البروفيسور يوآف دوتان
اللحظة التي يقف فيها نتنياهو على منصة الشهود في محاكمته الجنائية، يفترض أن تكون لحظة ذروة في دراما محاكمته. سيكون من يقول، إنها إحدى لحظات الدرك الأسفل في تاريخ الدولة عندما يصعد رئيس وزراء قائم ليشهد في محكمة تعنى بلوائح اتهام رفعت ضده في قضايا فساد مختلفة.
كثير ممن يصلون لإنهاء حكم نتنياهو وسقوط حكومة الفشل والضلال التي يقف على رأسها، يدعون بأنها لحظة يخافها نتنياهو أكثر من أي لحظة أخرى”، أي اللحظة التي تشكل بداية نهاية حكمه الذي استمر أكثر من عقدين – أكثر من كل رئيس وزراء سبقه. ظاهراً، سلوك نتنياهو نفسه، الذي اتخذ عدداً من مناورات التملص المختلفة، يعزز هذا الانطباع الأولي.
لكن يخيل أن الواقع المرتقب عقب بدء شهادة نتنياهو، كفيل بأن يكون مختلفاً جوهرياً. عندما رفعت لوائح الاتهام ضد نتنياهو في العام 2019 كانت قضايا نتنياهو القضائية في رأس جدول الأعمال العام، والساحة السياسية في إسرائيل انقسمت، على مدى خمس حملات انتخابية، بين أولئك الذين كانوا مستعدين للتعاون معه رغم لوائح الاتهام وأولئك غير المستعدين. منذئذ، اجتازت الحياة الإسرائيلية العامة سلسلة من الأحداث الصادمة، وعلى رأسها مذبحة 7 أكتوبر، ومئات المخطوفين الذين أخذوا إلى غزة وقسم منهم لا يزال هناك، والحرب الضارية، وكثرة الإصابات التي اندلعت في الجبهتين الجنوبية والشمالية على حد سواء.
وأمام هذه الأحداث، يبدو أن الانشغال بمسألة عدد زجاجات الشمبانيا التي حولها ارنون ميلتشن إلى فيلا نتنياهو أو كم تقريراً صحفياً تغير في موقع “واللا” لإعجاب سارة – سيبدو في نظر الجمهور كأنه قصة شعبية أكثر منها موضوعاً يكمن في روح شعب إسرائيل.
والأهم من ذلك، أن المحاكمة وإن كانت تعنى باتهامات غير سهلة من ناحية جنائية، لكنها لا تعنى بالتهمة الأخطر: مسؤولية نتنياهو عن فشل 7 أكتوبر. مسؤولية يرفض نتنياهو بثبات وبوقاحة تحمل مسؤوليتها، بل يعمل لدحرجتها إلى العالم كله– باستثنائه.
من ناحية الكثيرين ممن يرون نتنياهو المسؤول الرئيس عن 7 أكتوبر – حتى لو بُرئت ساحته في المحاكمة، فسيبقى مذنباً إلى الأبد. أما من ناحية مؤيدي نتنياهو، المستعدين ليغفروا له ذاك الإخفاق الرهيب بل والسير أسرى خلف الألاعيب التي ينثرها لحرف المسؤولية نحو الآخرين – فلا تعد الاتهامات أكثر من تلفيق آخر من النيابة العامة و”الدولة العميقة” لإحباط “الإرادة الحقيقية للشعب” التي تؤيد زعامته.
لكل أولئك الذين يأملون بأن تشكل شهادة نتنياهو نقطة انعطافة لطالحه في العالم السياسي، أقترح أن ينظروا إلى الأحداث في الولايات المتحدة. قبل سنتين، جلس ترامب في مزرعته مهجوراً ومستاء. كان يعد خاسراً دون تأييد في الحزب الجمهوري وكمن مر زمنه. وعندها، قرر بعض المدعين النشطين من الحزب الديمقراطي أن يرفعوا ضد ترامب لوائح اتهام جنائية لذيذة وفتح محاكمة مغطاة إعلامياً ضده.
ما كنت أقترح على أولئك الذين يصلون حتى تنقذنا الإجراءات الديمقراطية أو تقلبات القدر من عقاب نتنياهو أن يعلقوا آمالهم على المحاكمة. في الحالة الأسوأ، ستصبح التحقيقات الطويلة والشهادات في المحاكمة نبأ دائماً في هوامش نشرات الأخبار في غضون وقت قصير. في الحالة الأكثر سوءاً، ربما تصبح الشهادة الشرارة التي تتسبب بانفجار شامل في العلاقات بين الساحة السياسية والساحة القضائية.
إسرائيل اليوم 8/12/2024