على صعيد المجتمعات؟
■ الإنسان كائن اجتماعي لا يمكنه العيش وحيداً، ولهذا التطوع ومساعدة الآخر موجود لديه بالفطرة. يرى المتطوع نفسه جزءاً من مجتمعه سواء على صعيد القرية، أو الحي أو المبنى، أو حتى على صعيد مجتمع أكبر. إذاً هو يساهم بأمور محددة، وبالوقت عينه يساهم آخرون بأمور مختلفة. إنه السلوك الطبيعي لدى البشر.
■ “العَوْنِة” التي كانت سائدة قبل عقود في مجتمعاتنا هل تُصنّف تطوعاً؟
■ بالتأكيد. وهي ما تزال سائدة بحدود صغيرة في بعض القرى. كمثل صب سطح البيت بالباطون، حيث يتنادون قبل أيام من الموعد ويتعاونون. يتحلق الشباب حول جبلة الباطون، وتنهمك السيدات في تحضير مائدة الغذاء. إنه سلوك مجتمعي طبيعي، ينسحب أيضاً على مناطق لبنانية عدّة في مواسم تحضير المونة. هذا التعاون كان ما يزال مزدهراً في تسعينيات القرن الماضي، وكان يترافق مع تقاليد وطقوس جميلة جداً. إذاً فكرة التطوع طبيعية ومنطقية في سلوك البشر.
■ هل جميعنا مؤهل للتطوع؟
■ في حالة النزوح التي شهدها لبنان مؤخراً كان الجميع حاضراً ليكون له دوره في المساعدة، وعلى مستويات مختلفة، من تأمين مستلزمات الحياة بحدها المتاح، إلى تحضير الوجبات اليومية، إلى جمع التبرعات، وتنظيم أنشطة هادفة للأطفال. وهبّت للمساعدة جمعيات، وكذلك أشخاص بمفردهم رغبوا بحضور ودور لهم في هذه المحنة الوطنية. هذا التطوع موجود في غزة وكان في لبنان أيضاً. ولا شك بأن الكوارث الطبيعية التي قد تصيب بلداناً بعينها تشهد استنفاراً واسعاً على صعيد التطوع.
■ كيف تنظرين إلى اليوم العالمي للتطوع؟
■ يشبه كافة الأيام التي تحمل شعارات وتتزين بها. لا يحتاج الناس ليوم عالمي ليتذكروا ضرورة التطوع. لا أعرف ما يقوم به المعنيون بهذا اليوم غير الشعارات، وربما نشاطات محددة في المدارس وبعض المؤسسات. وأكرر عدم حاجة الناس لمثل هذا اليوم كي يتطوعوا.
■ ما هي أهمية التطوع على صعيد الفرد؟
■ التطوع مهم جداً على صعيد المجتمع والفرد بالتأكيد. مهم جداً أن يهبّ المجتمع لمد يد المساعدة عند الضرورة، ولا بدّ من لفت الانتباه بأن النيوليبرالية المهيمنة على كافة المجتمعات في العالم تُلقي بمسؤولية المجتمع على الفرد، وتحد من دور الدولة، وبالتالي يُصبح التطوع سيفاً ذو حدين إن صحّ التعبير. فمن جهة هناك ضرورة ملحة للتطوع، ونحن كأفراد نشعر بقيمتنا وأهمية حضورنا في مجتمعنا من خلاله، كأن يتطوع بعضنا لتحسين حديقة الحي الذي نعيش فيه، أو يتطوع لمساعدة العجزة، أما أن تصبح هذه المسؤوليات من مهمات الأفراد وحدهم، وتنسحب الدولة كلياً من مسؤولياتها، فعندها يصبح العمل التطوعي مساهماً في تعزيز النيوليبرالية وانكفاء دور الدولة.
كما أنّنا نلاحظ أن الدول الغربية تُركّز بشكل كبير جداً على التطوع، حتى أن بعض الشركات الكبرى باتت مستغلّة لمفهوم التطوع، تُعلن مسؤولياتها عن قطاع معيّن في المجتمع وتبدأ عطاءاتها مساهمة فيما يحتاجه، رغم أهمية هذه العطاءات النوعية أحياناً، لكنها تقوم في غالبيتها على أكتاف المتطوعين، فيما تستفيد الشركات في تحسين صورتها وصيتها، وفي بعض الأحيان تستفيد من اقتطاع جزء من الضريبة. وهؤلاء المتطوعون تلامذة مدارس وجامعات يبحثون عن التطوع لتحقيق الرضا الذاتي بأهميتهم في مجتمعهم، كذلك يحتاجون إلى بناء سيرة ذاتية خاصة بهم، وفي الوقت عينه تستفيد الشركات من تطوعهم ومن وقتهم ومجهودهم. ومن هنا أنظر إلى التطوع على انه سيف ذو حدين، في حين أنه في جوهره عمل رائع جداً. وعندما يستفيد منه المجتمع فهذا جيد جداً، لكنه يتحوّل إلى مصيبة عندما تنسحب الدولة من مسؤولياتها، وتولي أمرها للمتطوعين. وكان واضحاً للعيان في لبنان غياب الدولة كلياً عن إعداد خطة للنازحين رغم أنها كانت تتوقع النزوح. ومن قاموا بالمهمات المطلوبة لدعم النازحين بمعظمهم من المتطوعين، ومن المجتمع الأهلي، أما أن تستفيد الشركات من المتطوعين لتحسين سمعتها ونشر اسمها، فهي تحصد ذلك على أكتاف المتطوعين.
■ كيف ينشأ الفرد على روح التطوع؟
■ إنه دور الأهل والمدرسة. بعض المدارس في لبنان تطلب من تلامذتها في القسم الثانوي 40 ساعة تطوع خلال العام. وفي الغرب بعض المدارس تفرض تطوعاً لكامل الفصل الدراسي الأخير من السنة الثانوية النهائية. لا شك بأهمية المدرسة، وبالمقابل للأهل دورهم الأكبر، ومن يتعايش مع هذا السلوك لدى والديه، لا بد سيتأثر تلقائياً، ومن دون طلب أو توجيه. سلوك التطوع يصبح كما الطقوس التي ينشأ عليها الإنسان، وهكذا تتعزز الفطرة لديه.