يعم الفرح أوساط الغزيين الذين انتظروا بفارغ الصبر انتهاء الحرب، حيث استقبل السكان إعلان دولة قطر التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحماس بالتهليل والتكبير، بعد أن تعرضوا لحرب إسرائيلية مستعرة هي الأعنف في تاريخ الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، دمر الاحتلال خلالها الحجر والبشر، ولم يبق للغزيين أي طعم الحياة.
وبالرغم من حجم الألم والدمار الكبير الذي حل بالقطاع وسكانه، إلا أن دموع الفرح خيمت على الغزيين، الذين فقدوا الأمل على مدار أكثر من عام في الوصول إلى لحظة تنتهي فيها حرب الإبادة، بعد تعنت الحكومة الإسرائيلية مرات عديدة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار، ورغبتها في الاستمرار بالحرب والقتل والتدمير تحت حجج ومبررات واهية أنهكت السكان ودمرت معنوياتهم.
من جنوب قطاع غزة حتى شماله يتقاسم السكان هنا وهناك المعاناة، فالنازحون الذين فروا من شبح الموت إلى جنوب قطاع غزة، يتوقون إلى العودة لديارهم في شمال القطاع، بعد أن لجأوا إلى العيش داخل خيام مهترئة لا تقيهم حر الصيف الشديد ولا برد الشتاء القارس، عدا عن انتشار الحشرات داخل الخيام وتفشي الأمراض المعدية بينهم، أما سكان شمال غزة فقد واجهوا آلة الحرب والقتل، التي تعمدت معاقبتهم على بقائهم بالمجازر وهدم بيوتهم، فهم يتوقون إلى وقف القصف والمجازر ويستعدون لاستقبال الأسرى من السجون الإسرائيلية وذويهم من النازحين جنوب القطاع.
في منطقة مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة حيث يوجد مئات الآلاف من النازحين، بدأت الاحتفالات والفرحة تجوب شوارع المنطقة، وبدأ النازحون يتجهزون للعودة لديارهم، وبالرغم من فقدان العديد من الأسر لأبنائهم، إلا أن وقف الإبادة سيطر على مشاعرهم وتحولت من الحزن إلى الفرح، فآلة القتل الإسرائيلية لا تتوقف عن قتل الغزيين وحرق خيامهم، فلا تكاد تمر لحظة وإلا يرتقي خلالها الكثير من الشهداء والمصابين.
حرب التجويع
في أحاديث منفصلة لمراسل «القدس العربي» عبر غزيون شاركوا في فعاليات احتفالية جنوب قطاع غزة، عن فرحتهم الكبيرة في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة وإنهاء حرب الإبادة المتواصلة منذ أكثر من عام، والتي حرمتهم النوم والعيش بأمان، عدا عن حرب التجويع التي مارسها الاحتلال كوسيلة للضغط على الغزيين وأنهكت أجسادهم. يقول المواطن أبو حمدان هو نازح مع أسرته من مخيم جباليا إلى منطقة التحلية غربي المدينة، «منذ أن بدأت الحرب لم نتوقع أن يأتي يوم وتنتهي، بعد الحشد الهائل من قبل إسرائيل للقوات واحتلال أجزاء من قطاع غزة، عدا عن التحريض العالمي على غزة، والذي مكنها من الحصول على الضوء الأخضر لارتكاب إبادة بحق السكان المدنيين».
ويشير بالرغم من حجم الألم والمصاب الجلل الذي ينتاب سكان قطاع غزة، نتيجة الفقد والدمار الكبير، إلا أن لحظة الإعلان عن التوصل إلى وقف لإطلاق النار، أشعلت دموع الفرح في أعين الكبار والصغار والنساء، لما في ذلك فرصة كبيرة لوقف الإبادة التي يمارسها الاحتلال بشكل جنوني ضد السكان، ووقف شلال الدم المستمر منذ عام ونصف.
ولفت إلى أن أكثر من مليون نازح من شمال ومدينة غزة، انتظروا على مدار أكثر من عام السماح لهم بالعودة إلى ديارهم، بعد أن خرجوا قسرا تحت القصف نحو الجنوب تاركين بيوتهم ومصالحهم، في خطة إسرائيلية لتهجير السكان من القطاع وإنهاء القضية الفلسطينية، لكن الاحتلال فشل في كل مخططاته.
أما الحاجة أم ميسرة فهي توشحت بعلم فلسطين، وخرجت بالزغاريد والتكبير تحتفل مع أعداد كبيرة من المواطنين بخبر التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، واللافت هنا أن الحاجة فقدت عددا من أفراد عائلتها بعد قصف طال منزلها في مدينة غزة مع بداية حرب الإبادة، ونزحت بعد دمار منزلها إلى جنوب قطاع غزة.
تقول الحاجة «بالرغم من المصاب الكبير الذي حل بعائلتي وبيتي، إلا أنني أشعر بالفرح بوقف الإبادة التي انهكت ودمرت أحلام ومصالح وأرزاق وحياة عدد كبير جدا من الغزيين، وها نحن اليوم وبفضل من الله وصلنا الى نهاية للمأساة التي لم نعهد أن واجهنا مثلها من قبل، على الرغم من تعرض غزة لحروب عديدة طوال السنوات الماضية».
وتأمل الحاجة أن يعم السلام والأمن على قطاع غزة، وألا تعود الحرب مرة أخرى خاصة بعد انتهاء مراحل الهدنة الثلاث، وأن يهتم العالم بتحسين الحياة في غزة، والعمل السريع على إعادة الإعمار، حتى لا يواجه المواطنون داخل مراكز الإيواء معاناة طويلة فحياة الخيام قاسية لا تطاق.
أرض معارك وحروب
أما المواطن أبو عزيز فهو يستعد لاستقبال نجله الذي من المقرر أن يتم الإفراج عنه ضمن المرحلة الأولى من الصفقة، بعد أن قضى في السجن 9 سنوات ومحكوم عليه بالمؤبد، فهو استقبل خبر التوصل إلى وقف إطلاق النار بالتهليل والتكبير، بالرغم من فقدان بيته في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
يقول نحن كشعب فلسطيني نعيش في أرض رباط مباركة وأرض معارك وحروب، ونؤمن جميعا بما يختبرنا به الله من صبر، السكان في قطاع غزة اعتادوا على الحروب والدمار، ونحن نحتسب كل ذلك عند الله، فالشهداء احياء عند ربهم، والخراب الكبير سيأتي الوقت القريب الذي نعمر به غزة، واليوم نحن نتوق إلى حرية الأسرى القابعين خلف أسوار السجون، والذين يعانون شتى أنواع الظلم والعذاب. وتابع هناك الآلاف من العائلات انتظرت اليوم الذي سيحرر فيه أهلهم من السجون الإسرائيلية، وها هي اللحظة التي طالما انتظروها قد حانت لاستقبال أسراهم ليلتم الشمل وتعود الحياة لطبيعتها كما كانت في السابق وأفضل.
يذكر أن حرب الإبادة قد أزهقت أرواح أكثر من 46 ألف مواطن منذ بدايتها مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى جانب وجود 10 آلاف مفقود تحت أنقاض البيوت المهدمة، يضاف إلى ذلك تدمير مساحات هائلة من المناطق المأهولة بالسكان بشكل كامل، وتدمير المرافق الصحية بشكل كامل سواء في مدينة غزة وشمالها، عدا عن اعتقال الاحتلال ما يزيد عن 6 آلاف مواطن داخل سجن سديه تيمان سيئ السمعة، منهم من قضى تحت التعذيب ومن خرجوا بإعاقات جسدية، ومنهم من على موعد مع الحرية خلال الصفقة الحالية.