السعودية: عواصف الإقليم لا تهزّ شباك «رؤية 2030» وتأثيرها على الجوار

 رلى موفّق
حجم الخط
0

تمضي الرياض قدماً في بناء هياكلها الإدارية والمؤسساتية والدينية. تتطور قوانينها من أجل مزيد من جذب الاستثمارات الخارجية.

حمل الشهر الأخير من العام 2024 حدثين بارزين للمملكة العربية السعودية. يتمثل الحدث الأول بانطلاق «مترو الرياض» أحد أبرز مشاريع النقل الكبرى في المملكة، ويُعتبر نقلة نوعية في شبكات النقل العام في العاصمة عبر ما توفره خطوطه الستة الرئيسية، بطول 176 كيلومتراً ومحطاته الـ85، من طاقة استيعابية تصل إلى 3.6 ملايين راكب يومياً، ما سيعزز من جاذبية المدينة كمركز اقتصادي وحضري إقليمي.
أما الحدث الثاني، فهو فوز السعودية باستضافة كأس العالم 2034 لكرة القدم، حيث ستكون أول دولة تستضيف جميع مباريات كأس العالم على أراضيها بعد قرار «الفيفا» زيادة عدد المنتخبات المشاركة في البطولة من 32 إلى 48 منتخبًا. سبق أن استضافت قطر كأس العام 2022 بفرقه الـ32 كأول دولة عربية، بينما ستتوزع استضافة كأس العالم 2026 و2030 بين عدة دول، من بينها المغرب كثاني دولة عربية، ليصل الحدث الرياضي العالمي إلى المملكة، حيث سيتم تخصيص 15 ملعباً من بينها 11 ملعباً جديداً تُغطي مناطق عدة تتوزع بين الرياض، وجدة، والخبر، وأبها، ونيوم، بطاقة استيعابية تلامس 800 ألف شخص، فضلاً عن بناء آلاف الوحدات الفندقية والتجهيزات اللوجستية الضخمة.
لا يأتي «مترو الرياض» المصنَّف كأحد أضخم مشاريع النقل في العالم، واستضافة كأس العالم 2034، من خارج أهداف «رؤية 2030» الاقتصادية وما سيليها من رؤى مستقبلية. تستثمر السعودية في البنى التحتية والمواصلات والسياحة والرياضة و«اللوجستيات» من ضمن استراتيجية تنويع مصادر الدخل بعيداً عن الثروة النفطية.
ولكن في واقع الأمر، تقود المملكة – من حيث ثقلها السياسي والديني – مشروعاً تنموياً طموحاً تُلقي بظلاله وتأثيراته على المنطقة والعالم الإسلامي برمته. لا تنطلق المفاهيم التنموية للسياحة، والثقافة، والرياضة، والترفيه، من «لغة الأرقام» في تنويع مصادر الدخل فحسب، بل بما تتركه على البلاد من تأثير فكريّ واجتماعيّ وأنماط حياة منفتحة ومتطورة على تقدُّم العصر والتكنولوجيا.  «موسم الرياض»، على سبيل المثال، بات حدثاً ترفيهياً عالمياً بامتياز يستقطب الملايين سنوياً، والوجهة السياحية إلى المملكة إلى تزايد مع كل عام، وبناء المدن الحديثة حلم متخيَّل، وتطوير الصناعات والاستثمارات الذكية في تكنولوجيا الغد، كلها حكايات نجاح في بلد كان حتى الأمس القريب يُتهم بقوة أنه مصدر الفكر المتشدّد.
في مقابلة لولي العهد مع «فوكس نيوز»، تحدَّث عن أهمية مشروع «الممر الاقتصادي الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي» الذي أُعْلِن عنه في 10 أيلول/سبتمبر خلال قمة مجموعة الـ20 في نيودلهي، والذي اعتُبر، من الزاوية الاستراتيجية، مشروعاً منافساً لمشروع «الحزام والطريق». قال له المذيع: إن إسرائيل جزء من الاتفاق، فما الذي سيتطلبه الأمر لتوافقوا على التطبيع معها؟ فأجاب: «هناك خطة من إدارة الرئيس بايدن للوصول إلى (اتفاق). بالنسبة لنا، القضية الفلسطينية مهمة للغاية، ونحن بحاجة إلى حل لهذه المسألة، ولدينا مفاوضات جيدة ومستمرة حتى الآن (…)؛ نأمل أن يصل ذلك إلى شيء، وأن يُسهل حياة الفلسطينيين ويجعل إسرائيل أحد اللاعبين في الشرق الأوسط. كل يوم نصبح أقرب من الاتفاق، ويبدو أنه للمرة الأولى، هناك شيء جاد حقاً».

معاهدة دفاعية أمريكية شاملة مع السعودية

كانت هناك بالطبع، إلى جانب ضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية، أمور أخرى تتعلق بمعاهدة دفاعية أمريكية مُلزمة وشاملة مع السعودية، وبناء مفاعلات نووية سلمية على أرض المملكة. مضى أسبوعان، فإذا بالعالم كله يتغيّر، مع عملية «طوفان الأقصى» في 7 تشرين الأول/أكتوبر التي شنتها حركة «حماس» ضد إسرائيل، وإذ بتحولات ذلك الزلزال الكبير تظهر يوماً بعد يوم، من تدمير غزة وتوجيه ضربة قاصمة لـ«حزب الله» الذراع الأقوى في «محور إيران» إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا (جسر المحور)، والحبل على الجرَّار في العراق واليمن.
كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال مشروعها العقائدي المذهبي التوسعي في المنطقة، تسعى ومنذ تسلّمها الحكم، إلى تطويق المملكة وشنِّ الحروب ضدها بالواسطة وبأذرع ميليشياتها الطائفية. جاء الاتفاق السعودي – الإيراني برعاية صينية في آذار/مارس 2023 ليخفف من وطأة الاحتقان والتوتر بينهما. شكَّل الاتفاق حاجة للطرفين. الرياض تريد ضمان بيئة آمنة لتحقيق «رؤية 2030» الطموحة اقتصادياً وتنموياً واجتماعياً، وطهران تريد فك عزلتها التي أضحت تهدِّد مستقبل نظامها. بقيت مفاعيل الاتفاق سارية رغم تعقيدات المشهد بعد «طوفان الأقصى»، تخفف من الاحتقان، وإن كان درب بناء الثقة طويلاً جداً وشائكاً. فالعين تبقى على مآلات «الاتفاق النووي الإيراني» وما ستحمله الصفقة الكبرى بين أمريكا وإيران.
تقرأ السعودية في كتاب التحديات العالمية: الأزمات الإقليمية؛ التنافس الاستراتيجي مع قوى عالمية مثل روسيا والصين (شريكها التجاري الأول)؛ التحولات في أسواق الطاقة. حفلت سنتها الراهنة باتفاقيات استراتيجية مع فرنسا في مجالات الطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي.
تمضي قدماً في بناء هياكلها الإدارية والمؤسساتية والدينية. تتطور قوانينها من أجل مزيد من جذب الاستثمارات الخارجية. لكنها في خضم كل ذلك تُدرك أن المفتاح يبقى القضية الفلسطينية التي عقدت من أجلها قمتين عربيتين – إسلاميتين وثالثة دولية، وتقود حراكاً دبلوماسياً لحشد تحالف دولي خلف «حل الدولتين»، رغم المخاوف من أن تقوِّض حرب الإبادة الإسرائيلية الجهود الهادفة إلى تحقيق الشعب الفلسطيني حقوقه وإحلال السلام في المنطقة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية