«الإبادة التاريخية»: إسرائيل تشنّ حرباً منظمة على الرواية الفلسطينية

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة – «القدس العربي «: تُظهر الهجمات التي نفّذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد عشرات المواقع الأثرية في قطاع غزة، منذ بدء الحرب المستمرة، أن الهدف منها هو محو تاريخ هذا القطاع الساحلي، الذي يضم معالمَ أثرية قديمة، تثبت الرواية الفلسطينية على الأرض، ضمن المساعي الإسرائيلية القديمة الرامية إلى تزوير وسرقة التاريخ.

تدمير الآثار

ومنذ اليوم الأول للحرب على القطاع في السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، لجأت دولة الاحتلال إلى تدمير مُمنهج لتراث غزة القديم، فتعمّدت شنّ غارات عنيفة على الكثير من المواقع الأثرية، وحولتها إلى أثر بعد عين، لتواصل بعدها وبشكلٍ أعنف عمليات التدمير الممنهج للآثار، خلال التوغلات البرية، حيث طحنت آلة الحرب (الدبابات والجرافات) تلك المباني الأثرية، التي شُيدت قبل آلاف السنين من إعلان تشكيل دولة إسرائيل، وظهر بوضوح أن الاحتلال، قرر تدمير كل ما يشير إلى تاريخ الشعب الفلسطيني الممتد منذ آلاف السنين.
ووفقا لما نشرته سابقاً الجهات المختصة بتاريخ غزة، وفي مقدمتها وزارة السياحة والآثار، فإن من أبرز المواقع الأثرية التي تعرضت للتدمير خلال الحرب، هي الكنيسة البيزنطية وكنيسة القديس برفيريوس- ثالث أقدم كنيسة في العالم، والمسجد العمري والمقبرة الرومانية التي يزيد عمرها عن 2000 عام، وكذلك مسجد السيد هاشم، وقصر الباشا، ومقام الخضر في مقبرة دير البلح، ومسجد الظفر دمري الأثري، ودار السقا الأثرية، والمدرسة الكمالية، وحمام السمرة في غزة القديمة، ودير القديس هيلاريون غرب النصيرات، ومسجد عثمان قشقار وميناء البلاخية القديم غرب مدينة غزة ، وتل رفح القديم، وهو حالياً من ضمن منطقة «محور فيلادلفيا» بين جنوب قطاع غزة ومصر، والذي تحتله قوات الاحتلال بعد تدميره بالكامل، فيما جرى إصابة عشرات البيوت والمواقع الأثرية بأضرار بالغة وأخرى طفيفة.

«القدس العربي» تتابع قيام الاحتلال بسرقة الآثار وتدميرها

وفي ندوة نظّمتها وزاراتٌ فلسطينية مختصة تحت عنوان «تدمير التراث الثقافي في غزة»، قال وزير السياحة والآثار هاني الحايك، إن الاحتلال استهدف أكثر من 188 موقعاً أثرياً وتاريخياً في قطاع غزة، فضلاً عن استهداف العديد من المتاحف والتي تحتوي على العديد من القطع الأثرية، علاوةً على استهداف المساجد والكنائس التاريخية، وأكد أن الاحتلال تعمد استهداف المواقع الأثرية والتاريخية، في محاولة لمحو تاريخ الشعب الفلسطيني، لأن هذه المواقع تشكل جزءاً مُهما من الهوية الوطنية الفلسطينية، والتي تُعد خير دليل على تاريخ الفلسطينيين، واصفاً ما يجري بأنه محاولةٌ لإحلالِ واقعٍ جديد، عبر تدمير كل ما هو فلسطيني، بدايةً بالإنسان وانتهاءً بالحجر.

تزوير التاريخ

ويقول المؤرّخ الفلسطيني حسام أبو النصر لـ «القدس العربي» إن إسرائيل قامت منذ تأسيسها على أرض فلسطين، باستهداف المواقع الأثرية على مراحل، وأنها منذ عام 1948، بدأت عملية السرقة والنهب وفرض الرواية الإسرائيلية، لجعل الآثار تتماشى مع المكتشفات التوراتية، غير أنها فشلت في ذلك، فلجأت إلى سرقة وتدمير الآثار.
ويوضح أنه في العام 1967، بدأت عمليات تدمير الآثار كما حدث في المسجد الأقصى وحارة المغاربة، وتلا ذلك سرقة الكثير من الآثار الفلسطينية في قطاع غزة من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية موشيه ديان عام 67، حيث سرق أكثر من 50 تابوتاً وقطعةَ آثار تعود للعهد الكنعاني، وتم نقل الآثار إلى المتاحف الإسرائيلية، ومنها ما كان في منزل ديان، لافتاً إلى أن إسرائيل سرقت أكثر من 700 مخطوطة من أصل 900، حتى عودة السلطة الفلسطينية.
ويقول أبو النصر وهو ممثل فلسطيني في اتحاد المؤرخين العرب، إن دولة الاحتلال وبعد أن بدأت في العام 2008، بشن الحروب على غزة وحتى اليوم، قامت بتدمير العديد من المواقع الأثرية منها المقبرة البيزنطية والجامع العمري الصغير في جباليا، ويشير إلى أنها في الحرب الحالية دمرت 80% من المواقع الأثرية، ومنها ما هو غيرُ قابل للترميم مطلقاً. وشملت الاعتداءات تدمير المتاحف والمواقع الأثرية والبيوت القديمة، بهدف «إخفاء الدلائل المادية على امتداد التاريخ للمدن الفلسطينية، وتزوير الحقائق التاريخية، وفرض الرواية الفلسطينية، وطمس الهوية الإسلامية المسيحة الفلسطينية»، مشيراً إلى أنها تنوي عبر مرور السنين، طمسَ أي أثر يَدل على الكتابات التاريخية، لتقوم بإعادة كتابة التاريخ بالطريقة الإسرائيلية، ضمن المحاولات الرامية إلى فرض حقائق ووقائع جديدة على الأرض، مثلما تفرض الاستيطان.
ويُشير إلى أنّ ذلك يأتي ضمن خطة إسرائيلية تهدف إلى طمس الهوية العربية في المدن التي تحتلها.
ويؤكد النصر أن غزة تُعد من أهم المدن الكنعانية الخمس، التي تمتد في قلب التاريخ، وقال «إن تدمير كل هذه الآثار يضرب أهم مدينة كنعانية في فلسطين»، موضحاً أن إسرائيل خالفت القانون الدولي في تدمير الآثار، كما خالفته في قتل الأطفال والنساء والمدنيين.
وفي بدايات الحرب، وثّقت لقطات مصورة جنوداً إسرائيليين، وهم داخل موقع أثري في غزة، يسرقون قطعاً تاريخية.

طمس الذكريات

ولم يعد الغزيون يتألمون فقط بسبب فقدان الأهل والأحبة، فالكثير منهم لا يزال يعتصره الألم، بسبب تدمير المواقع الأثرية في قلب مدينة غزة القديمة، بما فيها منازلهم التي شُيدت قبل مئات السنين، وكانوا حتى بداية الحرب يقطنون فيها بعدما ورثوها عن أجدادهم، علاوةً على ذكريات جميع سكان غزة مع المسجد العمري، أكبر مساجد القطاع وأقدمها، والذي يتوسط منطقة أثرية، وأشهرها سوق الذهب المعروف باسم «سوق القيسارية» والذي يفوق عمره الـ 1500 عام، وقد تعرض هو الآخر للدمار.
ولا أحد من سكان غزة القديمة، أو باقي سكان القطاع، إلا وقد زار المسجد العمري وصلى فيه، أو رأى الكنائس الموجودة على مقربة منه، في هذه البقعة التاريخية من غزة، فيما قام آخرون بزيارة سوق الذهب، والجميع شاهد قصر الباشا، الذي يتوسط ميداناً كبيراً بين ساحة غزة وساحة حي الشجاعية، لكن لم يكن يخطر ببال أحدهم أن هذه الأثار التي تحمل عبق غزة القديمة، ستتحول إلى أكوام من الركام.
ويقول أحمد شاهين، وهو رجلٌ في العقد الخامس، ونزح إلى جنوب قطاع غزة بعد تدمير المسجد العمري، إنه شعر بغصّة في قلبه لما رأى المسجد الأثري الذي لطالما زاره كثيراً وقد أصبح كومة من الركام.
ويضيف لـ «القدس العربي»: لم أتخيل يوماً أن هذا المسجد سيدمر»، لافتاً إلى أن قصف المسجد بعنف شديد يُدلل على أن الهدف هو إخفاء آثار غزة. والمسجد العمري الكبير، يُعد من أهم وأكبر المساجد التاريخية في فلسطين ويقع في قلب مدينة غزة، وتبلغ مساحته 4100 متر مربع، وقد وتعرض للدمار بشكل كامل، فيما دمر أيضا ًدير القديس هيلاريون، الذي منحته منظمة «اليونسكو» «حماية معزّزة مؤقتة» وهو أعلى مستوى من الحصانة ضد الهجمات التي حدّدتها اتفاقية لاهاي عام 1954.
وهذا الدير، هو جزء من تل أم عامر، المُدرج على قائمة اليونسكو للتراث منذ عام 2012، إلى جانب مواقع أثرية أخرى كثيرة شيدت بعضها منذ آلاف السنين.
ومن أجل إحداث التدمير، تتعمّد قوات الاحتلال ضرب الأماكن المستهدفة بكميات كبيرة من المتفجرات، حيث تشير الاحصائيات المحلية، إلى استخدام دولة الاحتلال 86,600 طن متفجرات في قطاع غزة منذ بداية الحرب .

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية