مفاوضات التهدئة الجديدة تنطلق وسط التصعيد وعقبات نتنياهو

أشرف الهور
حجم الخط
0

غزة ـ «القدس العربي»: لا تزال حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف، تمضي في نهجها القائم على وضع العراقيل أمام جهود الوساطة لإنجاز التهدئة، وإلى جانب ذلك صعدت بشكل خطير من هجماتها ضد قطاع غزة خلال الأسبوع الماضي، وأعلنت عن نوايا توسيع العملية البرية لتطال مناطق جديدة في القطاع، وهو ما ينذر بأفشال جولة المفاوضات الجديدة، بعد تعثر السابقة.

وبعد أن ظن الجميع بقرب إمكانية التوصل إلى اتفاق تهدئة متعدد المراحل، بعد استئناف مفاوضات التهدئة من جديد برعاية الوسطاء المصريين والقطريين، وباطلاع من الوسيط الأمريكي، والحديث عن وجود تقدم، بإحراز تقدمات إيجابية في كثير من القضايا، عادت إسرائيل وبددت آمال سكان قطاع غزة الذين يعانون من ويلات الحرب والنزوح التي تقترب من إنهاء شهرها الـ 14. عادت إسرائيل إلى أسلوبها السابق، ووضعت العراقيل التي حالت دون إنجار الصفقة حتى اللحظة، وتقلل من فرص إنجازها لاحقا في حال أصرت إسرائيل على شروطها الأخيرة.
وجاء التلويح بالتصعيد بشكل أكبر والعودة لارتكاب المجازر الدامية والقصف الكثيف على كافة مناطق قطاع غزة، قبيل انطلاق جولة المفاوضات الأخيرة في الدوحة يوم الجمعة، حيث شهد يوم الخميس هجمات هي الأعنف منذ عدة أسابيع، وتلتها هجمات مماثلة الجمعة أيضا، ما ينذر باستمرار الاحتلال في سياسة التفاوض على وقع تكثيف النيران.
وكانت المفاوضات السابقة غير المباشرة بين حركة حماس ودولة الاحتلال، التي قطعت أشواطا في كل من العاصمتين المصرية القاهرة والقطرية الدوحة، فشلت في تحقيق الغاية المرجوة منها بعد أن قامت إسرائيل كعادتها بتعقيد الأمور، ما يدفع باحتمالية صعوبة المفاوضات الحالية وإنجاز مهمتها كاملة قبل تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب في الـ 20 من الشهر الجاري، رغم استباق التفاوض بحديث من الطرفين عن إمكانية إحراز تقدم في هذه الجولة.
وقد أشارت لذلك العديد من التقارير العبرية، فموقع «واللا» الإخباري، نقل عن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين كبار، قولهم إن التوصل إلى اتفاق تهدئة وتبادل أسرى قبل تنصيب الرئيس ترامب سيكون صعبا، وأن الفرصة باتت ضئيلة للتوصل إلى اتفاق تبادل أسرى في هذه الأيام، الأمر الذي قاد لعدم التوصل إلى انفراجة حقيقية بالمفاوضات، وقد تحدث مسؤولون مطلعون على المفاوضات أن الوضع ليس جامدا وهناك تقدم معين لكن في «خطوات بطيئة».
المصادر الإسرائيلية أشارت إلى وجود تحفظات في إسرائيل من التقارير المنشورة خلال الأيام الأخيرة حول عدد الأسرى الذين ستفرج عنهم حماس، وذلك في إطار مساعي الاحتلال للتملص من مسؤولية تعثر المفاوضات، حيث عقبت المصادر الإسرائيلية على تصريحات المسؤولين المصريين التي جرى تناقلها خلال الأيام الأخيرة، بأن إصرار إسرائيل على شروط معينة، يمكن أن يؤدي لانهيار المحادثات، بالقول «الاتصالات مع الوسطاء المصريين مستمرة بصورة متواصلة».
وبما يدلل على نوايا حكومة إسرائيل بعدم القبول بمقترحات الوسطاء، والعمل على المماطلة لتخفيف الضغط الدولي، ذكرت صحيفة «هآرتس» في تحليل لها، أن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ليس مستعدا للتوصل إلى الاتفاق لأسباب سياسية وشخصية وإستراتيجية، وذكرت أن الجمود في المفاوضات «يُبرز الشكوك المتعلقة باستمرار العملية في قطاع غزة»، وتطرقت الصحيفة إلى ما قامت به الحكومة بإعادة نقل قواتها إلى غزة، وتوسيع رقعة الهجمات منذ بداية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، خاصة في مناطق شمال قطاع غزة.
الصحيفة توقعت أنه بدون التوصل إلى اتفاق تبادل أسرى، ستتسع العملية العسكرية إلى مناطق أخرى في شمال القطاع، من خلال تهجير منهجي للسكان المدنيين من شمال القطاع كله، في سياق تنفيذ «خطة الجنرالات»، وذكرت أن نتنياهو لا يريد نهاية الحرب، كي يبرر خطواته حتى الآن، من أجل منع تشكيل لجنة تحقيق رسمية في الإخفاقات التي سمحت بشن هجوم 7 أكتوبر، ومن أجل مواصلة تشريعات الانقلاب القضائي بغطاء ضباب المعركة، وحسب الصحيفة، فإن فرص التوصل إلى صفقة تبادل في غزة ضئيلة، بعد أن تعثرت المحادثات من جديد، وأنه مع غياب الأفق بوقف إطلاق النار في غزة وجمود المفاوضات، قد تتوسع الهجمات في شمال القطاع.
ولذلك قال رئيس حزب «معسكر الدولة» بيني غانتس، «بالنسبة لنتنياهو، فإن بقاء حكومته أكثر أهمية من عودة الأسرى»، وأضاف وهو ينتقد نتنياهو الذي يفشل صفقات التفاوض «من بين الأهداف الثلاثة للحرب التي تخصّ قطاع غزة، هناك هدفان لم يتحقّقا بعد، وهما انهيار حكم حماس وإعادة الرهائن»، وأضاف «الأمر الأهم بالنسبة لرئيس الوزراء هو البقاء سياسياً بدلاً من السماح بحكومة مدنية أخرى في قطاع غزة، وبالتالي فإنّ الجيش الإسرائيلي سيستمرّ في الانغماس هناك لفترة طويلة».

عراقيل التفاوض

وجاء ذلك بعدما جرى تناقل معلومات تفيد بأن هناك فجوات كبيرة لا تزال قائمة، وأنها زادت خلال مفاوضات التهدئة، حيث لا تزال أبرز نقاط الخلاف، رفض إسرائيل إطلاق سراح عدد من الأسرى الفلسطينيين من ذوي المحكوميات العالية، وطلبها تأجيلهم إلى مرحلة لاحقة، وهؤلاء الأسرى هم قادة الفصائل الفلسطينية في السجون الإسرائيلية، وهم قادة فتح والجبهة الشعبية وحركة حماس والجهاد الإسلامي، وقادة سابقون في الجناح العسكري لحماس كتائب القسام، كما طلبت إسرائيل كذلك أن تشمل الصفقة الأولى جنودا إسرائيليين مصابين، بزعم أنهم من ذوي الحالات الإنسانية، وهو أمر ترفضه حركة حماس، التي تصر على أن لكل فئة من الأسرى أثمان يتوجب على إسرائيل دفعها، حيث تطلب مقابلهم إطلاق سراح عدد كبير من أسرى المؤبدات.
ويدور الحديث أيضا أن نتنياهو لا يريد تقديم ضمانات بعدم العودة إلى الحرب من جديد، عند انتهاء مراحل التهدئة الثلاث، ويريد فقط ابرام صفقات تبادل أسرى ومن ثم العودة للقتال، وهو أمر بدا أن حركة حماس أيقنته في المفاوضات الأخيرة، عندما وضع المفاوض الإسرائيلي شروطا جديدة بخصوص نوعية وأسماء الأسرى، وطلبه بأن يتم شمول جنود أسرى في المرحلة الأولى، وهو ما ترفضه الحركة، وتطلب بأن تكون هناك ضمانات باستمرار الهدوء، بعدما تخلت عن شرط الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة في المرحلة الأولى من التهدئة.
ونقل عن نتنياهو القول خلال مشاورات بشأن اتفاق تبادل أسرى، أنه أجرى مشاورات، وأنه إذا كانت هناك صفقة، فإن «إسرائيل ستعود للقتال بعدها»، وأضاف بشكل صريح «ليس هناك جدوى، لإخفاء هذا الأمر»، ورأى أن استئناف الحرب بعد الاتفاق، يأتي «لاستكمال أهداف الحرب».
كما نقلت هيئة البثّ الإسرائيلية عن مقربين من نتنياهو قولهم إنه «حتى لو كان هناك اتفاق، فإن إسرائيل ستعود للقتال لإكمال أهداف الحرب»، فيما عبرت مصادر في الوفد الإسرائيلي المفاوض، عن خشيتها من أن تضرّ أقوال نتنياهو بالمفاوضات الجارية.

موقف حماس

حركة حماس وعلى لسان القيادي فيها أسامة حمدان، قالت إن حركته ذهبت إلى «أقصى مرونة» بشأن قضية الأسرى شريطة وقف العدوان على قطاع غزة، واتهم الاحتلال بأنه ينقلب على ما يتم الاتفاق عليه، وقال محملا الاحتلال مسؤولية تعثر المفاوضات «العدو ينقلب في كل محطة من محطات التفاوض على ما يتم الاتفاق عليه» وأضاف وهو يتحدث عن نقاط الخلاف «العدو يقول إنه غير مستعد للانسحاب الكامل من القطاع ووقف العدوان ويقف عند هاتين النقطتين».
وأشار إلى أن حركة حماس ستتطلع إلى «نتائج إيجابية وليس رسائل إيجابية من الإدارة الأمريكية بشأن وقف إطلاق النار»، وقد أوضح أن حركة حماس أجرت اتصالات مع الوسطاء ومع تركيا وأطراف أخرى «لحشد موقف دولي يُلزم الاحتلال بوقف إطلاق النار».
وقد ترافق التعنت الإسرائيلي الجديد في المفاوضات، مع تصعيد ميداني عسكري إسرائيلي، وتهديد بتوسيع رقعة العمليات العسكرية، خاصة في مناطق الشمال، التي يريد جيش الاحتلال إخلاء سكانها بالكامل، بعد أن وسعت نطاق الهجوم البري على وسط القطاع أيضا، حيث كشف النقاب في إسرائيل، أن «لواء ناحال» أنهى 7 أشهر من القتال في رفح، وأنه انتقل إلى بلدة بيت حانون شمال غزة، وهي إحدى بلدات شمال القطاع التي تتعرض منذ نحو ثلاثة أشهر لهجوم بري واسع.
وتلا ذلك أن هدد وزير الجيش يسرائيل كاتس، حركة حماس، وقال خلال زيارة لغلاف غزة «إذا لم تسمح حماس قريبا بإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين ولم تتوقف عن إطلاق النار على إسرائيل، فسوف تتلقى ضربات بقوة لم نشهدها في غزة لفترة طويلة»، متوعدا بتصعيد جيشه ضد غزة.
كل ذلك شوهد ميدانيا من خلال الهجمات على شمالي القطاع، حيث قامت قوات الاحتلال بالهجوم على مشفى كمال عدوان، وقامت خلاله باعتقال عدد من المرضى والمصابين والطاقم الطبي، على رأسهم مدير المشفى الدكتور حسام أبو صفية، بعد أن أحرقت المشفى وهدمت ودمرت أجزاء منه، وأخرجته بالكامل من الخدمة، وانتقلت بعده لتنفذ هجمات مماثلة على مشافي العودة والإندونيسي، كما تعمدت أيضا شن هجمات دامية على كافة مناطق القطاع، أوقعت عشرات الضحايا الجدد بينهم عوائل أبيدت في بلدة بيت حانون وأخرى في بيت لاهيا ومخيم جباليا وأخرى في مناطق النزوح القسري في وسط وجنوب القطاع، حيث لا يزال هناك ضحايا تحت ركام المنازل المدمرة، وأخرى في الشوارع تنهشها الكلاب والقطط، يصعب الوصول إليهم بسبب الغارات.
وترافق ذلك مع تدمير مربعات سكنية كثيرة في مناطق الشمال، لجعلها غير قابلة للسكن والحياة، بالإضافة إلى هجمات عنيفة أخرى طالت مدينة غزة التي يسكنها نازحو الشمال، فتعمدت قصف المنازل المدنية والمشافي، التي تعمل بأقل الإمكانيات.
وفي الموازاة، استمر الحصار المشدد على القطاع، والذي حالت من خلاله دولة الاحتلال دون وصول السلع والمواد التموينية الأساسية للسكان، الذين يعانون من الجوع والبرد الشديد الذي أدى إلى وفاة ستة أطفال وممرض في أقل من أسبوع، فيما ازدادت معاناة النازحين أكثر مع دخول قطاع غزة في نطاق منخفض جوي عميق، حيث أدت الأمطار الغزيرة إلى إغراق الخيام وتدمير مقتنيات الأسر النازحة.

تحذيرات أممية

ولذلك حذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» من أن «وسائل بقاء الناس على قيد الحياة ذاتها تُفكَك» في غزة، وذلك من خلال الهجوم على الرعاية الصحية وخدمات الطوارئ والوصول الإنساني، «إلى جانب الهجمات المتواصلة التي تقتل وتشوه المدنيين كل ساعة»، هذه المنظمة الأممية، أوردت التحذير بعدما أعلنت منظمة الصحة العالمية أن مستشفى كمال عدوان خرج عن الخدمة، في أعقاب اقتحام القوات الإسرائيلية له.
وفي دلالة على صعوبة أوضاع سكان القطاع، جدد الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس مدير منظمة الصحة العالمية، دعواته للإفراج عن الدكتور أبو صفية، الذي لا يزال مكانه مجهولا.
وفي هذا السياق، قالت فلورنسيا سوتو نينو-مارتينيز من مكتب المتحدث باسم الأمم المتحدة، إن القتال والقيود الإسرائيلية على الواردات التجارية وغيرها لا تزال مستمرة، منبهة إلى أن هذا الأمر «يستمر في شل العملية الإنسانية في وقت تحتاج فيه الأسر بشكل عاجل إلى الغذاء والمأوى والملابس، خاصة وأن الشتاء يضربهم بشدة.»
أما مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، فأكدت إن نمط الاعتداءات الإسرائيلية المميتة على مستشفيات غزة ومحيطها، والعمليات القتالية المرتبطة بها، دفع بنظام الرعاية الصحية إلى شفير الانهيار التام، ما أثر بشكل كارثي في قدرة الفلسطينيين على الوصول إلى الرعاية الصحية والطبية. وذكر تقرير هذه المنظمة أن الاعتداءات، التي تم توثيقها بين 12 تشرين الأول/أكتوبر 2023 و30 حزيران/يونيو 2024، تثير مخاوف جدية بشأن امتثال إسرائيل للقانون الدولي، مؤكدة أن الطواقم الطبية والمستشفيات محمية بشكل خاص بموجب القانون الدولي الإنساني، شرط ألا تَرتَكِب أو تُستخدم لارتكاب أفعال تُضر بالعدو خارج نطاق وظيفتها الإنسانية.
وقد حذرت كذلك وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» من «اقتراب المجاعة» في قطاع غزة الذي يعاني سكانه من انعدام الأمن الغذائي، ونقص المساعدات الإنسانية، في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة.
وذكرت أن فرقها تعمل على إيصال المساعدات إلى المحتاجين، لكنها شددت على أنها «ليست كافية على الإطلاق»، وأشارت إلى أن سكان غزة يواجهون «انعدام الأمن الغذائي الشديد» ودعت إلى التعاون الدولي ووقف إطلاق النار بهدف تقديم مساعدات منقذة للحياة في ظل «اقتراب المجاعة».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية