عنوان مسابقة «الأرض، والعدالة والسلام» جديد في مهرجان بيروت للأفلام القصيرة
بيروت ـ «القدس العربي»: حيوية سينمائية كبيرة ينشرها مجتمع بيروت السينمائي في المدينة. وإذ به يجعلها قبلة للمهتمين بعالم السينما للإطلاع على كل جديد، يُعبّر عنه جيل الشباب بالصورة والصوت. مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة واحد من عدّة مهرجانات ينظمها مجتمع بيروت السينمائي الذي أصر على عقد دورته الـ18 في 26 تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي. افتتح المهرجان في ساعات عصيبة كانت فيها حمم النار الصهيونية تضرب بيروت، وكلّ لبنان قبل موعد وقف إطلاق النار.
الجديد المميز في مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة إعلانه عن مسابقة جديدة انطلقت بواكيرها في الدورة الـ18 وتحمل عنوان «الأرض، العدالة والسلام». مسابقة لافتة تستحق الإضاءة خاصة وأن السينما المستقلّة تعالج قضايا الشعوب ومعاناتهم نتيجة انعدام العدالة والسلام. وتبقى الأرض أساساً يخصنا كمشرقيين وعرب بقوة بعد احتلال الصهاينة أرض فلسطين وتشريد شعبها، وارتكاب الإبادة بحق ناسها كما هو حاصل في غزّة منذ 8 اكتوبر 2023.
عن مجتمع بيروت السينمائي، ومسابقة «الأرض، العدالة والسلام» هذا الحوار مع مؤسسه الأستاذ الجامعي سام لحود:
○ أنجزتم وبإصرار مهرجان بيروت الدولي للأفلام القصيرة وافتتحتم الفعالية في 26 تشرين الثاني/نوفمبر ليلة الاعتداء الأعنف على بيروت ولبنان. لماذا هذا الإصرار؟
• سبق لـ«مجتمع بيروت السينمائي» الذي يتولى تنظيم المهرجان أن تعهّد لنفسه بعدم التأجيل أو الإلغاء، إلا لظرف قاهر جداً. من دون شك كانت سنة 2024 قاسية جداً، والحرب غير مسبوقة على لبنان، والحذر في أقصاه. إنما كان إصرار منا جميعاً بعقد الدورة الـ18 لمهرجان بيروت للأفلام القصيرة، وإصرار مضاف على اختيار مكان في العاصمة، مكاناً يكون قريباً من اللبنانيين المستهدفين بالقصف الإسرائيلي، فوقع الإختيار على مسرح الإليزيه الذي اعيد افتتاحه مجدداً في الأشرفية. ولأننا أطلقنا شعار الولادة الجديدة، كان لمسرح الإليزيه الذي تأسس سنة 1974 وأقفلته الحرب الأهلية، رمزيته. مسرح استقبل عروضاً لروميو لحود وسلوى قطريب وآخرين. ومع الولادة الجديدة لهذا المسرح نتمنّى ولادة جديدة للوطن، وبأن تتحقق أحلامنا بالخلاص من الحروب، والولوج إلى الاستقرار، وتحقيق العدالة كحاجة ملحّة لمنطقتنا. ومن الصدف المحزنة أن إسرائيل صبت وابل غضبها على بيروت ليلة الافتتاح، مستغلّة الساعات الفاصلة عن موعد وقف إطلاق النار صبيحة 27 تشرين الثاني/نوفمبر. ليلة لا توصف، توسّعت خلالها المناطق المستهدفة كثيراً، سقطت قنابل طائرات على بعد مئات الأمتار منّا، وصوت القصف خارج الصالة قوي للغاية، وصوت الدرونز لا ينقطع. مسرح الإليزيه يقع في ساحة ساسين، والقصف كان يستهدف السوديكو وبشارة الخوري والطيونة، قريباً منّا.
○ وهل حضر جمهور؟
• حضر بحدود 170 شخصاً. وقد ذكرت في كلمة الافتتاح بضرورة توقف هذه الحرب لنتمكّن من بناء مرحلة جديدة. وتزامناً بدأت تتوالى الرسائل بأن اتفاقاً لوقف إطلاق النار تقرر في اليوم التالي. خبر امتزجت فيه الفرحة والغصة معاً. نصف وطننا دمّرته الاعتداءات، وخسرنا الكثير من الأحباء والأصدقاء والإخوة في الوطن، وأملنا أن لا تتكرر الحروب.
○ ألم يعبّر الجمهور عن خوف في لحظات القصف؟
• من دون مكابرة نعم، كان الخوف حاضراً بيننا. أعضاء من لجنة التحكيم تواصلوا معي، وكانت نصيحتي لهم بعدم المجازفة بالوصول إلى الإليزيه.
○ الجديد في هذه الدورة استحداث مسابقة «الأرض والعدالة والسلام». ما هي استدعاءات تأسيسها؟
• شعرنا كسينمائيين خلال الحرب التي عاشها لبنان بالشلل، إذ ليس لنا فعل مؤثر، بحثنا عن فكرة مميزة نضيفها للمهرجان تكون من صلب الواقع الذي نعيشه، وتترك أثراً، بعد نقاش كان تأكيد على مدى الارتباط الوثيق بين السينما والأرض. تمثل السينما هوية البلد الذي تنتمي إليه، تحفظ ذاكرة شعبه، وتكتب تاريخه الحقيقي المخزّن في عيون ناسه، وليس التاريخ الكاذب الذي يدرسه أبناؤنا في المدارس. وتُحفّز السينما على السلام، فأكثرية الأفلام المستقلّة في العالم تناهض الحروب، ولا نجد فيلماً يروّج لها، وحدها بروباغندا هوليوود تروّج لحسنات الحروب، وتدّعي بأنها سبيل لتحقيق مسار الديمقراطية. فيما يُعرف أن الحروب تخدم مصالح المستثمرين ورؤوس الأموال، بينما السينمائي الحقيقي صنو للعدالة، يشجب الظلم، ويدعو لوقفه بكافة السبل، وهذا ما علينا فعله ليعيش الناس بحرية. بناء على النقاشات شعرنا في مجتمع بيروت السينمائي بضرورة تنظيم هذه المسابقة من ضمن المهرجان، وتشجيع الطلاّب وصنّاع السينما الجدد للتفكير بهذا النوع من الأفلام والبدء بخوضها. ونخطط في مهرجاننا الـ19 لتخصيص جائزة كبيرة لمسابقة «الأرض والعدالة والسلام» كتشجيع على خوضها.
○ ورغم كون المسابقة جديدة تسابق فيها 10 أفلام؟
• بل استقبلنا بحدود 120 فيلماً. سعينا للتنويع في الاختيار من دول العالم ومن فلسطين، والأردن ولبنان وغيرها، وكنّا حيال عشرة أفلام شكلت موزاييك أفلام عربية وأجنبية ولبنانية. مع العلم أن المهرجان استقبل ضمن هذه المسابقة أفلاماً من الدول العربية، وأمريكا اللاتينية، والصين وأوروبا.
○ كم يحتاج هذا النوع من المهرجانات إلى جهود تنظيمة؟
• تُنظّم جمعية مجتمع بيروت السينمائي عدة مهرجانات بينها مهرجان سينما المرأة، ومهرجان الطفل والعائلة، ومهرجان البترون للأفلام القصيرة المتوسطية. جميعنا في جمعية مجتمع بيروت السينمائي من صنّاع الأفلام، وهذا يُسهّل التواصل لاستقبال الأفلام. وجميعنا يتميز بالاندفاع، وحب الوطن، والإنحياز العالي المستوى للقضايا الإنسانية، كما ويتميز الفريق بالتصميم ومساندة أحدنا للآخر في حالات الضعف. وتبقى المصاعب الكبرى التي تواجهنا متمثلة بالتمويل.
○ وكيف الحل؟
• الكرماء كثر، يقدمون لنا خدمات كمثل الاستضافة الفندقية، والطعام أحياناً. ونتلقى دعماً مادياً من الجهات المانحة والداعمين المؤمنين بما نقوم به. في الدورة الـ18 للمهرجان كانت الظروف صعبة للغاية، ولهذا أنجزنا المهرجان باللحم الحي، ولم نستقبل ضيوفاً.
○ يُعرف أنّ للداعمين شروطهم. هل تعيشون عبئاً كهذا؟
• لم يضع أي مانح شرطاً، وبدورنا نرفض المنحة المشروطة. نفهم أجندة بعض المانحين، لكننا قررنا عدم الخضوع لأي منها. ولم يتصل بنا أحد لعرض فيلم أو إبعاد آخر. أذكر خلال إحدى دورات مهرجان سينما المرأة والذي تضمّن أربع مسابقات، اختارت لجنة التحكيم فيلماً إيرانياً للجائزة الأولى. وحينها كانت السفارة الأمريكية هي الداعم الأول للمهرجان، ولدى التواصل مع السفارة لإبلاغهم باختيار لجنة التحكيم، أعلنوا احترامهم للقرار.
○ بمناسبة الحديث عن مهرجان سينما المرأة والمهرجانات السينمائية المتعددة فكيف تتم برمجتها؟
• تتوزع المهرجانات على مدار العام. مهرجان سينما المرأة بين الشهر الثالث أو الرابع، وهذا العام سيعقد في الشهر الرابع مع ختام صيام رمضان. مهرجان بيروت للأفلام القصيرة موعده في تشرين الثاني/نوفمبر. مهرجان البترون للسينما المتوسطية موعده الأسبوع الأول من أيلول/سبتمبر. ومهرجان الطفل والعائلة يعقد بين تشرين الأول/اكتوبر وكانون الثاني/يناير. عروضه مدرسية، ويحتاج لفترة زمنية طويلة. كما ننظّم مهرجان السينما اللبنانية في كندا، وكذلك في أمريكا اللاتينية في المكسيك. لكل مهرجان فريق عمل خاص، في حين تتولى جمعية مجتمع بيروت السينمائي تسهيل التواصل بين صنّاع الأفلام والمهرجانات.
○ وهذه النشاطات الممتدّة بين كندا وأمريكا اللاتينية هل يكفيها التواصل عبر الإيميل أو الواتس أب؟
• بالتأكيد التواصل مستمر عبر الإيميل للمساعدة في التنظيم. وأحرص شخصياً على التواجد قبل المهرجان بأيام في مونتريال، للوقوف على تفاصيل التنظيم. إنما لكل من مهرجاني كندا وأمريكا اللاتينية فريقهما، ويعملان باستقلالية تامة على الصعيدين الإداري والمالي، ويقتصر دوري على المشاركة في إدارة الندوات التي يشترك فيها ضيوف من لبنان.
○ وهل تُلازم الندوات كافة المهرجانات التي يُنظّمها مجتمع بيروت السينمائي؟
• بشكل عام نعم. كافة المهرجانات تترافق مع ندوات، وورشات عمل، تتناغم مع ثيمة المهرجان والبيئة التي يعقد فيها، ومتطلبات ناسه.
○ ربطاً بين مهرجان البترون لسينما البحر المتوسط ومهرجان الإسكندرية وكنت مديراً لمسابقة الأفلام القصيرة خلاله، ما وجه الشبه بينهما؟
• للأسف وبسبب العدوان على لبنان لم أتمكن من السفر والمشاركة. للبنان دوره الكبير على البحر المتوسط، وعدة مشتركات تجمع الـ22 بلداً عربياً على هذا الحوض. مهرجان البترون صيفي ويقتصر فقط على الأفلام القصيرة، يجمع صنّاع الأفلام مع الشباب والشابات بأجواء من المرح والحوار حول الأفلام المشاركة. مهرجان يُشكّل حيوية سينمائية ـ شبابية، ويُنظّمه زملاء وأصدقاء من البترون.
○ كأستاذ للسينما في جامعة سيدة اللويزة كيف تفسّر الإقبال الكبير على دراسة هذا الاختصاص في لبنان؟ وكيف تفسر إنتاج أكثر من فيلم في غزّة وترشيح فيلم «من المسافة صفر» للأوسكار؟
• عدّة عناصر تدفع لإنتاج الأفلام في غزّة حالياً، منها التأكيد على قدرة صناعة المحتوى الخاص، وإيصال الصوت بدون الحاجة لأحد. دراسة صناعة المحتوى ليست خاصة بالسينما فقط بل كذلك بالإعلام. وسيلة الإعلام للجميع متوافرة على منصّات التواصل الاجتماعي الخاصة بكل منا، وكذلك جهاز الهاتف الذي بات يشبه امتلاك محطة تلفزيون، نظراً لامكاناته بالوصول للكثير من الناس. وهذا ما يُشكّل حافزاً كون الخبر بات يمتاز بالكثير من الديمقراطية، وتحرر من الحصرية، وبات ملكاً للشعب. ولهذا نجد لدى الشباب والشابات شغفاً للقيام بعمل ما لإيصال الصوت. من جهة أخرى بات سوق العمل يطلب هذا الاختصاص، ولهذا يزداد عدد الطلاب في الجامعات. فأي مهنة أو عمل يحتاج لمن يهتم بمحتواه على الصعيدين المرئي والمسموع. وألفت إلى عنصر الحرية التي بات يتمتع بها الشباب في اختيار اختصاصهم الجامعي، بعيداً عن إصرار الأهل على مهمن بعينها، كذلك الحال بالنسبة للاختصاصات التوريثية.
○ في قراءة سيرتك نخلص إلى حيوية وتنوع كبيرين على صعيد مهني وسعي لخلق بيئة سينمائية نشطة في لبنان. ما هو التعريف المفضّل لديك؟
• أحب جداً صفتي السينمائي والمربي. شغوف بحضوري في التعليم الجامعي المتواصل منذ 30 سنة. اُخرج أفلامي، واُنتج أفلاماً. اُنظّم مهرجانات، وأحب إطلاق المبادرات والسعي لأجل تحقيقها. خلاصة القول أني سينمائي.
○ وهل يصلح تعبير مربي مع طلاب الجامعة؟
• لغوياً لا. في الواقع التعليم الجامعي بجزء منه خبرة حياة، وحوار مفتوح مع الطلاب. ختاماً لست مغرماً بالتعريفات.
الفائز في المسابقة الأولى لسينما «الأرض، العدالة والسلام» المخرج الفلسطيني عُدي جُعبة، والذي حصد فيلمه القصير «برجعلك دقايق» جائزة أفضل فيلم. وقد وصفت لجنة التحكيم فيلمه بأنه ينطوي على «رمزية وحس فكاهي ممزوج بالأمل». وقال عُدي جُعبة في كلمة مصورة له خلال إعلان نتائج مهرجان بيروت للأفلام القصيرة «أفخر بأني فلسطيني. نحن هنا. وسنبقى ولن نغادر لأي مكان آخر».