دمشق ـ «القدس العربي»: يسود هدوء حذر على خط الساحل السوري في طرطوس واللاذقية وجبلة والمناطق المحيطة، وبعض قرى وبلدات أرياف حماة وحمص، وسط انتشارٍ مكثف للقوات الأمنية بهدف جمع السلاح المنفلت وإعادة مئات آلاف قطع السلاح المنتشرة بين المدنيين، بموازاة حملة دهم واعتقال واسعة في عموم البلاد، وذلك بعد يوم من التوتر والمواجهات العنيفة التي اندلعت نتيجة حملة أمنية نفذتها إدارة العمليات العسكرية في طرطوس، وانتشار مقاطع تبيّن أنها قديمة تظهر اعتداء مسلحين مجهولين على مقام الشيخ العلوي أبو عبد الله الحسين الخصيبي في منطقة ميسلون في مدينة حلب، ما أثار موجة غضب بين الطائفة العلوية وأدت إلى احتجاجات واسعة في عدة محافظات سورية.
وهو يُعتبر من كبار علماء المذهب العلوي وأحد المؤسسين الرئيسيين له، كما أنه راوٍ ومُصنّف بارز ومعروف في التراث الإسلامي.
وشهدت قرية خربة المعزة في ريف طرطوس، مساء الأربعاء، مواجهات عنيفة بين إدارة العمليات العسكرية ومسلحين تابعين للقيادي في جيش النظام سهيل الحسن والقاضي السابق محمد حسن كنجو، المطلوب بتهم تتعلق بإصدار أحكام إعدام تعسفية خلال فترة عمله في النظام السابق، أسفرت الاشتباكات عن مقتل 14 عنصراً من قوى الأمن العام وإصابة 10 آخرين، بالإضافة إلى مقتل 3 من بقايا قوات الأسد.
المكتب الإعلامي لوزير الداخلية في حكومة تصريف الأعمال محمد عبد الرحمن شرح في تصريح خاص لـ «القدس العربي» أسباب التوتر حيث قال إن «فلولاً من المجرمين امتنعوا عن تسليم السلاح والعيش إلى جوار أهلهم بحياة كريمة، حيث يتم الآن ملاحقتهم من خلال قواتنا بوزارة الداخلية بالإضافة لقوات إدارة العمليات العسكرية من خلال تمشيط المنطقة وإلقاء القبض عليهم».
وأضاف: ما حدث من نشر إشاعات مفتعلة عن حرقٍ لمزار إحدى الطوائف وما تبعه من تجييش إعلامي كان له دور في تحرك أبناء تلك الطائفة بذات الوقت وفي مناطق عدة.
وتابع: لكن ما حدث من مظاهرات، لا يمكن ربطه بحادثة استهداف إحدى دورياتنا في ريف طرطوس، إلا أن الفلول تحاول استغلال التظاهرات لجرّ المنطقة لحرب أهلية ستؤدي لحالة من الفوضى والدماء.
وحول تعامل قوات الأمن مع هذه التطورات قال: نعمل جاهدين مع مختلف شرائح المجتمع السوري لتجاوز أي حدث قد يؤدي إلى فوضى في المنطقة.
تعزيزات أمنية
ودعا المسؤول في المكتب الإعلامي لوزارة الداخلية السوريين إلى «النقاش العقلاني السليم الذي يصب في مصلحة أهلنا في عموم المناطق». وأضاف: بذات الوقت نلاحق من يمتنع عن الانصياع لنا ولوجهاء تلك المناطق لتجنيب أهلنا حرب لا ناقة لهم بها ولا جمل. كما حذر من المساس بالسلم الأهالي حيث قال: لن نسمح لهم بنشر الفوضى والتفرقة بين أطياف المجتمع السوري.
وحسب مصدر عسكري لـ «القدس العربي» فإن «القيادة العامة دفعت بتعزيزات أمنية ضخمة، إلى بلدات الساحل السوري، بموازاة حملة واسعة النطاق لاعتقال وتفكيك المجموعات المسلحة والحفاظ على الأمن المجتمعي، ومنع انتشار السلاح العشوائي».
وبدأت الأحداث حسب مصادر محلية، بعدما توجهت دورية من إدارة العمليات إلى قرية خربة المعزة لاعتقال القاضي كنجو، الذي كان يقيم هناك تحت حماية مجموعة مسلحة، اعترضت بدوها الدورية الأمنية، حيث اندلعت مواجهات عنيفة، أسفرت عن مقتل 14 عنصراً من قوات الأمن العام وجرح آخرين. كما دفعت إدارة العمليات تعزيزات أمنية ضخمة إلى القرية. وفرضت حظر تجوال في خربة المعزة ومحيطها، إلى جانب المناطق الأخرى التي شهدت توترات.
وفي ريف حماة الغربي، هاجمت مجموعات مسلحة مجهولة مواقع تابعة لإدارة العمليات العسكرية، حيث استُهدف حاجز معسكر الطلائع على طريق مصياف ـ حماة بقذائف «آر بي جي» والرشاشات الثقيلة، بالإضافة إلى إطلاق نار كثيف على حاجز حيلين قرب مصياف. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل عنصر وإصابة آخر.
هدوء حذر في طرطوس واللاذقية وجبلة وبعض قرى حماة وحمص
«المرصد السوري لحقوق الإنسان» قال: إن دوريةً من قوى الأمن العام التابعة لإدارة العمليات العسكرية كانت في مهمّة اعتقال كنجو الذي شغل منصب مدير إدارة القضاء العسكري ورئيس المحكمة الميدانية وأحد المسؤولين عن جرائم سجن صيدنايا، من مكان إقامته في خربة المعزة في ريف طرطوس، وخلال البحث عنه اعترضهم شقيق المطلوب وشبان مسلحين من أتباع الضابط وطردوا الدورية من القرية، ونصبوا كميناً لهم قرب القرية، واستهدفوا إحدى سيارات الدورية. ودارت اشتباكات عنيفة بين مسلحين من أهالي قرية خربة المعزة في طرطوس، وقوى الأمن العام التابعة لإدارة العمليات العسكرية، بعد رفض عدد من الأهالي تفتيش منازل في القرية، واستهدف المسلحون سيارة تابعة لقوى الأمن العام مما أدى لإحراقها، وسقوط قتلى من الطرفين».، لافتاً إلى أن المطلوب واحد من المجرمين الذين أطلقوا حكم الإعدام والأحكام التعسفية بحق آلاف السجناء.
بموازاة ذلك، شهدت مناطق عدة احتجاجات بعد انتشار مقطع مرئي، يظهر الاعتداء على مقام الشيخ الخصيبي في محافظة حلب.
وأصدرت وزارة الداخلية السورية بياناً حول مقاطع الفيديو التي تم تداولها، والتي أظهرت حادثة اقتحام واعتداء على مقام الخصيبي. وأفادت بأن «هذه المقاطع قديمة وتعود لفترة تحرير مدينة حلب، حينما أقدمت مجموعات مجهولة على هذا العمل التخريبي والهدف من إعادة نشر هذه المقاطع الآن هو إثارة الفتنة بين أبناء الشعب السوري في هذه المرحلة الحساسة».
وأكدت أن «الأجهزة الأمنية تعمل ليل نهار لحماية الممتلكات العامة والخاصة، بما فيها المواقع الدينية التي تمثل إرثًا مشتركًا لجميع السوريين». مشدداً على عدم التهاون «مع أي محاولة لزعزعة الاستقرار، وستواصل ملاحقة كل من يروج للشائعات أو يعبث بالسلم الأهلي، مع تقديمهم إلى العدالة لينالوا جزاءهم العادل».
وأوضحت أن مسلحين من قوات النظام السابق المنتشرة في الساحل السوري استغلت الشائعات الأخيرة، وقامت باستهداف قوات وزارة الداخلية، ما أسفر عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى في صفوف القوات الأمنية». مؤكدةً أن «هذه الاعتداءات لن تثنيها عن مواصلة عملها لضمان الأمن والاستقرار في جميع أنحاء البلاد». ووجهت الداخلية تحذيراً شديد اللهجة من نشر الشائعات «التي تسعى لزعزعة الاستقرار والعبث بالسلم الأهلي». ودعت السوريين إلى «التزام الهدوء والتعاون مع السلطات للحفاظ على السلم الأهلي، خاصةً في ظل الظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد».
وعلى ضوء ما تقدم، دفعت إدارة العمليات العسكرية بتعزيزات أمنية إلى عدة مناطق في ريف طرطوس، واللاذقية، وحماة، وحمص، بهدف ضبط الأمن، شملت حسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، «آليات ثقيلة ومئات العناصر المدرّبة، مع اتخاذ إجراءات مشددة لاحتواء الوضع وإعادة الاستقرار».
حملات دهم
نفّذت القوات الأمنية منذ ساعات الفجر الأولى من يوم الخميس، حملةَ مداهمة واسعة في ريفي طرطوس واللاذقية واعتقلت حسب المرصد «العديد من المتورطين في تأجيج الصراع والعبث بأمن البلاد وإشعال فتيل الفتنة».
وتهدف الحملة أيضاً «لجمع السلاح المنفلت وإعادة مئات آلاف قطع السلاح المنتشرة بين المدنيين في هذه المناطق».
بينما ساد الخميس هدوء في جميع المناطق، بما فيها قرية خربة المعزة بريف طرطوس ومناطق ريف حماة، وسط استمرار انتشار القوات الأمنية وملاحقة العناصر المتورطة، ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة من تجدد الاشتباكات في ظل محاولات بعض الجهات استغلال الوضع لزعزعة الاستقرار وخلق حالة من الفوضى الطائفية».
وعلى خلفية الاحتجاجات التي شهدتها مدن الساحل وغيرها من المدن السورية، قال محافظ اللاذقية محمد عثمان: إن الحكومة السورية ملتزمة بالمحافظة على السلم الأهلي والتماسك المجتمعية، كما تقوم «قواتنا الأمنية والشرطية بمهامها لضبط الأمن، وندعو الشعب السوري إلى عدم الانجرار خلف ردود الأفعال».
حماية المقدسات الدينية
والتقى محافظ طرطوس أحمد الشامي عدداً من وجهاء ومثقفي وأعيان طرطوس على خلفية الأحداث الأخيرة في بعض مناطق المحافظة، ودعا إلى تحكيم العقل والوعي ولغة الحوار، وتجنب مثيري الفتن والنعرات الطائفية، والعمل سوياً لفتح مسار جديد لبناء سورية الجديدة التي تستوعب جميع أبنائها.
الوكالة السورية الرسمية «سانا» أفادت من جانبها، أن محافظ اللاذقية محمد عثمان اجتمع الخميس، مع وجهاء ومشايخ الطائفة العلوية للتشجيع على التماسك المجتمعي والسلم الأهلي في الساحل السوري.
ونشرت «سانا» مشاهد من انتشار عناصر إدارة العمليات العسكرية في قرية خربة المعزة بريف طرطوس بهدف «ملاحقة فلول ميليشيات الأسد وحماية المدنيين وإعادة الأمن والاستقرار».
كما نشرت صوراً من مطرانية السريان الكاثوليك في حلب، تظهر انتشار عناصر من وزارة الداخلية لتأمين الحماية «لكنائس مدينة حلب في أجواء من المحبة والتسامح» وذلك ضمن مبادرة «رجعنا يا حلب» التي شملت أيضاً إزالة مشاهد الركام وتنظيف شوارع وأحياء المدينة بالتعاون بين محافظة حلب والخوذ البيضاء وبمشاركة كبيرة من الأهالي وعدد من الفرق التطوعية.
المجتمع الأهلي
تزامناً، دعا ممثلون من المجتمع الأهلي العلوي في محافظة حمص وسط سوريا، الخميس، إلى نبذ الشعارات الطائفية والخطابات الاستفزازية والكفّ عن التحريض الإعلامي وتسليم السلاح للجهات المختصة في مدة أقصاها 5 أيام.
وجاء في الفيديو المصور: «بيان إلى أهلنا في محافظة حمص، نؤكد على نبذ الشعارات الطائفية والخطابات الاستفزازية والكف عن التحريض الإعلامي بكل وسائله».
وأضاف البيان: «ونهيب بأبنائنا الإسراع في تسليم السلاح وحصره بيد السلطات المختصة، وتسهيل آلية التسليم والتسويات خلال مدة أقصاها خمسة أيام».