الفنان المغربي عبد العزيز الخلوفي: مسرح الشارع ليس طلاقاً بل لحظة تأمل

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: منذ عام 2014، حملت فرقة «مسرح سفر» حقيبتها فوق ظهرها وبدأت بجولة في شوارع عدد من المدن المغربية، تقدم عروضا مسرحية دون «جدار رابع» حيث اللقاء المباشر مع الجمهور في الساحات العمومية وشوارع التجوال اليومي.
صاحب هذه الفرقة المخرج عبد العزيز الخلوفي ورفيقه في الإبداع الفنان حسن مكيات، قدما لجمهور «مسرح الشارع» مسرحيات متنوعة تنهل من معين اليومي المعيش، مثل «التشرميل» تلتها مسرحية «شريطة هاوس»، ثم «بوحجبان» وحاليا «حكايا السيرورة».
طريق المسرح في المغرب ليس مفروشا بالورود ولا حتى بالأشواك، هو طريق وعر تتوقع منه أي عائق أو حاجز قد ينبت هنا أو هناك، لكن يبقى العائق المادي هو الأهم، والأكثر سلطة وسطوة وصاحب القرار الأول والأخير، وبعد غياب تجربة «مسرح الشارع»، كان السؤال عن «طلاق سري للمسرح» بالنسبة لعزيز الخلوفي، الذي انتشى وما زال بنجاح روايته الأولى «الكاموني».

رد المخرج في حديثه لـ»القدس العربي»، كان حاسما هي «لحظة تأمل وليست طلاق، لا في السر ولا في العلن»، ويوضح «لم أبتعد عن الركح، كل ما هنالك أن (فرقة مسرح سفر) التي أديرها وأشتغل معها كمؤلف ومخرج، ارتأت منذ بضع سنوات أن تتخصص في مسرح الشارع، مع تقديم عروض القاعة من حين لآخر.. لكن بما أن الوزارة الوصية على هذا القطاع، قلصت مبلغ الدعم إلى أقل من النصف، في الوقت الذي كنا ننتظر منها العكس تشجيعا لها لهذا النوع من المسرح الذي نقدمه في قرى وبوادٍ لا تتوفر على قاعات مسرحية، وساكنتها متعطشون للفرجة واللقاء بفنانين، ونظرا لاستحالة إنجاز مشروع بمواصفات احترافية بدعم هزيل، اتخذت الفرقة قرارا بالتراجع عن الاستمرارية في مشروع مسرح الشارع والتفكير في استراتيجية أخرى».
وقطع الخلوفي مع الفرضية التي تقول إن انشغاله بالكتابة كانت سببا في ابتعاده عن المسرح، مؤكدا أن «رواية الكاموني التي أصدرتها مؤخرا لا علاقة لها بهذا التوقف والابتعاد عن الركح… فسطورها الأولى بدأت على منصة الفيسبوك ولم يكن هدفي حينها كتابة رواية، كل ما هنالك أنني كتبت ووصفت بالدّارجة حال الكاموني (قرية سيدي علال البحراوي ضواحي سلا) أواخر الستينيات وبداية السبعينات، هذه الحلقة لاقت تجاوبا كبيرا من المتابعين، ما دفعني لكتابة حلقة ثانية وثالثة، وهكذا أصبحت الأولى مسودّة مقدمة لأحداث رواية تحت عنوان (الكاموني)، سردتها مثلما بدأتها بالدارجة، لكنها أخذت مني وقتا طويلا، دام ثلاث سنوات تقريبا حتى خرجت للوجود في حلّتها الجديدة».
ويعبّر الخلوفي عن امتنانه بقوله «الحمد لله أن عدة أقلام محترمة كتبت بالإيجاب عن روايتي، ودافعت عنها كمادة أدبية، رغم أنها مكتوبة بالدارجة»، ويتابع المخرج توضيحاته بالإشارة إلى أن «أغلبية من عارضوا هذا الطرح إن لم أقل الكل، لم يقرؤوا ولو صفحة واحدة من رواية «الكاموني».. إنهم ضد فكرة الكتابة بالدارجة وكفى، وأنا أقول ليس كل من كتب بالعربية الفصحى وطبع في المشرق قرأ له أقصوصته بعض المغاربة.. فهل الزجل المغربي المكتوب بالدارجة لا ينتج المعنى؟». الرجل ليس حديث العهد بالكتابة، فقد ساهم في تأليف معظم المسرحيات التي قدمتها فرقته، وجاءت «الكاموني» لتدخله إلى عالم الروائيين، رغم صيغة اللغة الدارجة التي خلقت الجدل، إلا أنها تجربة فريدة ونوعية وتمتلك ناصية النجاح، لأنها تخاطب المتلقي بلغة يفهمها وتتماهى مع نبضه، وهو ما حققته فرقة «مسرح سفر»، من خلال عروض مسرح الشارع التي نجحت في ملامسة أعمق المواضيع التي يهتم لها المواطن العادي.
الحديث عن «مسرح سفر» جعلنا نسأله عن حال رحلة المسرح المغربي ككل، فقال عبد العزيز الخلوفي «إن المشهد المسرحي في المغرب له عدة أوجه ووجوه»، وبدأ المتحدث بالوجه الذي «يشرفنا في المحافل العربية والأسماء التي أصبحت وازنة تحصد الجوائز وتشرف وطننا، ويحسب لها ألف حساب». ويستطرد الخلوفي «لكن، مع الأسف، هذا النجاح خلق ظاهرة سلبية في مشهدنا المسرحي وهي التقليد، فأصبحنا نشاهد عروضا تحاول استنساخ الإبداعات الناجحة للآخرين فتكون النتيجة نسخة مشوهة».
الوجه الثاني للمسرح المغربي، يوضح الخلوفي، أنه «مسرح يبحث عن نفسه باجتهادات ذاتية وجادة، يطور نفسه عرضا بعد عرض، ليؤكد حضوره محليا أولا، ولا يضع بين أعينه جوائز المهرجانات، بل يبحث عن رضى جمهوره ومتتبعيه. وله أهداف إبداعية محددة، يؤمن بها ويدافع عنها من خلال مواضيعه والشكل الذي سطره لنفسه».
واحتفظ المتحدث بالوجه القبيح للنهاية، ليؤكد أن هناك «مسرحا هدفه الوحيد هو من أين تأكل كتف وزارة الثقافة والمؤسسات التي تدور في فلكها، بحكم موقعه أو قبعته، أو سنْطيحته (الجبين)، وهذه الملَكات (بين قوسين) ليست متاحة لجميع المسرحيين، فتضيع منهم فرص عمل حقيقية بسبب هذه الفئة التي لا ترحم وتتركهم عرضة للبطالة». واستطرد الخلوفي قائلا: «أعي ما أقول وأتحمل مسؤوليتي ولا داعي للدخول في التفاصيل المعروفة لدى الجميع، متواطئين وضحايا صامتين».
ويختتم المخرج المغربي بوجه رابع، وهو قبيح أيضا، يتجلى في «مسرح يدور في الحلقة المفرغةنفسها، يستفيد سنويا من دعم الوزارة، لكنه لا يقدم أي جديد، شكلا ومضمونا».
عزيز الخلوفي رغم مرارة الواقع المسرحي في بعض تجلياته السلبية، لم يفته «التنويه ببعض التجارب التي بدأت تفتح شباك التذاكر، على غرار (فرقة المسرح الوطني)، وعروض نجوم (ألوان مان شو)، و(الستانداب)، والافلام السينمائية المغربية تجارية كانت أو نخبوية».
وبالنسبة للمتحدث، فإنه «من غير المعقول أن نبقى لسنوات نوزع التذاكر على الجمهور الذي يأتي أو لا يأتي، ونقدم عروض الدعم أمام كراسٍ فارغة وذوي القربى، نطلب شهادة تقديم العرض من مدير القاعة، ثم ننصرف بها مع بعض الصور إلى مديرية الفنون بحي أگدال (في العاصمة الرباط) لنستخلص حقوقنا المادية التي لا تقارن بالميزانية المرصودة للسينما المغربية».
ووجه الخلوفي كلامه إلى التلفزيون المغربي من أجل «أن يحترم إبداع المسرحيين»، وتساءل «لا أفهم لِم ولِمن يبرمج مسرحيات بعد منتصف الليل؟»
وعموما، يقول «إن الفنون المغربية الآن (مسرح، سينما، تشكيل..)، بخير وحاضرة بقوة في الساحة العربية على الأقل، لكن السؤال المطروح أين هي الفنون الاستعراضية من كل هذا، لقد أجهض مشروع الفرقة الوطنية لفنون الكوريغرافيا أيام المغفور له الحسن الثاني، واستبشرنا خيرا قبل سنوات بمبنى مخصص لهذا الغرض، قرب مسرح محمد الخامس، وإلى يومنا هذا الأشباح وحدها من ترقص في هدا الصرح».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية