روبنز: الفنان الذي أطلق سراح الفن من قيود الدين والكنيسة

ميشيل أيوب سيروب
حجم الخط
1

رسم روبنز (1577-1640) العديد من اللوحات خارج النسق الديني المُتعارف عليه، حرر الفن من قبضة البابوية: رسم طبيعة صامتة، وشخصيات تاريخية، وقصصا أسطورية، وعمل في الديكور والأثاث وتصميم السجاد، وفي سكب العملة وفي أغلفة الكتب، وله أعمال حفر على الخشب.
تجلى نشاط روبنز بعد الأربعين من عمره وازداد تألقاً، علماً بأنه تُوِّج نقيباً للفنانين في أنفيرس (مدينة أنتويربن 55 كم شمال بروكسل) وهو في العشرين من العمر، بات غزير الإنتاج بعد رحلات وجولات في مختلف الدول الأوروبية لاطلاعه على تجارب تلك الدول. نفذ روبنز مشاريع كثيرة، وكان يؤمُ مرسمَه العشرات من الطلاب وعشاق الفن، كان يجيد الفرنسية والفلماني والإيطالية إلى جانب اللاتينية. كان روبنز يهوى جمع اللُقى والآثار القديمة (لغاية اليوم، بعض الآثار موجدة في منزله) كان يبادل لوحاته بالآثار كونه كان مُهتماً بفنون وتراث الشعوب. عُين دبلوماسياً وسفيراً، ما أتاح له التحرك والسفر في مدنٍ مختلفة فينيسيا وروما ومدريد وباريس. رسم روبنز لوحات ذات دلالات أسطورية: 1- لوحة اختطاف بنات ليوكيدس، جسد فيها العنف والدراما الإنسانية والصراع من أجل البقاء ضد العنف والتوحش.
2 ـ رسم صراع دافيد وجوليات.
3 ـ ولوحة نساء الأمازون، أو المحاربات الأمازونيات.
الفضل بازدهار أنفيرس الفني في تلك الفترة يعود لازدهار التجارة والسمسرة والمضاربات في سوق العبيد، كان ميناء أنفيرس معبر للتجارة الدولية آنذاك. يعتبر روبنز من المؤثرين في الفنانين الهولنديين الأوائل، تأثيره جلي على فرانز هالس (1580- 1666) ورامبرانت (1606- 1669) ومن تلاه مثل فيرمير (1632-1675). تُقارن مدينة أنفيرس بأمستردام، لما أصاب المدينتين من نمو وانتعاش اقتصادي في عقود لاحقة، كما أن الحرية الدينية أتاحت لروبنز وفناني هولندا، رسم مواضيع شتى. تحررت تلك المواضيع من عباءة التقاليد الدينية وهيمنة الكنيسة بفعل عصر النهضة. كانت قبضة البورجوازية قد تعاظمت، وبدأت تدق أبواب النبلاء المُحافظين، ما شجع روبنز على رسم لوحات ذات مضامين تاريخية (يوليوس قيصر مكللاً بالغار)، وأسطورية تجسد البطولة وتترجم أشعار اليونان القديمة للوحات بل لجداريات ما زالت قائمة لغاية اليوم في متاحف باريس وفينيسيا ونيويورك وفيينا ومدريد، ناهيك عن متحف الفنون الجميلة في بروكسل وأنفيرس.

روبنز

روبنز وفنانو أمستردام

يُعتبر الثلاثي الذي جاء بعد روبنز، امتداداً فنياً لمدرسة أنفيرس، مثل فرانز هالس صاحب لوحة بيت المسنين، ورامبرانت صاحب اللوحة الأشهر في تاريخ هولندا دورية الليل، وفيرمير المُقل مُقارنة بغيره من الفنانين، صاحب لوحة، الفتاة ذات القرط. انتقلت روح الفن وأدواته من فينيسيا إلى أنفيرس ثم أمستردام، كان الفضل بذلك يعود للبورجوازيين الذين أحبوا أن يُخلدوا صورهم ونشاطاتهم بعد الثراء الكبير الذي أصابهم من التجارة والمضاربات. امتاز روبنز برسم تفاصيل الجسد لدى الإنسان والحيوان، جسَّد في لوحاته تفاصيل الأقدام والساقين وعضلات اليد والأصابع، كما رسم منحنيات الجسد والأحجام الحقيقية لتلك الأجسام. كان روبنز يبحث عن الجمال المثالي بتجسيد كمال المرأة في اللوحة وهو تأثير واضح للفن الإغريقي على مسيرة الفنان. يقول روبنز «علينا رسم جسد المرأة، على أن لا يكون نحيفاً ولا ممتلئاً»، لم يكن يميل روبنز للأوزان الزائدة في رسم الشخصيات. وهذه الخاصية نقلها في رسم الأسود، والوحوش لإبراز قوة الحيوان. اعتبر بعضُ النقاد روبنز ورامبرنت بأنهما آخر عمالقة عصر الباروك، لانشغالهما بالتفاصيل بدقة متناهية، أغلق روبنز باب العصر الذهبي لفن الباروك خلفه، استمر رامبرنت على نهج روبنز لعقود وألقى المفتاح في البحر، ليفتتح رامبرنت عصراً مشرقاً بتأثير مدرسة أنفيرس على فناني أمستردام.

هل كان روبنز مُتأثراً بالثقافة العربية؟

غادر روبنز في عام 1600 مدينة أنفيرس قاصداً فينيسيا، لم تستهوه كما تروي بعض المصادر، قصد روما ومكث فيها لغاية 1608، عندما علم بمرض أمه ترك روما متجهاً لمسقط رأسه، لكنه وصل متأخراً بعد أن أغمضتْ عينيها إلى الأبد، سبب له هذا الفقد جرحاً عميقاً في سنواته اللاحقة. حاز لقب فنان أرشيدوق هولندا لإنجازه عدة أعمال لألبيرت وإيزابيل. وفي فرنسا أنجز 24 لوحة لماري دي ميديشي (1575- 1642)، ما زالت اللوحات في متحف اللوفر. في إسبانيا، رسم الملك فيليب الرابع في عام 1628 وأنجز رواق الصيد بتكليف من الملك، وتعرف على الفنان دييغو فالا سكيز (1599- 1660) صاحب لوحة «استسلام بريدا». في مدريد رسم أيضاً عازف العود، آلة موسيقية عربية، ورسم أيضاً الرجل بالقفطان، وهو رداء أندلسي مغربي، اليوم ترتديه المرأة المغربية دون الرجال، كما أن تصميم بيته في أنفيرس نسخة عن البيوت الأندلسية والدمشقية، يحتوي البيت على ممشى داخلي وفسحة سماوية لتأمين الضوء والدفء أثناء النهار لبقية الغرف، وتتزين الحديقة الداخلية بشجيرات الليمون، ويتم الاعتناء والحرص على نضارة تلك الأشجار على مدار الفصول، كما شرح لي مدير المتحف تكريماً لروبنز كونه كان من عشاق هذه الثمرة. كرَّمته جامعة كامبريدج بلقب «سيد الفن»، وقلده ملك إنكلترا (وسام فارس). تفرغ روبنز للفن بعد أن هجر الدبلوماسية في عام 1631، ودوَّن في يومياته «أجد سلامي الروحي بالانشغال بهوايتي التي تستحوذ عليَّ فهي كل ما يشغلني». في عام 1640 أصيب بداء النقرس وعانى من هجمات عنيفة من الألم. ترك وصية الميراث لمن سيكمل مشواره الفني من أبنائه، لم يمتهن أحد من الأبناء هواية أبيهم، وبذلك حُرموا من نعيم الميراث. في العام ذاته غادر ضوء النهار عينيه ورقد في الأبدية بسيرة طافحة بالمجد والشهرة. ترك روبنز رسالة أخيرة تُعبر عن الروح الإنسانية العالية لديه «أعتبر العالم كله مثل وطني، لذا على الجميع أن يُرحب بي».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية