عن جيل جاكييه… والإعلام في “سوريا الأسد”

وائل الحجار
حجم الخط
0

لندن-“القدس العربي”: في يوم الأربعاء 11 كانون الثاني/يناير سنة 2012، كان رئيس النظام السوري بشار الأسد يظهر، وللمرة الأولى علانية وعلى الملء منذ بدء الثورة السورية ضد حكمه قبل أقل من عام، ليحيّي تظاهرات منظمة أقيمت لهذه المناسبة في ساحة الأمويين في دمشق.
تحدّث، فكرر كلامه عن المؤامرات وضرورة هزيمتها، حسبما يذكره تقرير ندى بكري في صحيفة “نيويورك تايمز” ذلك اليوم.
ولاقاه “المؤيدون” في التظاهرة بهتافات مثل “شبيحة للأبد، لأجل عيونك يا أسد”.
هزّت التظاهرات سوريا منذ أكثر من عام من ذلك التاريخ، وكان المطلب إسقاط النظام، ورمزه الأكبر بشار الأسد، وأبيه، وكان شعار يردّده المتظاهرون يقترح التالي: “حرية للأبد، غصبن عنك يا أسد”.
في اليوم نفسه، وفيما كانت مدينة حمص تعيش منذ أشهر قمعا متزايدًا من جانب قوات النظام و”الشبيحة” ضد المنتفضين والمتظاهرين، ويُقتل بعض هؤلاء ويشيّعون من المساجد، كان حدث آخر يجري في المدينة.
فقد أدى سقوط قذيفة في أحد أحياء حمص إلى مقتل جيل جاكييه الصحافي الفرنسي مراسل “فرانس 2”.
وأعطى مقتل جاكييه فرصة للنظام ليحوّل ما جرى إلى حملة دعاية ضد الثوار في سوريا، وهو ما عاد فأشارت إليه منظمة “مراسلون بلا حدود”.
لكن صحافيين سويسريين، باتريك فاليليان من مجلة “إبدو”، وسيد أحمد حموش من صحيفة “لا ليبرتي”، وكانا أيضًا في حمص، أشارا إلى مسؤولية ما للنظام السوري عن مقتل جاكييه.
فتح الادعاء الفرنسي تحقيقًا بالقضية، إلا أن الحكومة الفرنسية أطلقت تحقيقًا مستقلًا خاصًا بها، وذكرت خلاصات نسبت لوزارة الدفاع الفرنسية في تموز/يوليو من العام نفسه، أن جاكييه قُتل في هجوم نفذه متمردون مناهضون للأسد.
وفي حزيران/يونيو 2013 نشرت كارولين بوارون، أرملة جاكييه، كتابًا بعنوان “اعتداء سريع جدا” (Attentat Express)، بالتعاون مع فاليليان وحموش، يشير إلى دور لاستخبارات النظام السورية في مقتل زوجها.

الإعلام الخارجي

ويقول تقرير لـ”لجنة حماية الصحافيين” أعدته داليا الزين عام 2012 إن جاكييه والصحافي حموش كانا “من بين 15 صحافياً سمحت لهم السلطات السورية بدخول سوريا عبر تأشيرات سفر ساعدت على استصدارها الراهبة آغنس مريم الصليب” وأنها “ساعدت على ترتيب الرحلة الصحافية إلى حمص في 11 كانون الثاني/يناير، ومع ذلك امتنعت عن مرافقتهم قائلة إن غيابها سيساعدهم على التحرك بحرية”.
ويمضي التقرير بالإشارة إلى أن جاكييه أعرب “عن معارضته للتوجه إلى حمص، ورأى أن الرحلة غير آمنة، ولكن الراهبة آغنس حثته على الذهاب، وإلا فإنه سيفقد فرصة تجديد تأشيرة السفر بما يتجاوز الأيام الأربعة الأولى التي حددتها التأشيرة الأولى، حسبما أفاد حموش للجنة حماية الصحافيين وبما يتطابق مع تقارير إخبارية أخرى”.
وبمعزل عن هذين الاتجاهين في توجيه الاتهامات، أثار صحافيون كانوا موجودين في تلك الرحلة القاتلة، علنًا، أو في مراسلاتهم مع جهات التحقيق، وكذلك مع مؤسسات إعلامية أجنبية كان لديها ممثلوها في “رحلة الموت”، تساؤلات كبيرة بشأن الإدارة الإعلامية من جانب النظام لحربه على شعبه السوري.
ومن بين ما ساقوه، أن المشرفين على هذه “الرحلة” وسبق أن أشير إلى بعضهم، أشرفوا على فصل وفد الصحافيين المختارين الى فريقين، أحدهم كان فيه جاكييه، والآخر صحافيون آخرون.
وزاد هؤلاء، مطالبين صحافيين كانوا موجودين وقت مقتل جاكييه بتقديم شهادات صحيحة عما جرى لمساعدة التحقيق.
واتُهمت الأم آغنس، بأنها ساهمت في محاولات النظام السوري التسويق لنفسه للإعلام الخارجي بصفته ما يعادل حارس بوابة القيم الغربية في مواجهة “الظلاميين الإسلاميين”.
وقد بذلت جهدًا كبيرًا في الغرب، وفي أوساط الإعلاميين الغربيين والعاملين في مؤسسات إعلامية للغرب، ووصل بها الأمر إلى السفر لإسرائيل التي قصدتها في زيارة دينية، وأدلت بحديث صحافي دافعت فيه عن نظام الأسد، ونفت ارتكابه لمجرزة الكيميائي في الغوطة (حسب صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية 1 أيلول/سبتمبر 2013).
وخرجت الأم آغنس عبر الإعلام أخيرًا، نهار الجمعة 13 كانون الأول/ديسمبر عام 2024، عبر بيان لجمعية “أم الإنسان” فنّدت فيه اتهامات بحقها سيقت بعد سقوط النظام، وذكّرت بدور لها في زيارة السجون ومناصرة قضايا المعتقلين والمختطفين في سوريا، وقالت أيضا إنها نشرت مقالا عام 2011 تنتقد فيه الأسد بشكل مباشر.

الخبراء

وعدا عن الدائرة الدينية، التي تُمكن قراءة هواجسها في ظل تاريخ من العلاقات المعقدّة في سوريا، وإخضاع النظام للمؤسسات الدينية الإسلامية، والمسيحية، كانت دوائر أخرى تسوّق الرواية النظامية.
وكان أشخاص يقدَّمون “أكاديميين” و”محللين” و”خبراء”، وعدد آخر كبير من التسميات “المحايدة”، يخرجون لإدارة معركة النظام الإعلامية، وتفنيد كل مجزرة، أو انتهاك، ونفيها أو تحميل الثوار مسؤوليتها.
ومن بين هؤلاء، كان هناك عمداء وضباط احتياط ومتقاعدون في جيش النظام، أو حتى بعض النواب.
ويقول مدير في قناة إعلامية أجنبية مرموقة: “أولئك الذين نستضيفهم من دمشق عبر الأقمار الاصطناعية: الكتاب، الصحافيون وأساتذة الجامعات، يعبرون بقوة عن موقف السلطات السورية ورؤيتها، ولا ينبغي أن نلمح إلى أنهم محايدون”.
خلال سنوات الثورة والحرب في سوريا، كان ضيوف النظام الذين يطلّون عبر الأثير ليخاطبوا الغرب والمؤسسات الغربية بشكل عام، فضلًا عن بقية شرائح الجمهور، لا يطلّون عبر شاشات الرئيس فحسب، بل يستفيدون من القيود المفروضة على خدمة “الستالايت ديسك” الذي لا حول له ولا قوة في إجبار المتعاقد الخاضع للمخابرات في دمشق، على السماح لشخصيات معارضة بالظهور صوتا وصورة.
كان المعارضون يظهرون غالبًا عبر الهاتف، أو “سكايب”، وفي معظم الأحيان، ومع اتساع النزاع المسلح، و”الأسلمة”، يطلّون من “مناطق المعارضة” وليس من دمشق.
ويصبح السؤال مشروعًا، أقلّه بما يتعلق بـ “الأكاديميين” و”المحللين” وأساتذة الجامعات”، و… هل كانوا يتقاضون أجورهم مقابل الظهور الإعلامي بوصفهم خبراء، وليس نشطاء سياسيين أو ناطقين غير مباشرين باسم النظام؟
ومع اتساع التسلّح، حاز هؤلاء تعاطفا في أوساط غربية لا سيما بتولي عدد من “الأكاديميين” الغربيين هذه المهمة.
وفي دراسة نشرها موقع “ميدل إيست آي” في شباط/فبراير 2016 وأعدّها كايل أورتون، يقول الباحث والمحلل إنه “بالنسبة للأسد، من المفيد أن يتم نشر دعاية نظامه ليس فقط من خلال المتحدثين الرسميين، بل أيضًا من قبل محللين مستقلين، وصحافيين، وأكاديميين، وسياسيين”.
ويضيف “منذ بداية الحرب في سوريا، قاد نظام بشار الأسد، بدعم من إيران وروسيا، حملة إعلامية متقنة للغاية لتصوير نفسه كضحية لمؤامرة دولية، حيث صُوّر خصومه على أنهم إرهابيون من القاعدة وفروعها يستخدمهم أجانب – بخاصة دول الخليج، وتركيا، وإسرائيل، والولايات المتحدة – للإطاحة بدولة مقاومة تتحدى الهيمنة”.
ويتحدث عن مثالين في سياق تناول الحركة الإعلامية لمؤيدي أسد: ستيفن كينزر، وهو صحافي مخضرم، بما في ذلك عمله في صحيفة “نيويورك تايمز”، الذي كتب في صحيفة “بوسطن غلوب”، وجيفري ساكس، وهو اقتصادي أكاديمي يعمل في جامعة كولومبيا، الذي كتب في “هافينغتون بوست”. ويقول إنه “من خلال الجمع بين نظريات المؤامرة وأنصاف الحقائق والأكاذيب الصريحة – وهي دعاية مضللة وفقًا للمصطلح القديم – روى كينزر وساكس نسخة من رواية النظام. ويستدرك “أسباب قيامهما بذلك معروفة لهما وحدهما”.

نموذج حماة

الروايات التي سوف تعتمد بعد ذلك في الإعلام الغربي، هي القائمة غالبًا على الحرب الأهلية السورية، بنقيضيها الأسد والمعارضة، وأزمة النزوح واللجوء التي تستدعي مصالحة مع نظام الأسد (الخطاب نفسه تردّد في تركيا في المرحلة التي سبقت سقوط بشار). ومن ثمّ ستغيب سوريا عن الحدث الإعلامي عندما يتعلق الأمر بالديكتاتورية.
ولم يكن الوسط الإعلامي وحده هو الذي تحكّم بهذه الرواية.
عمليا، كانت هذه رواية الدول الغربية التي فشلت في صدّ التوسع الروسي، والإيراني، في سوريا، في ظل الاتفاق النووي أيضًا، ورواية أحزاب كبيرة على اختلافاتها، ورواية يسار أوروبي وأمريكي متضامن مع “القومية العربية العلمانية” وحلفائها من الإسلاميين الحلفاء لإيران، ورواية دوائر دينية مؤثرّة أيضًا.
وفي قلب هذه الروايات، كانت الشيطنة المطلقة للإسلاميين الصاعدين في سوريا تسير باندفاع تغّطي على كل السياقات الأخرى، وكل العوامل الأخرى، من دون أي تفريق حقيقي موضوعي بين الجماعات المختلفة في أوساط الإسلاميين، أو تطورها، أو مواقفها من بقية أطراف المعارضة، أو موقفها من “داعش”.
وعلى الرغم من كل ما يمكن أن يقال عن “هيئة تحرير الشام”، أو الفصائل الأخرى التي قد تتهم بأنها ارتكبت انتهاكات، فضلا عن الخصومة العقائدية مع الديمقراطية لدى طيف مهمّ منها، إلا أن الموضوعية في نقل الصورة كانت الضحيّة، إلا عند المنظمات الكبيرة المدافعة عن حقوق الإنسان.
وكما لم يكن ممكنًا أبدًا تصور أن محللي كيم جون أونغ سيحظون بهذه الفرصة الذهبية للدفاع عن نظام ينتمي إلى بؤر الرعب على هذا الكوكب، كان من البديهي أيضًا التصوّر النظري، ألا تفتح المنصّات بهذه الطريقة المخادعة لسماع صوت نظام ينتمي في أساليب التعذيب الخاصة به والمنهجية الممارسة على كل الشعب، إلى القرون الوسطى.
لقد أنجز الكثير خلال السنوات الماضية عن “جهاد النكاح” و”السبي” وقطع الرؤوس.. وحتى “الكبتاغون”، ألصقه بعض الإعلام الغربي في إحدى المرّات بـ”المعارضة السورية”، في الوقت الذي كان فيه معروفًا من يدير إمبراطورية “الكبتاغون”.
كما كان العالم يعرف، ما هو سجن صيدنايا، وأنجز الباحثون السوريون الكثير عن السجن وسواه، وكان معروفا جدا أنه مسلخ بشري، وخاصّة بعد تقرير “منظمة العفو الدولية” في 2017 عن آلاف أعدموا في هذا السجن سيء الصيت.
ولم يكن تراجع الغرب في وجه الأسد وروايته، الذي عكس بعضا من ملامحه التعاطي الإعلامي، سابقة في هذه البلاد.
كذلك لم يكن بشار الأسد مبدعًا خاصَا في نهجه الإعلامي. كل ما فعله أنه نفض الغبار عن تكتيكات والده وحزبه ونظامه في ثمانينيات القرن الماضي.
ويكتب ميشال سورا، الباحث الفرنسي، وهو نفسه ضحية لنظام الأسد وحلفائه الجدد، (سوريا الدولة المتوحشة – طبعة الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2017): “في شباط/فبراير سنة 1982، بينما كانت قوات الحرس الجمهوري للنظام السوري تقصف حماة، رابع أكبر مدينة في سورية بتعداد سكان يتجاوز ربع المليون نسمة، في عملية عسكرية كبيرة جدا انتهت بسقوط ما يقدر بعشرة آلاف قتيل (بين 7000 آلاف و15000 ضحية)، ويا لها من أرقام مروعة! ويا لدلالاتها! كانت الصحافة الغربية تقدّم ما يشبه التبريرات لذلك بصفته شرّا لا بدّ منه لإزاحة شبح الخمينية عن بلاد الهلال الخصيب من دون أن تنسى أن تشجب أعمال العنف بطبيعة الحال، فتلك كانت نوعا ما عملية جراحية ضد معقل الأصولية الإسلامية في سوريا”.
ثم يضيف سورا لذلك مقتطفا من افتتاحية “ماغازين ليتيرير” في عدد خاص عن الصحوة الإسلامية في تشرين الثاني/نوفمبر عام 1983 (أي بعد أقل من عامين على مذبحة حماة)، “مع افتتاحية تليق بأجمل صفحات تاريخنا الاستعماري” (التعليق لسورا).
وفي هذه الافتتاحية ورد الآتي “إن عالمنا الغربي مهما كان يعاني النخر أو الفساد (ـ…)، ومع كل ما فيه من عيوب، فهو أيضًا عالم مقاومة النازية وعالم سيمفونيات بيتهوفن وعالم التحرر من الاستعمار، لكنه ليس عالم مجانين الله الذين لا يمكنهم إلا أن يكونوا جلادين وقتلة، هؤلاء المجانين الذين يكرهون الفكر والمثقفين والنقد، والثقافة، والحب، والجمال.. نحن نرفض تلك العقليات رفضا مطلقا”.
ثم يمضي سورا في تحليل طبيعة القوى الحاكمة في سوريا، وموقع المدينة والسنّة، مقابل الحامل الاجتماعي والطائفي لبعث سوريا.
لكن على الرغم أن كل هذه السنوات مضت على ما كتبه سورا، الذي أعدمته المنظمة التي كانت تعرف باسم “الجهاد الإسلامي” في منتصف ثمانينيات القرن الماضي بصقته “جاسوسًا”، إلا أن النقاش بشأن هذه الثنائية في المشرق لا يزال يثير انقسامات.
في الواقع، كان الجميع يعرف بالتفصيل ما يجري في سوريا منذ سنوات طويلة، لكن ذلك كان ثمنًا وشرّا لا بدّ منه للحؤول دون ظهور حكم إسلامي في سوريا.
معادلة معقّدة، أحد تفسيراتها قد يكون في فكرة تشترك فيها نخب “غربية” مع الخطاب البعثي الأسدي، وكذلك مع نخب عربية علمانية أو طائفية، خلاصته أن السوريين، مثلهم مثل بقية العرب، قدرهم المحتوم أنه لا يمكن أن يقدموا بناء ديمقراطيًا على طريقتنا، أو أن يبنوا دولة أو نظاما.. الآن هل هذه عنصرية؟ أم أنها “الهوة الثقافية” الكبيرة بين عالمين؟ أم أنّه الانتداب الدائم في الأفكار؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية