الناصرة- “القدس العربي”:
يدعو نائب وزير الأمن الإسرائيلي الأسبق، إفرايم سنيه، الإسرائيليين لتحكيم العقل لا القوة فحسب، وتسوية الصراع مع الشعب الفلسطيني بـ”الدولتين”، منبها لخطورة اختلاط الملايين من الطرفين بحالة صراع، وشدد على أن دولة فلسطينية لا تهدد إسرائيل.
ويقول سنيه إنه عندما يُسأل قادة أحزاب الوسط واليسار في إسرائيل عن رأيهم في كيفية التوصل إلى تسوية نهائية بين الشعبين المقيمَين في “أرض إسرائيل” واللذين يتساوى عددهما فيها، فإن قادة هذه الأحزاب يترددون في النطق بعبارة “حل الدولتين”؛ إذ يوضح لهم المستشارون الإعلاميون وخبراء الرأي العام أن “الشعب الإسرائيلي”، بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، يخشى فكرة قيام دولة فلسطينية، بغض النظر عن شروط إقامتها.
ويرجع ذلك إلى حد كبير، إلى نجاح نتنياهو في شيطنة السلطة الفلسطينية بصورة خاصة، بهدف تبرير دعمه خلال فترات حكمه لتعزيز قوة حركة “حماس” العدائية، وهي عدوة السلطة.
ويتابع سنيه في مقال تنشره صحيفة “يديعوت أحرونوت”: “أمّا في المحادثات التي تجري وراء الأبواب المغلقة، فيعترف هؤلاء القادة بأنه لا يمكن العيش في هذه الأرض من دون تمكين خمسة ملايين ونصف مليون فلسطيني من العيش في دولة خاصة بهم، على نحو خُمس مساحة “أرض إسرائيل”، شرط أن يكون ذلك خاضعا لشروط أمنية. ومع ما تقدّم، فإننا نُضطر في وقت مبكر أكثر مما نظن إلى أن نحسم القرار المتعلق بكيفية رغبتنا في العيش هنا بأمان. وبناء عليه، فمن المهم توضيح الحقائق كما هي”.
الحقيقة الأهم هنا برأي إفرايم سنيه، هي أن إسرائيل هي الدولة الأقوى بين بحر قزوين والمحيط الأطلسي، وقد ثبت ذلك خلال السنة الماضية، متسائلا: “فما التهديد الذي يمكن أن تشكله دولة فلسطينية على إسرائيل القوية هذه؟”.
عن تساؤله هذا يعلق بالقول: “هناك حالتان فقط يمكن أن يحدث فيهما هذا التهديد؛ الأولى: إذا تم نشر جيش معادٍ لإسرائيل داخل أراضي الدولة الفلسطينية، والثانية: إذا كانت الدولة الفلسطينية نفسها تحت سيطرة تنظيم إرهابي يرفض الاعتراف بوجود إسرائيل”.
سنيه الذي كان من أوائل الدعاة للتخلص من منطقة المثلث (التي منحها الأردن لإسرائيل في اتفاق رودوس عام 1949) ونقلها أرضا وسكانا للسلطة الفلسطينية. ويرى أنه يمكن تلافي الحالة الأولى عبر اشتراط أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وألا يتمركز فيها أي جيش أجنبي، وهذا شرط أساسي لأي اتفاق، وإسرائيل قادرة على فرضه. أمّا تلافي الوضع الثاني، برأيه فهو أكثر تعقيداً: “مررنا بهذا السيناريو من قبل، مع الأسف، لأن الحكومة الإسرائيلية ارتكبت كل الأخطاء الممكنة بهدف تمكين حماس من السيطرة على غزة. والمخاوف من أن ما حدث في غلاف غزة ربما يتكرر في كفار سابا وغيرها من المناطق الحدودية على خط التماس ليست بلا أساس. ومع ذلك، فإن هذا ليس قدراً محتوماً؛ إذ يمكن لإسرائيل أن تتلافى الأمر تماماً من دون أن تفقد طابعها اليهودي، ومن دون الحاجة أيضاً إلى السيطرة بالقوة على خمسة ملايين ونصف المليون فلسطيني”.
يقول سنيه إن إربعين عاماً مرّت منذ أن عيّنه رئيس حكومة الاحتلال الراحل يتسحاق رابين رئيساً للإدارة المدنية في الضفة الغربية، وخلالها انشغل بالسؤال: “كيف نضمن أن المناطق المأهولة بالفلسطينيين تُدار من جانب قيادة ترغب في العيش إلى جانبنا بسلام؟”. عن ذلك يضيف: “لقد أجريتُ حوارات معمقة ومفاوضات مع كل زعيم فلسطيني في تلك المناطق تقريباً، وكل ما أكتبه هنا يستند إلى معرفة عميقة بالفلسطينيين. طبعاً لا أحد من هؤلاء مؤيد للصهيونية، لكن جميعهم، بما في ذلك مَن يسعون لاستبدال أبو مازن، ملتزمون سياسته الرافضة للإرهاب، ويؤمنون بإقامة الدولة الفلسطينية إلى جانب إسرائيل وعيشها بسلام”.
يعتقد سنيه أن هناك عاملين موضوعيين يدعمان هذا الالتزام: العامل الأول، هو العداء العميق مع “حماس” ولم يكن من قبيل الصدفة فشل محاولات المصالحة بين “فتح” و”حماس”. فـ”حماس”، الضاربة جذورها في حركة الإخوان المسلمين، ترفض أي شراكة في الحكم، وأهدافها لا تتمثل في إقامة دولة وطنية فلسطينية، إنما “خلافة إسلامية في الإقليم بأكمله، في ظل الشريعة الإسلامية، وتطمح إلى إقامة دولة دينية”. أمّا الحركة الوطنية الفلسطينية العلمانية، التي تُعد “فتح” رأس الحربة فيها، فتسعى لإقامة دولة قومية علمانية حديثة.
ويزعم المسؤول الإسرائيلي السابق أنه لا يوجد مجال للتوفيق بين هذين التوجهين المتناقضين، ولا التنازل عن السلطة. ومن هنا يستنتج أن المصالحة السياسية بين المنظمتين مستحيلة، باستثناء بعض التفاهمات التكتيكية القصيرة المدى.
ويمضي في مزاعمه في هذا السياق: “تتشارك القيادة الوطنية الفلسطينية العلمانية وإسرائيل عدواً مشتركاً، وهو حركة حماس. ولهذا السبب، فقد نجح التنسيق الأمني واستمر رغم العداء الإسرائيلي- الفلسطيني”.
ويدّعي أن “حماس” تهدف إلى السيطرة على الضفة الغربية، والانتقام من عناصر السلطة الفلسطينية، وشن حملة “إرهابية” ضد إسرائيل على غرار ما حدث في 7 تشرين الأول/ أكتوبر. ويقول إنه من المؤسف أن الأموال التي حُولت إلى “حماس” بمباركة الحكومة الإسرائيلية برئاسة نتنياهو استُخدمت أيضاً في بناء بنية تحتية لـ”الإرهاب” في الضفة الغربية.
أمّا العامل الثاني الذي يستوجب التعايش والتنسيق بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، فهو العامل الاقتصادي. إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد في الضفة الغربية نحو 3000 دولار سنويا، بينما يبلغ في إسرائيل نحو 52,000 دولار، أي نحو 17 ضعفاً.
ولا توجد أي فرصة لإقامة مجتمع فلسطيني حديث ومزدهر من دون تعاون اقتصادي وثيق مع إسرائيل، ولن تستطيع أي دولة عربية تقديم الفرص الاقتصادية التي تستطيع إسرائيل الجارة تقديمها إلى الدولة الفلسطينية، وجميع القادة الفلسطينيين يدركون ذلك.
ويخلص سنيه للقول: “إذا ما أرادوا إقامة دولة مزدهرة، فَهُم في حاجة إلى العيش بسلام مع إسرائيل. ونظراً إلى الارتباط الأمني والاقتصادي، فيمكننا أن نفهم السبب إذا كنا حكماء وليس فقط أقوياء، فإنه ينبغي علينا ألاّ نخشى وجود دولة فلسطينية إلى جانبنا”.
يشار إلى أن سنيه يتقاطع بدعوته مع بعض الأوساط الإسرائيلية التي ترى بتسوية الدولتين مصلحة إسرائيلية حقيقية كونها توقف النزيف وتحول دون توقف إسرائيل عن كونها دولة يهودية وديموقراطية بعدما تفقد الأغلبية اليهودية، ويصبح اليهود أقلية تحكم أغلبية فلسطينية بين البحر والنهر.
في المقابل، ومن قبل “طوفان الأقصى” والحرب المتوحشة المستمرة على غزة، لا تطرح المعارضة في إسرائيل حلا للصراع، وتتحاشى الحديث عن تسوية دولتين، وبعضهم يتجاهل ويتحدث بالعموميات، وبعضهم الآخر يشير لحكم ذاتي لن يقبله الفلسطينيون يوما.