وجوه مشوهة ومعذبة بعد الخروج من «المسلخ البشري»

هبة محمد
حجم الخط
0

دمشق ـ «القدس العربي» : في حالة من الذهول، خرج الآلاف من المعتقلين من سجن صيدنايا سيئ الصيت، أكثر السجون العسكرية السورية تحصينا، قرب دير صيدنايا على بعد 30 كيلومترا شمال العاصمة دمشق، كما خرج المئات من سجون عدرا والقابون وفرع فلسطين ودرعا المركزي والسويداء وحمص وحماة وطرطوس، وسط فرح عارم يسألون الناس وهم يركضون هائمين على وجوههم في الشارع، ماذا يجري؟
وأظهرت فيديوهات مرئية تداولها رواد وسائل التواصل الاجتماعي، مقاطع مباشرة لخروج نساء وأطفال من سجن صيدنايا، يبدو على بعض هؤلاء الأطفال أنهم لم يروا النور قط، فقد خرجت إحدى النساء وأمامها طفل صغير، وحسب ناشطين فقد ولد هذا الطفل في المعتقل.
كما ظهر العشرات منهم في حالة من الدهشة يعلوهم صراخ وبكاء الأطفال الخائفين من التعذيب. وما إن طمأنهم مقاتل وهو يفتح باب السجن بأنهم «أحرار» وقال: «لا تخافوا اذهبوا حيث تريدون بشار سقط» حتى احتضنته طفلة تبكي وترجو ألا يعذبها ثم قالت بعدما هدأ روعها «عمو تعال معنا».
ودخل العشرات من مقاتلي المعارضة المسلحة، وفتحوا زنزانات صغيرة لمئات المعتقلين في سجن صيدنايا المعروف باسم «المسلخ البشري» بينما يعتقد بوجود الآلاف في «البناء الأحمر» في طوابق سفلية تحت الأرض لم يتمكن أحد من الوصول إليهم بعد.
وقد صوّر أحدهم تلك اللحظات بهاتفه: مسلّحون يكسرون أقفال زنزانات صيدنايا، أكبر السجون السورية الذي تفيد منظمات غير حكومية بتعرّض المساجين فيه للتعذيب، فيما تركض نساء وأطفال للخروج وهم لا يصدقون أن الرئيس السوري سقط.
وقال الرجل الذي سجّل مقطع الفيديو بعد ساعات من دخول الفصائل دمشق وفرار الأسد إلى روسيا «أنتم أحرار أخرجوا! كل شيء انتهى».
من الباب، خرج عشرات الرجال بوجوه هزيلة وأجساد ضعيفة.
في الزنزانات، لا يوجد أي أثاث باستثناء بعض البطانيات الرقيقة الملقاة على الأرض. أما جدرانها فملؤها الرطوبة والأوساخ.
وفيما كان السجناء يخرجون من زنزاناتهم كانوا يتساءلون «ماذا حصل؟».
في جناح آخر، زنزانات النساء. وأمام باب إحداها، ينتظر طفل ضائع.
وكانت نساء يصرخن لدى رؤيتهن المسلّحين «أنا خائفة» خشية الوقوع في فخ أو التعرض لاعتداء جنسي من الرجال المسلحين الذين يجوبون الممرات.
لكنّ «المنقذين» حاولوا طمأنتهن بالقول «لقد سقط، أخرجن».
وفي مسجد السلام وسط دمشق، احتشد الأهالي بحثا عن أبنائهم المفقودين، بعدما نقلت قوات المعارضة المئات إلى المسجد، نظرا لفقدان الكثير منهم للذاكرة، فتهافت الناس يبحثون في وجوه مشوهة ومعذبة عن أقارب لهم، والبعض يبكي باحثا دون جدوى.
وبينما وقف ثلاثة شبان من المفرج عنهم، أمام عدسة ناشط يتجول سط شوارع دمشق، مذهولين، قال أحدهم: الآن نحن في وسط دمشق، وأقسم بالله أن إعدامنا كان اليوم مع 54 معتقلا، لكن قبل نصف ساعة من الإفراج عنا هرب السجانون.
ومن المشاهد الصادمة، صوّر أحد المقاتلين غرفا مشبعة بالرطوبة، لا تراها النور، وقد وُضع قصعة من الطعام مخصصة للأكل، يملؤها النفايات والأوساخ في وسط دورات المياه المتسخة.
كما أطل مقاتل بكاميرته في سجن صيدنايا، على فتحة صغيرة لباب زنزانة تفتقد لأدنى المقومات الإنسانية والصحية، فيها نافذة لا تسمح بدخول الشمس ولا الهواء، فإذا بشاب بشعر طويل، يجلس في زاوية الزنزانة، هادئ دون حراك، على أرض اسمنتية صلبة، مقيد من قدم واحدة، ويستند بجسمه النحيل على يد تكاد تختفي ملامحها.
ونشرت رابطة «معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا» صورا لمجموعة من المعتقلين الذين خرجوا من السجن، إحداها لرجل متقدم بالعمر قالت إنه رغيد الططري «بعد 43 عاماً من الاعتقال التعسفي أصبح حراً طليق».
كما نشرت صورة أخرى له وعلقت: عميد المعتقلين أقدم معتقل في سوريا رغيد الططري بعد اعتقال دام 43 عاماً فقد تنقل في العديد من السجون وانتهى به المطاف في سجن طرطوس المركزي وخرج مع الدفعة الأخيرة من المعتقلين إثر سقوط نظام الطاغية بشار الأسد.
ورفض الطيار السوري رغيد الططري، الذي يبلغ اليوم 72 عاما، قصف مدينة حماة عام 1982، عندما كان ملازم أول في سلاح الجو السوري، إبان المجزرة التي ارتكبها حفاظ الأسد بحق أهالي مدينة حماة.
وتنقل الططري الذي كان يبلغ من العمر 27 عاما، بين إدارة المخابرات العامة، وسجن المزة العسكري في دمشق، وسجن تدمر العسكري، ثم نُقل إلى سجن صيدنايا، ومنه إلى سجن عدرا، قبل أن يتحرر الطيار السوري من السجن المركزي في مدينة طرطوس بعد سقوط نظام «الأسد» وسيطرة المعارضة السورية على البلاد. وفقًا لتقارير دولية، يقع سجن صيدنايا العسكري، الذي يوصف بـ«المسلخ البشري» على بُعد 30 كم من دمشق، وأصبح بعد آذار/مارس 2011 مركزًا لاعتقال المتظاهرين السلميين وعناصر المعارضة العسكرية.
وتشير التقارير إلى أن الآلاف تم قتلهم بشكل منظم وسري داخل السجن، حيث نفذ النظام إعدامات جماعية بدون محاكمات بين عامي 2011 و2015، بمعدل يصل إلى 50 شخصًا في الأسبوع. كما توضح التقارير أن النظام احتجز المعتقلين في ظروف لا إنسانية، وعرضهم للتعذيب الممنهج، وحرمهم من الغذاء والماء والرعاية الطبية.
وسجّلت منظمة العفو الدولية آلاف عمليات الإعدام ونددت بـ«سياسة إبادة جماعية حقيقية» في صيدنايا، «المسلخ البشري».
في عام 2017، قالت الولايات المتحدة إنها تمتلك أدلة على بناء محارق جديدة في سجن صيدنايا خصيصا للتخلص من جثث الآلاف من السجناء الذين تم إعدامهم شنقا خلال الحرب. وحسب تقارير حقوقية وتحقيق موثق أجرته رابطة «معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا» فإن نظام الأسد كان ينفذ في نزلاء هذا السجن عمليات إعدام مباشر بشكل دوري مرتين في الأسبوع، وكان المعتقل ينقل من زنزانته في المساء ليعدم في الليلة نفسها أو في اليوم التالي، وكانت عمليات الإعدام المباشر تتم شنقاً في غرف مخصصة لذلك، هذا فضلاً عن الإعدام بالتعذيب. يذكر أن موظفاً منشقا عن نظام الأسد ملقب بـ «قيصر» نشر صورا لنحو 11 ألف جثة لأشخاص قُتلوا تحت التعذيب في الفترة بين أيار/مايو 2011 وآب/أغسطس 2013. وقد كشفت الصور عن أساليب التعذيب التي تعرض لها المعتقلون في منشآت النظام.
كان سجن تدمر واحدا من أكثر السجون شهرة في فترة الثمانينيات، وقد تعرض لانتقادات دولية على مدار العقود بسبب عمليات الإعدام الجماعي والظروف القاسية.
أغلق السجن بعد عام 2011 في ظل الحرب السورية، ولكن بعض التقارير تشير إلى أنه لا يزال يستخدم بشكل سري.
يوجد أيضا سجن السويداء، الذي يقع في محافظة السويداء، ويُستخدم لاحتجاز المعتقلين من مناطق درزية ومعارضين آخرين.
وكذلك سجن عدرا، وسجن حلب المركزي، وغيرهما. وتقدر تقارير تعود لعام 2004 أن عدد السجون في سوريا بلغ 35 سجنا. ويتوقع أن تكون هناك سجون بنيت بعد فترة الثورة السورية التي انطلقت في 2011.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية