رحلة الوجع الفلسطيني (2): الجمعة الحزينة في بيت لحم

أخيرا وصلنا إلى بيت لحم Bethleem التي يأتي هواؤها مندى بالحنين والمسافات الضئيلة التي تفصلها عن القدس، بسبب خصوصيتها الدينية وارتفاعها عن سطح البحر بـ775 مترا. بيت الخبز كما سماها القدماء، والخير والتسامح والجرح الفلسطيني. عندما جلسنا في المقهى المقابل لكنيسة المهد وشربنا قهوة بطعم المدينة ونداها المسائي، أدركت كم أن غطرسة الاحتلال لم تقتل الإيمان بأن شيئا في التاريخ يظل حيا ومستمرا، ويشتغل في الخفاء قبل أن يتجلى بقوة في شكل مقاومة جزئية أو عامة.  مشكلة الظالم أنه لا يؤمن إلا بالقوة، التي كلما كــــبر ظلمها، ارتدّت عليه بنفس الدرجة من العنف أو أكثر. ماذا بقي اليوم من الذين دمـــروا هذه المدينة لدرجة المحو غير صمت الحجارة والخطوط المرتسمة هنا وهناك تقول هذا التاريخ.
ذهب الجميع وبقيت بيت لحم التي تشكل اليوم مركز المحافظة الحيوي. تقع في الضفة الغربية، يقارب عدد سكانها الـ50,000 مع مخيمات اللاجئين بأحزمة الفقر والتهجير. وهي بلا منازع أحد أهم المراكز الثقافية والسياحة في تنوعها الديني والحياتي. كان صديقي الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف سعيدا باكتشاف المدينة مثلنا جميعا، لكنه كان قلقا جدا. بدأ يفقد أمله في الحصول على الموافقة التي وعد بها ولم تبق أمامه إلا ليلة واحدة. ظل ينتظر الموافقة على الخروج للسفر إلى أبوظبي لحضور إعلان الفائزين بالبوكر، فهو واحد من الستة الذين ابتسم لهم حظ البوكر. كان حزينا. فرصته الأقرب ليثبت للعالم أن الحياة توجد أيضا في فلسطين وأن هذه الأرض قادرة على الإبداع والتمايز على الرغم من محنة الاحتلال. كان معلقا على خبر مثل روايته: حياة معلقة. الدكتورة رزان ظلت تحمل في قلبها وكل حواسها فرصة اكتشاف أهلها لأول مرة في طولكرم، ومسقط رأس والدها والكثير من أقاربها، تتساءل كطفلة عن أدق التفاصيل التي تنتظرها وتخاف أن لا تتحمل المفاجأة. سامح مدير متحف درويش الذي سخر نفسه بسيارته الخاصة، كليا لهذه الزيارة التي يرى فيها الكثير من الناحية الرمزية، لم يدخر أي جهد لكي تصبح هذه الرحلة علامة في الذاكرة. للمساءات طعم خاص في بيت لحم، بها بخور يأتي من بعيد، به طعم زمن بعيد مضى ولم ينسحب، يفتح النفس على التاريخ وعلى الرغبة في اكتشاف بعض سحرها وأسرارها. جوهرة بيت لحم معلمها الديني. كنيسة المهد التي تختصر هي أيضا كما الخليل، زمنا دينيا وإنسانيا وجرحا مقاوما ينفتح على مختلف المشاهد الحياتية اليومية. شيء ما في هذه المدن الفلسطينية يعلن عن نفسه من تجليات شوارعها وصوامعها وكنائسها. شيء اسمه الإصرار على الحياة والانتساب لهذه الأرض لدرجة التماهي فيها ومعها. لبيت لحم أهمية عظيمة عند كل الأديان التي تتآلف فيها بقوة، لكونها مسقط رأس سيدنا المسيح. تاريخها هو تاريخ الشعب الفلسطيني ومأساته. تاريخ العزة والانكسارات أيضا.
بنيت المدينة، وفقا للمأثورات التاريخية الكثيرة التي أنجزت عن بيت لحم، على يد الكنعانيين في الألف الثانية قبل الميلاد، ولم تستقر على اسم واحد بحسب الحقب المتتابعة والأقوام التي سكنتها. ورد اسمها في مصادر قدماء السريان والآراميين. لم تنج بيت لحم من الغزو الأشوري والبابلي والفارسي والإغريقي والروماني والبيزنطي، فأحرقت ودمرت العديد من المرات، ولكنها في كل مرة تقوم من رمادها كطائر الفينيق. أعاد الإمبراطور البيزنطي جستنيان الأول بناءها. وفتحها العرب المسلمون على يد عمر بن الخطاب عام 637، بعد أن ضمن السلامة للمزارات الدينية في المدينة، ومنع اقتحامها. وفي عام 1099 استولى عليها الصليبيون الذين حصنوها، واستبدلوا فيها الأرثوذكسية اليونانية برجال الدين اللاتين قبل أن يعيدها صلاح الدين الأيوبي لأصحابها الأصليين وتصبح مدينة لكل الأديان. ومع مجيء المماليك في عام 1250، هُدمت جدران المدينة وأعيد بناؤها في وقت لاحق خلال حكم الإمبراطورية العثمانية. في عام 1917 انتزعت بريطانيا السيطرة على المدينة من العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى وكان من المفترض أن يتم تضمينها في المنطقة الدولية في إطار خطة الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين عام 1947. وأُلحقت بالأردن بعد نكبة فلسطين عام 1948. وقد احتلتها إسرائيل في عام 1967 بحرب الأيام الستة. ومنذ عام 1995، ووفقا لاتفاقية أوسلو، نُقلت السلطات المدنية والأمنية في المدينة إلى يد السلطة الوطنية الفلسطينية.
معالمها الدينية أكدت لي مرة أخرى أن الوطن فوق الأديان. عند المسيحي والمسلم على حد سواء، تظل فلسطين هي الأم الحاضنة، على الرغم من الممارسات الإسرائيلية لتفجير هذه الوحدة والدفع بالمسيحيين إلى الهجرة كما حدث في الكثير من المدن العربية، واللعب على التهديدات الإسلاموية. للأسف هذه السياسة أفرغت الكنيسة الشرقية من جزئها الأهم في العراق وسوريا، وقد مُسّت فلسطين ولو بشكل جزئي. وهذا ما يفسر تحول المسلمين إلى أغلبية في المدينة بعد أن كانوا أقلية، لكن بيت لحم لم تفقد هويتها المسيحية الأساسية. فهي مسقط رأس سيدنا المسيح.
تعتبر كنيسة المهد أهم معالمها. ميلاد سيدنا المسيح فيها جعل منها مزارا عالميا على الرغم من تشديدات الاحتلال وسياسة المنع المتتالية. وتجمع أغلب المصنفات التاريخية أن قسطنطين الأكبر، الإمبراطور الروماني الأول الذي أعتنق المسيحية، هو من بناها في سنة 323، فوق مغارة يعتقد أنها الإسطبل الذي ولد فيه سيدنا المسيح. فهي تُعتبر من ضمن أقدم الكنائس الموجودة في العالم إن لم تكن أقدمها.
شيء من الرهبة ينتابنا ونحن نعبر الأنفاق التحتية ونقف على مرمى البصر واليد، عند مكان الميلاد. قبل أن نتوغل في السرداب الذي قضى فيه جيروم ثلاثين عاما من حياته يترجم الكتاب المقدس إلى اللاتينية. تتوزع الكنيسة مختلف الطوائف المشكلة للديانة المسيحية في تعدديتها، إذ تقام طقوس عيد الميلاد في بيت لحم على ثلاثة تواريخ مختلفة: تحتفل الطوائف الكاثوليكية والبروتستانتية بتاريخ 25 ديسمبر، وأما الكنيسة اليونانية والسريانية والمسيحيون الأقباط فيحتفلون بتاريخ 6 يناير، والمسيحيون الأرمن الأرثوذكس يقيمون احتفالاتهم في 19 يناير. مما جعل نشاطها السياحي كبيرا بالخصوص في فترات الميلاد ورأس السنة. يوجد فيها أكثر من 300 ورشة للحرف اليدوية الخاصة بالعمل على الخشب والنحاس والرخام.
يعود أغلب هذه المعلومات للدليل الفلسطيني الذي رافقنا في دهاليز كنيسة المهد وساحاتها. شرطي يحب مدينته وأرضه. بمجرد أن نتخطى بوابة الكنيسة التي اختصر بابها الخارجي وأصبحت حانية بعد أن تم تقليص ارتفاعها، ينزع الدليل قبعة الشرطي ويصبح مؤرخا دقيقا في التفاصيل. عندما حاولنا أن ندفع له مقابل شروحاته وجهوده، ضحك وهو يقول: أنتم لستم سواحا وأنا لست دليلا. أحبكم أن تتعرفوا على هذه الأرض الكبيرة، وأن تعرّفوا بها. أصواتكم هي وسيلتنا لكي يسمعنا الآخرون.
 انتهى اليوم ولم ينته. عندما غادرنا المكان، كان كل شيء هادئا كما في البطاقات البريدية. حركة الناس فيها نوع من الثقة التي تتجلى من خلال الوجوه. حتى ساعة متأخرة تظل المحلات التجارية مفتوحة تبيع هدايا للعابرين على المدينة. اشتريت وجها فضيا لسيدة الأحزان مريم. تأملته طويلا. في وجهها شيء يشبه أعماقنا الجريحة. حركة الناس نحو كنيسة المهد تعطي الانطباع كأن كل شيء هادئ كما المدن المقدسة العالمية، حيث نرى المصلين كبارا وصغارا يتجهون نحو المكان من خلال احتفالات دينية سادتها عادة الأطفال الذين يأتون للزيارة أو للتعميد. بمجرد أن يتوغل المرء في عمق كنيسة القيامة، يلحظ آثار الأيادي الآثمة، والعلامات التي مست الكنيسة، من خلال الكسورات على الحجارة، أو الرصاص الذي مس الحيطان في الأزمنة المتعاقبة. العلامات واضحة ولم تمَّح، بما في ذلك رصاص الاحتلال. في المساء وأنا أتابع نشرة الأخبار سمعت خبرا عن شباب في بيت لحم، كانوا يحضرون لشيء، تمت مداهمتهم، أدركت لحظتها أن بيت لحم ليست بطاقة بريدية جميلة، هي أكثر من ذلك. طوفان يتكون في الخفاء. في اللحظة نفسها رن تليفون عاطف. كان صامتا ومنهكا ويائسا. غدا احتفالية البوكر وهو لم يحصل على الترخيص. تمتم. نعم. مكتب السيد الرئيس أبو مازن. ثم فجأة قفز في مكانه. صرخ مثل طفل: أوووووف. أخيرا وصلت الموافقة.  أصبح الآن بإمكان عاطف أن يستعيد لحظات بيت لحم وكنيسة المهد بشكل أجمل وأبهى.

واسيني الأعرج

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية