دمشق ـ «القدس العربي»: بعد عاصفة انتقادات أثارتها تعديلات على المناهج الدراسية بدءا من الصف الأول وحتى الثالث الثانوي في سوريا، أوضح وزير التربية والتعليم في حكومة تصريف الأعمال، نذير القادري، أن «المناهج في جميع مدارس سوريا ما زالت على وضعها حتى تُشَكِّل لجان اختصاصية لمراجعة المناهج وتدقيقها».
وكانت الوزارة نشرت وثائق توضح التعديلات التي شملت حذف نصوص وفقرات، وإعادة صياغة عبارات، وإزالة أو تعديل صور ورسوم في عدد من الكتب المدرسية، وحذف كل ما هو متعلق بنظام الأسد، وفقرات متعلقة بالآلهة في كتب التاريخ والفلسفة.
مضمون التعديلات
ورصدت «القدس العربي» معظم التعديلات الهامة، وهي: حذف نشيد حماة الديار، وكلمة طلائع، وصور حافظ وبشار الأسد، وصورة العلم وكل ما يتعلق بجيش نظام الأسد، فضلا عن صورة نصب الجندي المجهول، وفقرة العملة الوطنية.
كما تم حذف اسم مكتبة الأسد، واسم بشار الأسد في المقطع الخاص بتكريم الكاتب محمد الماغوط. وحذفت أيضا عبارة ثورة الثامن من آذار، ودروس مسار التصحيح، ودروس حرب تشرين، وتم استبدالها ببعض الفقرات بحرب 1973، كما ألغيت عبارة «علم الوطن نفديه بالمقل».
وحذف فقرات متعلقة بالإله الكنعاني ملقارت، وصورة الآلهة فورربونا، وكلمة آلهة، وتمت إزالة صورة الحمامة التي ترمز للآلهة. وتم تغيير عبارة الصراط المستقيم طريق الخير، إلى طريق الإسلام، وتغيير «المغضوب عليهم الضالين» بـ«اليهود والنصارى» تعديل نشاط صيغة التحية بـ السلام عليكم، حذف درس زنوبيا ـ حذف خولة بنت الأزور شخصية خيالية، استبدال من العبادات مالا يصح إلا بالنظافة لتكون ( الطهارة) استبدال الشجاع يدافع عن تراب الوطن لتكون في سبيل الله، استبدال مبدأ الأخوة الإنسانية لتكون (الأخوة الإيمانية) الالتزام بالشرع والقانون حذف القانون، استبدال الأصحاب الديانات السماوية لتكون اتباع الشرائع السماوية، «علي كرم الله وجهه» تستبدل لتكون علي رضي الله عنه، استبدال ومن يفعل واحدة من هذه الكبائر مستحلاً لها فجزاؤه في الآخرة لتكون، مستحلا لها فقد كفر وجزاؤه في الآخرة النار.
وحذف فقرة تطور الدماغ بالكامل، الفكر الفلسفي الصيني في مادة الفلسفة، كما حذفت وزارة التربية جملة من الأحاديث النبوية، بسبب إسنادها الضعيف، والفقرات التي تتحدث عن حقبة حكم الدولة العثمانية «الغاشمة».
موجة غضب
وأثارت هذه تعديلات التي أعلنت عنها وزارة التربية موجة غضب واسعة إذ رأى سوريون أن القرار من حيث المبدأ ليس من صلاحيات هذه الحكومة، مؤكدين أن تعديل المناهج يعد قرارا استراتيجيا يعبر عن رؤية الدولة واستراتيجيات الدولة وأهدافها ومستقبلها، كما أنه من حيث الجوهر ينافي الخطاب اللاطائفي الذي تحدثت عنه الإدارة العامة والهيئة السياسية التابعة لها في كثير من المناسبات، كما أنه لا يراعي الفسيفساء العرقية والدينية والإثنية والطائفية في المجتمع السوري، كاستبدال تفسير عبارة «المغضوب عليهم والضالين» بـ«اليهود والنصارى» بدلا ممن أضلوا طريق الحق، واستبدال مبدأ الأخوة الإنسانية بالأخوة الإيمانية.
كما أثار حفيظة السوريين، حذف القانون من عبارة «الالتزام بالشرع والقانون» وحذف عبارة كرّم الله وجهه التي تذكر بعد اسم علي بن أبي طالب، لتصبح رضي الله عنه، وحذف شخصيتي زنوبيا وخولة بنت الأزور على اعتبار أنهما شخصيتان خياليتان، وبعض الدروس من مادة العلوم، حيث حذفت من دروس الثالث الثانوي العلمي، الوحدة الكاملة المتعلقة بأصل وتطور الحياة، وتطور الدماغ.
قرار مستعجل
الأستاذ الجامعي والمسؤول ضمن لجنة مراجعة الكتب والمناهج السورية الدكتور أحمد جاسم الحسين لخص لـ«القدس العربي» جملة من الأخطاء التي وقعت فيها وزارة التربية فقال إن «أول خطأ هو الاستعجال في مثل هذا القرار، فهي وزارة ضمن حكومة تسيير أعمال، بمعنى من المعاني فإنه ليس من صلاحياتها، فحكومة تسيير الأعمال يقتصر عملها على تسيير الأعمال اليومية للمواطنين كي لا تتعطل دورة الحياة، وليس من صلاحياتها أن تأخذ قرارات استراتيجية، وتعديل المناهج، يعد قرار استراتيجي يعبر عن رؤية الدولة واستراتيجياتها».
أما الخطأ الثاني،، فهو «عدم مراعاة وزارة التربية والحكومة معها، الفسيفساء العرقية والطائفية والاجتماعية في سوريا، لأنك حين تتحدث عن المناهج في سوريا كاملة، يختلف الأمر عن الحديث عن المناهج في منطقة ما، وبالتالي فإن أي قرار عليه أن يأخذ بعين الاعتبار، كل هذه الحساسيات».
بعد انتقادات على تعديلها… و«قسد» تحذر من تحويل البلاد ساحة صراعات وتطرف
وتابع: «ليس من مهمة حكومة تصريف الأعمال أن تفتح قنوات حرب جديدة أو اختلاف أو مشاكسة مع المجتمع، بل أن تمشي الأمور دون أن تخلق حالة من النفور، لهذا فإن التعديل في المناهج شيء معاكس كليا لدور هذه الحكومة».
وبين أن «التعديلات هذه تحتاج إلى خبراء، حتى في التعديلات العلمية أو في ما سوى ذلك يجب الاستعانة بخبراء ومستشارين وتربويين لديهم طرائقهم في التغير، والسابقون لم يضعوا ذلك عبثا، أيضا علينا أن نحاورهم ونستمع إلى آرائهم. فهناك بعض التعديلات تمس سردية الدولة، وسردية الهوية السورية، وهذه أيضا لن تمر بسهولة».
وعن أكثر التعديلات حرجا وخطأ، قال: «هي التي تخص رموز سوريين من التاريخ السوري، لأنه بغض النظر عن كونها حقيقة أو جزء من سردية الدولة، فهي صارت في ذهن كثير من السوريين بصفتها جزءا من التاريخ السوري، وحتى لو كان الموقف منها صحيحا، فإنه يجب التحضير لها عبر حملات إعلامية أو عبر آليات لتصحيح المعلومة».
الجانب الآخر هو الجانب المعرفي، يجب التدقيق فيه حتى لا تتورط الوزارة بتصحيحات سريعة غير مدروسة وغير معتنى فيها، ولا توجد معرفة بخلفياتها.
وبما يخص الجوانب الدينية، قال الحسين: لدينا في سوريا ما يدعى الدين الشامي أو الدين السوري بمفهوم التسامح والتصالح أو بمفهوم تكونت المناهج الفقهية أو القراءات الفقهية في ضوء وجود شركاء في الوطن من أديان، أو أطياف أو اتجاهات أو طوائف أخرى، وهذا ما أخذ بعين الاعتبار تاريخيا.
تغير أوتوماتيكي
أما ما يخص النظام السابق، اعتبر أنه سوف يحذف بشكل طبيعي، «فحتى لو لم تطلب الوزارة من المدرسين فسيتم حذفه تلقائيا، فلا أحد مقتنع بسردية النظام وإنجازاته وشخصية المستبدين السابقين، وبالتالي هذه تتغير بشكل أوتوماتيكي. وانتهى الخبير في المناهج السورية باعتبار هذه التعديلات في مجملها «خطوة ليست في الاتجاه الصحيح» كما وصف القرار بأنه «عجلة ورغبة في تسجيل منجز في شيء لا تنجز فيه الأمور بشكل سريع» وبالتالي هو قرار «غير موفق وليس في وقته، ولعله نوع من الدرس للوزارة وللحكومة المؤقتة بأن القرارات الاستراتيجية يجب عدم الاستعجال فيها».
موقف «قسد»
هيئة التربية والتعليم، التابعة لقوات «قسد» أصدرت من جهتها، بيانا باسم المؤسسات التربوية والأكاديمية في إقليم شمال وشرق سوريا، اعتبرت أن السوريين «في مواجهة أزمة تهدد مستقبل وطننا ومستقبل أجيالنا المقبلة، إذ من المعلوم أن أي تغيير أو تعديل في المناهج الدراسية يتم ضمن أطر وقوانين ناظمة من قبل لجان مختصة تراعي التنوع الثقافي والديني والإثني في المجتمع، وتضمن المستوى العلمي المطلوب بما يتماشى مع التطور والتقدم العلمي للطلبة في المدارس».
تعزز الطائفية
واعتبرت الإدارة الذاتية في بيانها هذه التعديلات «خطيرة لا تعزز فقط الطائفية والكراهية بين أبناء الشعب الواحد، بل تهدد أيضاً بتحويل سوريا المتنوعة إلى ساحة للصراعات والتطرف، في وقت يسعى فيه العالم نحو تعزيز قيم التسامح والعيش المشترك».
وأضاف البيان: إن «هذه التعديلات لا تهدف فقط إلى تغيير المناهج التعليمية، بل تسعى لتغيير هوية سوريا وإضعاف وحدة شعبها، نحن نواجه خطر تنشئة جيل متطرف، يشكل تهديدًا ليس فقط على سوريا، بل على المنطقة والعالم بأسره. وإن قيم التسامح والتعايش السلمي، التي تشكل أساس حضارتنا ومستقبلنا، في خطر حقيقي».
ودعت جميع المواطنين، بغض النظر عن ديانتهم أو طائفتهم، إلى الوقوف صفًا واحدًا ضد هذه التعديلات «التي تهدد نسيجنا الاجتماعي ووحدتنا الوطنية. فمستقبل سوريا يتوقف على قدرتنا على العمل معًا لبناء مجتمع يقوم على العدالة والمساواة واحترام حقوق الجميع».
وطالب البيان: وقف هذه التعديلات فورًا وإعادة النظر في المناهج التعليمية بما يتناسب مع قيم التسامح والتعايش السلمي واحترام التنوع الثقافي، اللغوي، والديني. ورفض جميع أشكال العنف والترهيب والتحريف في النظام التربوي والتعليمي. واعتبار التعددية والتنوع الثقافي واللغوي من المبادئ الأساسية في النظام التربوي والتعليمي.
رد وزارة التربية
وبعد حالة الجدل والغضب الشعبي، قال وزير التربية والتعليم نذير القادري، في بيان رسمي، إن المناهج الدراسية في جميع مدارس سوريا ما زالت على وضعها حتى تُشَكِّل لجان اختصاصية لمراجعة المناهج وتدقيقها.
وأضاف: وجهنا فقط بحذف ما يتعلق بما يمجد نظام الأسد البائد واعتمدنا صور علم الثورة السورية بدل علم النظام البائد في جميع الكتب المدرسية، وما تم الإعلان عنه هو تعديل لبعض المعلومات المغلوطة التي اعتمدها نظام الأسد البائد في منهاج مادة التربية الإسلامية، مثل شرح بعض الآيات القرآنية بطريقة مغلوطة، فاعتمدنا شرحها الصحيح كما ورد في كتب التفسير للمراحل الدراسية كافة.
الشارع السوري
ورصدت «القدس العربي» ردود أفعال الشارع السوري، فانتقد المعارض سعد حمامي، سياسة ونهج حكومة تصريف الأعمال وكتب يقول: حكومة تصريف أعمال أم حكومة أركان؟ وأضاف: تواصل حكومة أحمد الشرع اليوم، وبعد تحرير سوريا، نهجها الذي يتعارض مع مبدأ تصريف الأعمال الذي أعلنته في تصريحاتها الرسمية. فرغم التأكيد على أن ولايتها مؤقتة ولمدة ثلاثة أشهر، نجدها تمارس سياسات تثبيت أركان الحكم بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأعمال الروتينية وفق التفويض الممنوح لها.
وتابع: بدأت الحكومة بإعادة هيكلة الوزارات وتغيير الوزراء، مروراً بعروض عسكرية ذات طابع استعراضي، وصولاً إلى عقد مؤتمر وطني محدود يستمر ليومين فقط، متجاهلة بذلك الكتل السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والأحزاب. والأكثر إثارة للجدل، كان إقدامها على تعديل المناهج الدراسية، مما يثير تساؤلات حول مدى التزامها بمهام حكومة مؤقتة يفترض أن تركز على الاستقرار لا التغيير الجذري.
واعتبر أن هذا السلوك يكشف عن خلل جوهري في فهم دور حكومة تصريف الأعمال، التي ينبغي أن تتسم بالحيادية والتركيز على إدارة الأمور الأساسية حتى تشكيل حكومة شرعية مكتملة الصلاحيات. ولكن ما نشهده اليوم هو تجاوز لهذه الحدود، ما يضع أداء الحكومة في دائرة الشك والتأويل بين فرضيات تثبيت الحكم ومحاولات إحداث تغييرات دائمة في بنية الدولة ومؤسساتها.
وتابع: وفي ظل غياب العمل على تشكيل لجنة دستورية تتولى صياغة دستور شامل يُؤسس لمرحلة أكثر استقراراً، تبقى التساؤلات قائمة: هل نحن أمام حكومة تصريف أعمال أم مشروع حكم دائم يتجاوز صلاحياته؟ وهل يمكن لهذا النهج أن يُفضي إلى شرعية حقيقية أم أنه يكرس الانقسام؟
وقال: هذه التجاوزات تدعونا للتأمل في مستقبل سوريا السياسي، وتفرض علينا إعادة تقييم الوظيفة الحقيقية لحكومة الشرع التي يبدو أنها تتجاوز حدود التفويض المؤقت لتغوص في مشاريع بعيدة المدى، قد تعيد رسم المشهد السياسي والاجتماعي برمته.
بينما اعتبر علي البخيتي أن ما يجري في سوريا «لا يبشر بالخير ولا يتماشى مع التصريحات التي تصدر عن السلطة الجديدة في دمشق، ولا تحترم التعدد الديني ولا الطائفي ولا تحترم حتى العِلم». وأضاف: بهذه المناهج سنكون خلال بضع سنوات أمام جيل يتبنى فكر داعش بامتياز.