مشروع أي فيلم لدى المخرج الأمريكي فرانسيس فورد كوبولا (1939-) دائما ما يكون أشبه بعملية مخاض، تتولد عنها تجربة فنية هي أكبر من أن يتم النظر إليها باعتبارها مجرد فيلم سينمائي، فهو لا يمضي على الدرب الذي يسير فيه زملاؤه من المخرجين، سواء الذين يعملون اليوم أو المحسوبين على الأجيال التي سبقت جيله. وقبل أن يكون متمردا على الأساليب السائدة في الأفلام وفي رؤيته للموضوعات التي يتناولها، هو متمرد على ما أنجزه من أشرطة، ولديه حساسيته الخاصة التي ينظر من خلالها إلى طبيعة الفيلم السينمائي الذي يقدمه; من حيث البناء الدرامي والشكل وطريقة السرد. فهو صاحب مشروع فني وليس مجرد مخرج محترف يعرف كيف يبهر المتلقي، بل يحتفظ لنفسه بالمساحة التي يريدها لتقديم رؤيته وفلسفته إزاء العالم من خلال السردية الفيلمية التي يقدمها وفق رؤيته الذاتية. وعلى ما يتضح من مسيرته أنه لا يضع في الاعتبار مدى ما سيجنيه من جمهور أوسع وإيرادات أكبر، والشواهد على ذلك عديدة، حيث تكبد خسائر فادحة في أكثر من فيلم، لكنه يضع في أولوياته أن يترك للفن السينمائي تجارب جمالية تحمل قدرا عاليا من العمق في بنيتها السينمائية، وإذا ما قارنا نتاجه مع أسماء أخرى مؤثرة مثل تاركوفسكي وغودار، حيث تطغي على أفلامهم نزعة فلسفية وجودية، نجد لدى كوبولا شغفه الكبير بتطوير آليات السرد السينمائي إلى نزعته للتمرد في ما يتعلق بالموضوعات التي يتناولها، وهذا ما أكدته أفلامه الشهيرة التي أضحى قسم منها في مقدمة الأفلام الخالدة في تاريخ الإنتاج السينمائي الأمريكي، مثل فيلم «العراب»و»الرؤيا الآن» و«واحدة من القلب»و»نادي القطن».
السخط على أمريكا
فيلم «ميغالوبوليس» إنتاج 2024 يحمل شطحات مخرج مفكر، يحاول أن يرى المستقبل عبر بنية سينمائية تخييلية يسقط فيها الماضي على الحاضر وبالعكس، رؤية فيها قدر من السخط والغضب والتشاؤم والسخرية إزاء أمريكا النظام السياسي الذي يصنع الآلهة، وما يترشح عن هذا النظام الفاسد من قيم تسيّر العلاقات المجتمعية. والنظرة الفاحصة للفيلم تجده عملا ثريا بخطابه وقادرا على أن يحدث عصفا جماليا وفكريا لدى المتلقي وخاصة من يحمل في داخله شغفا لتلقي الأفلام التي تتكئ إلى لغة سردية ذات دلالات متحركة ليست معجمية في تراكيبها، وفيلم كوبولا من هذه الناحية يستفز ذائقة المتلقي ويدعوه لمشاهدته مرة أخرى، لأن كل ما فيه مختلف، من حيث بنيته السردية وإيقاعه وحواراته وأزياءه التي تتداخل فيها الأزمنة بين ماضي روما البعيد والزمن الراهن. والشخصيات على سبيل المثال، رغم أنها ترتدي أزياء معاصرة لكنها أحيانا تتحدث بعبارات مستعارة من شكسبير وأوفيد وسافو وجمل يرددها ممثلون كومبارس في الحفل بنفس الصيغة التي كانت ترددها الجوقة في المسرح الأغريقي، وهناك إشارات أدبية وتاريخية مثل «سيدهارتا، ماركوس أوريليوس، سافو.. إلخ». والحوار يأتي أحيانا بلغة شعرية، وأحيانا أخرى على شكل نثر مسبوك بصياغة عالية، مثل «لدينا دوما الوقت حتى لو لم أفهمه» أو «كيف يكون التجسس أخلاقيا»، وفي أحد المشاهد يؤدي الممثل آدم درايفر المونولوج الشكسبيري «أن تكون أو لا تكون تلك هي العلة يانفسي».
كوبولا رجل سينما من طراز خاص، يعمل بمخيلة إبداعية خلاقة، فهو لا يعيد خلق الواقع بقدر ما يبتكره، وهذا ما يبدو في هذا الفيلم، عندما يسقط مدينة روما على أمريكا المعاصرة ليحاكمها ويحكم عليها في إطار ما يفترضه من بنية سينمائية، ومن خلالها يسعى لتعريتها وفضحها وإدانتها في انحلالها وفسادها وجرائمها وشذوذها، حتى بدا الفيلم في سياقه السياسي خطابا ثوريا ضدها، لكن خطابه لم ينزلق بطبيعة الحال إلى لغة مباشرة، لأن لغته السينمائية تماهى الحلم فيها مع الواقع والأسطورة والشعر عبر بنية جمالية تبرز فيها سطوة التغريب المستعارة من المسرح الملحمي.
الفيلم يسرد حكاية المهندس سيزار(آدم درايفر) مخترع مادة جديدة تسمى ميغالون تستخدم في البناء بدلا عن الحجر والإسمنت، يحلم سيزار ببناء مدينة مستقبلية مكتفية ذاتيا وتنمو بشكل عضوي مع سكانها بدلا عن نيويورك القديمة، لكن عمدة نيويورك فرانكلين شيشرون (جيانكارلو إسبوزيتو) الغارق بالفضائح والذي يتعرض لصيحات الاستهجان من قبل مواطنيه يرفض المشروع، بينما يصر سيزار قائلاً: «لا تدع الحاضر يدمر الأبد».
حبكة الفيلم تمت صياغة خيوطها بلغة مستعارة من السحر والدراما وأفلام العصابات والعروض الموسيقية والشحنات العاطفية، للوهلة الأولى تبدو هذه الخلطة كما لو أنها صدى لأفلامه السابقة. ليضعنا وسط جدل محتدم بين المهندس المعماري سيزار صاحب الرؤية والعمدة الفاسد شيشرون حول كيفية استخدام مواردهم المحدودة، بينما الديون تثقل كاهل المدينة الغارقة بالفضائح.
كوبولا المتمرد
كوبولا يبقى حالما في معظم أفلامه، منذ أن بدأ العمل في السينما خلال أوائل الستينيات، وكان يعمل في البداية كمساعد إنتاج وكاتب سيناريو قبل أن يبدأ في الإخراج. وأول أفلامه كان «Tonight for Sure» عام 1962. وفي هذا الفيلم نجده أيضا مصطفا إلى جانب المهندس الحالم سيزار، ففي مشهد الافتتاح الذي جاء غريبا ومدهشا وساحرا بكل تفاصيله، نرى سيزار قادرا على أن يوقف حركة الزمن، بينما يكون واقفا بشكل قلق وخطير على سطح مبنى يبدو شكله المعماري أقرب إلى شطحات الخيال العلمي، والفيلم في حقيقته الكامنة وراء هذه الرؤية الفنتازية كان مشغولا في إيصال طبيعة الجدل الفكري بين طرفي الصراع; المهندس الحالم بالمستقبل والعمدة الانتهازي المأسور بالواقع. ثم تتغير حياة سيزار مع وصول إبنة العمدة شيشرون، جوليا (ناتالي إيمانويل) إلى مكتبه الخاص، فتنجذب بعواطفها نحوه، وتصبح الشخص الوحيد الذي يؤمن بقدرته على إيقاف الزمن، وتمتلك هي أيضا نفس القوة. وإلى حانب هذا الخط الدرامي الرئيسي، نجد واو بلاتينيوم (أوبري بلازا) الصحافية الطامحة إلى جمع الثروة والسلطة، والتي تبدأ كعشيقة لسيزار، لكنها سرعان ما تتزوج عمه هاملتون كراسوس (جون فويت) أغنى رجل في المدينة. في الوقت نفسه يخطط حفيد كراسوس كلوديو (شيا لابوف) المتغير الشكل والأزياء باستمرار والمنحل أخلاقيا، ليرث كل أموال العائلة لنفسه. وعبر عدد من المشاهد يستعرض كوبولا حفلات أمريكا المعاصرة وهي تضج بالعراة والشاذين والسحاقيات كما لو أنه يحيلنا إلى مدينة روما المنحلة بأخلاقها، وليس مبالغة في القول أن مشاهدة هذه التحفة السينمائية تدفعنا إلى الاحساس بالدهشة طيلة زمن الفيلم، رغم أنه يعتمد ظاهريا على قصة ربما تبدو تقليدية في قوسها العاطفي لكن قيمته الفنية تأتي من بنيته البصرية وطابعه الدرامي المشحون بالتدفق والصور المتداخلة مع صوت السارد للأحداث ونشرات الأخبار ليعكس بالتالي مدى الجموح في مخيلة كوبولا.
بكل الأحوال يؤكد كوبولا مرة أخرى أننا أمام واحد من أهم الأسماء المبتكرة والخلاقة إلى جانب المؤسسين الأوائل لفن الإخراج السينمائي أمثال كريفث (1875 ـ 1948) وايزنشتاين(1898 ـ 1948) وبودوفكين (1893- 1953) لعل أبرز سماته أنه قادر على أن يفرض شخصيته وأسلوبه في كل عناصر الفيلم، ولاشك في أنه يترك انطباعات مختلفة لدى الجمهور، تتأرجح ما بين الاندهاش والحيرة والغموض، وهنا تكمن خصوصيته الفنية. وتشير التقارير الصحافية والحوارات التي أجريت مع كوبولا أن مشروع الفيلم مضى عليه أربعة عقود قبل أن يرى النور، لأنه كان يبحث عن شركة لتمويله، لكنه لم يجد من يقف إلى جانبه، ويتحمل مسؤولية إنتاج هذه المغامرة المحفوفة بخطر الفشل التجاري، ولهذا قرر أن يبيع جزءا من مزعة العنب التي يملكها، لكي يمول فيلمه بمئة وعشرين مليون دولار، بدون أن يضع في حساباته خطورة الفشل التجاري، فالمهم بالنسبة له أن يذهب فنيا بالاتجاه الذي يحلم بإنجازه، ويترك أثرا في الوعي والذائقة والممارسة السينمائية.