عهد ترامب الثاني في الشرق الأوسط: كل المؤشرات توحي بـ: “إسرائيل أولًا”

محمد العزير
حجم الخط
0

بكثير من الحذر يترقب الشرق الأوسط عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لمعرفة السياسة التي سينتهجها في أكثر مناطق العالم تأزمًا وحساسية، وما إذا كان سيواصل أسلوبه الإرتجالي في المواقف ومقارباته قصيرة المدى التي تركز على الإثارة الإعلامية سواء من خلال صفقات التسليح والإستثمار الضخمة مع الخلفاء أو زيادة الحصار وتوجيه ضربات صادمة إلى الخصوم، خصوصًا وأن المنطقة شهدت منذ خروجه من البيت الأبيض قبل أربع سنوات تغييرات جيوـ سياسية وميدانية وإقليمية هائلة لا تزال أحداثها تتوالى وتغير التوازنات بشكل عميق.
لا يمكن حتى الآن استشراف صورة واضحة لمستقبل المقاربة الأمريكية لملفات المنطقة الكثيرة، في ظل استمرار ترامب في إطلاق تصريحات عالية النبرة وادعاءات شخصية لا تستند إلى أي مضمون مثل قوله إن الحرب في قطاع غزة وفي لبنان لم تكن لتحدث لو كان هو في السلطة، أو أنه قادر على إيقاف الحروب بما فيها في الشرق الأوسط وأوكرانيا خلال 24 ساعة، أو توجيه تهديدات لحركة حماس لإطلاق الأسرى الإسرائيليين لديها قبل حفل تنصيبه في العشرين من كانون الثاني/يناير المقبل، أو انذار إيران بوقف العمل في برنامجها النووي، وكل هذه مواقف يعلنها على منصة “تروث سوشال” التي يملكها. لكن المؤشر الوحيد الذي قد يشي بالتوجه المحتمل للإدارة الجديدة ـ القديمة هو هوية الفريق الذي اختاره ترامب لتوجيه دفة العلاقات الخارجية خصوصًا في الشرق الأوسط.

“فريق الأحلام الإسرائيلي”

أطلقت وكالة الأنباء اليهودية “Jewish News Syndicate” وهي أكبر مؤسسة إعلامية صهيونية في أمريكا، وصف “فريق الأحلام الإسرائيلي” على المجموعة التي أختارها ترامب للسياسة الخارجية والشرق الأوسط، ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من لمحة سريعة على أسماء وخلفيات المرشحين الذين يحتاج بعضهم لمصادقة مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري قبل استلام مهامهم رسميًا، للتأكد من صوابية التوصيف. فالمرشح المقترح لرئاسة الدبلوماسية الأمريكية هو السيناتور اللاتيني الأصل ماركو روبيو الذي ينتمي إلى بيئة شديدة الصلة بالمؤسسات الصهيونية وأشد الدوائر المحافظة في الإدارة الأمريكية وخصوصًا وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “CIA”. هاجرت عائلة روبيو الثرية من هافانا قبل استلام فيدال كاسترو للسلطة عام 1959 بعامين، ولعبت دورًا بارزًا في جهود محاصرة كوبا وعمليات التخريب فيها وتأطير اللاجئين من الجزيرة ضد النظام الجديد.

ماركو روبيو المرشح المقترح لرئاسة الدبلوماسية الأمريكية ينتمي إلى بيئة شديدة الصلة بالمؤسسات الصهيونية

ولد ماركو روبيو في فلوريدا عام 1971 وبدأ نشاطه السياسي وهو على مقاعد الدراسة الجامعية، وتبنى سياسة محافظة في ولاية كانت تعتبر ليبرالية التوجه، ومثل منذ انتخابه عضوًا في مجلس نواب فلوردا عام 2000، وجهًا واعدًا للجمهوريين الذين كانوا في حاجة ماسة إلى الصوت اللاتيني لمنافسة الحزب الديمقراطي، وأصبح رئيسًا لمجلس نواب الولاية عام 2006 قبل انتخابه عضوًا في مجلس الشيوخ عام 2010. بعد فشله الذريع في الانتخابات الرئاسية التمهيدية عام 2016، أمام ترامب الذي أهانه بشكل فظ، تحول روبيو إلى أكبر المتحمسين لخصمه السابق، وتتسم مواقفه بالتشدد الذي يلامس التطرف خصوصًا في العداء لإيران والصين وتأييد إسرائيل، وكان من المشرعين الذي صوتوا كل مرة ضد أي مشروع لوقف النار في غزة وطالما ردد أن على إسرائيل أن تنهي المهمة في غزة وأن تدمر كل عنصر من عناصر حماس وان تقضي عليهم لأنهم “حيوانات شرسة ارتكبوا جرائم مروعة”.
مقدم البرامج في قناة “فوكس نيوز”

أما المرشح لوزارة الدفاع بيتر براين هيغسيث (54 سنة)، مقدم البرامج في قناة “فوكس نيوز اليمنية”، فهو عسكري في الحرس الوطني خدم في معتقل غوانتانامو عام 2004 قبل أن ينتقل إلى العراق حيث خدم في بغداد وسامراء، كما خدم في أفغانستان عام 2012 وتقاعد برتبة رائد. ينتمي هيغسيث إلى كنيسة متطرفة، ولا يعتبر الإسلام دينًا معترفًا به، ويعتقد أن لدى الإسلاميين مخططا لغزو أوروبا وأمريكا ديموغرافيًا وسياسيًا وثقافيًا بالتحالف مع العلمانيين لسحق المؤسسات المسيحية – اليهودية. كذلك يؤمن بأن المرأة لا تصلح للمهمات القتالية أو المناصب القيادية في القوات المسلحة، كما يرفض خدمة المثليين في الجيش. أما في الشرق الأوسط فيعتقد هيغسيث أن إسرائيل هي رأس الجسر الضروري لحملات صليبية أمريكية، وأن معاهدات جنيف يجب التخلص منها وأن على القوات الأمريكية تجاهل كل القانون الدولي الإنساني.
المرشحة لمنصب المندوبة الأمريكية الدائمة في الأمم المتحدة (وهو المنصب الدبلوماسي الوحيد الذي يتمته بمرتبة وزارية في الإدارة الأمريكية)، عضو مجلس النواب عن ولاية نيويورك اليس ماري ستيفانك (40 سنة)، يهودية صهيونية أمريكية، تشغل منصب رئيسة المؤتمر الجمهوري في مجلس النواب، منذ أن بدلت موقفها من اقتحام أنصار ترامب لمبنى الكابيتول عام 2021، لتحل محل النائبة السابقة ليز تشيني التي وافقت على التحقيق في دور ترامب في المحاولة الإنقلابية الفاشلة على نتائج الانتخابات الرئاسية. حتى ذلك الوقت كانت ستيفانك تحاول أن تمثل الوجه المعتدل للحزب الجمهوري الذي كان يترنح تحت ضغط رئاسة ترامب، لكن مغريات المنصب القيادي بدّلت من قناعاتها وصارت من أبرز مشجعي ترامب في واشنطن. في موقفها من إسرائيل تتفوق ستيفانك على أقرانها من الصهاينة الأمريكيين في الدعوة على تقديم المصلحة الإسرائيلية على ما عداها، خصوصًا إن كانت أمريكية، فهي فوق دعواتها المتكررة إلى منح المزيد من المساعدات المالية والعسكرية لإسرائيل تحولت إلى كلبة شرسة في مواجهة حملة التضامن الأمريكية مع الفلسطينيين في غزة واستغلت منصبها لترهيب الجامعات والمؤسسات الطلابية والأكاديمية التي تتسامح مع حرية التعبيرـ ولم تتورع عن ممارسة الضغط الهائل على إدارة بايدن لتقديم المزيد من الدعم لحكومة بنيامين نتنياهو، وكأن بايدن لم يقدم ما يكفي، كما تدعو إلى إلغاء وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” ومسح حماس ومناصريها عن وجه الأرض.

إطلاق يد إسرائيل في تأديب كل أعدائها

يتمتع مرشح ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي مايكل والتز (50 سنة)، بالسمات الأساسية التي يهواها ترامب، عسكري سابق، وعضو مجلس نواب جمهوري عن ولاية فلوريدا، ومحلل دائم الحضور في قناة “فوكس نيوز”. يعتبر والتز من المتطرفين في الحزب الجمهوري إذ يدعو إلى إطلاق يد إسرائيل في تأديب كل أعدائها في الشرق الأوسط وإلى تدمير المنشآت النفطية والنووية والعسكرية الإيرانية. عمل والتز من خلال موقعه في مجلس النواب على منع إدارة بايدن من السعي إلى أي وقف لإطلاق النار في غزة، ومع أن البيت الأبيض كان أكثر تأييدًا لنتنياهو من الكنيست الإسرائيلي حرص والتز الراغب في الظهور اليومي على شاشة “فوكس نيوز”، على رفع السقف في وجه بايدن.
لكن لا يمكن لترامب في عهده الثاني أن يأتي إلى الشرق الأوسط بمن هو أسوأ من مرشحه ليكون سفير واشنطن في تل أبيب، مايكل هوكابي (69 سنة)، المبشر المعمداني المتزمت، خريج “نادي 700” الذي أسسه المبشر جايمس روبنسون، وحاكم ولاية أركنساه من 1996 وحتى 2006، ووالد حاكمة الولاية الحالية ساره هوكابي، والتي كانت المتحدثة باسم البيت الأبيض في عهد ترامب، والمساهم الدائم في قناة “فوكس نيوز”. ينتمي هوكابي إلى الفئة الأكثر تزمتًا في دوائر المبشرين، ويؤمن بتفوق العرق الأبيض الأوروبي على الأعراق الأخرى، أما في الموضوع الفلسطيني فهو أكثر صهيونية من أعتى الصهاينة، فليس في قاموسه ضفة غربية لنهر الأردن بل هي “يهودا والسامرة” وليس لديه شعب فلسطيني ولا فلسطينيين، ولفظ المستوطنات مستفز عنده، فهذه مجتمعات أهلية وليس هناك احتلال.

الشريك المفضل في لعبة “الغولف”

لا ينقطع سيل الصهاينة في اختيارات ترامب، مستشاره الأول لشؤون الشرق الأوسط هو اليهودي الأمريكي الصهيوني ستيف ويتكوف (67 سنة)، شريكه المفضل في لعبته المفضلة “الغولف” والذي كان معه أثناء محاولة الاغتيال الثانية ضده في فلوريدا، وويتكوف الذي تعرف على ترامب أيام الإستثمارات العقارية في نيويورك حيث كان محاميًا في المكتب الذي يمثله ليست لديه من معطيات السياسة الخارجية سوى أن إسرائيل على صواب والباقون على خطأ. هذا على ما يبدو كل ما كان يريده ترامب من مواصفات فيمن يمكن الوثوق بهم.

يمثل مسعد بولس الذي اختاره ترامب ليكون كبير مستشاري الشؤون العربية، الحالة الشاذة الوحيدة من حيث الشكل

يمثل العربي الأمريكي اللبناني الأصل مسعد بولس (53 سنة)، الذي اختاره ترامب ليكون كبير مستشاري الشؤون العربية، الحالة الشاذة الوحيدة من حيث الشكل، لكنه في المضمون في صلب مفهوم الرئيس الجديد – القديم للعمل العام. بين بولس وبين ترامب مصاهرة فهو والد زوجة ابنة ترامب الأقل شهرة تيفاني، لكنه لعب دورًا مهمًا في التواصل مع العرب الأمريكيين لصالح حملة ترامب مستفيدًا من الغيظ العارم من سياسة بايدن البلهاء. بشيء من التبسيط يمكن احتساب دور بولس وابنه في خانة الفوز اليميني في دوائر عربية أمريكية كانت تصوت للديمقراطيين بكثافة، خصوصًا في ميشيغان التي استرجعها ترامب من بايدن ومرشحته كامالا هاريس عام 2024. لكن السؤال عن دور بولس ونفوذه سيكون موضع امتحان أمام الحضور النافذ لمناصري إسرائيل في واشنطن المزودين بدراسات وأرقام واستطلاعات غب الطلب. أضف إلى ذلك ملابسات الماضي القريب لإبن بلدة كفرعقا في منطقة الكورة اللبنانية والذي ترشح للانتخابات النيابية في دائرته ولم يحالفه الحظ عندما تحالف مع التيار الوطني الحر المغضوب عليه أمريكيا.

المبعوث الرئاسي للمهمات الخاصة

وغير بعيد عن ذلك وعن الشرق الأوسط، يأتي اختيار ترامب للسفير السابق ريتشارد الان غرينيل (58 سنة) مبعوثًا رئاسيًا للمهمات الخاصة، ليثير اهتمام المعنيين في الباكستان وأفغانستان، كون المرشح الذي خدم كسفير لواشنطن في ألمانيا على تماس مع القضايا الإقليمية شمالي غرب الهند، وعلى دراية بالسياسات الداخلية في الباكستان وعلاقاتها المعقدة مع أمريكا. ولم يتأخر غرينيل عن الإعلان عن حضوره المستجد مع الإدارة الجديدة فسارع إلى الطلب من سلطات إسلام آباد الإفراج عن رئيس الوزراء السابق عمران خان، وهذا طلب لا يمكن للحكومة الباكستانية تجاهله أو التغاضي عنه عندما تتأكد من مصدره.

تكمن المعضلة في أن الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر 2023 في حاجة إلى إدارة عاقلة في واشنطن

ملفات كثيرة تنتظر الإدارة الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط، من غزة إلى الضفة الغربية، ومن لبنان إلى سوريا التي فاجأت العالم بانهيار نظام آل الأسد، وما تبعه من توغل إسرائيلي غير مبرر في الجولان ومحافظة درعا، إلى الوقائع المستجدة في ديناميات السلطة في العراق وصولًا إلى مآلات النفوذ الإيراني في دول عربية تمت استباحتها بعناوين شتى. تكمن المعضلة الآن، في أن الشرق الأوسط بعد العاصفة الدامية التي شهدها منذ السابع من أكتوبر 2023، في حاجة إلى إدارة عاقلة في واشنطن، بينما المؤشرات والتجارب توحي بأن إدارة ترامب لن تكون أكثر من زيت حارق يضاف إلى نار مستعرة.
بين تعبير “فريق الأحلام الإسرائيلي” الذي أطلقه صهاينة أمريكا على خيارات ترامب لسياته الخارجية وبين شعار “إسرائيل أولًا” الذي تجسده تلك الخيارات، لن يكون للعرب من سياق ممكن سوى في تخيير واشنطن ما بين حليف يمكنه أن يدعمها وبين حليف عليها أن تدعمه…وذلك موضع بحث آخر …لكنه مهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية