دمشق – «القدس العربي» : أكد محللون سياسيون لـ«القدس العربي» أن الجامعة العربية تتعامل مع الإدارة الجديدة في سوريا، بنوع من الحذر والتوازن، مع السعي لفتح قناة للحوار، تمثلت بزيارة وفد برئاسة الأمين العام المساعد، والممثل الشخصي للأمين العام لجامعة الدول العربية حسام زكي إلى دمشق. وبينوا أن هذه الخطوة قد تقود إلى خطوات أخرى منها استعادة مقعد سوريا في الجامعة.
وزار وفد من جامعة الدول العربية برئاسة زكي، العاصمة السورية دمشق، حيث التقى السبت مع قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع، ووزير الخارجية أسعد الشيباني.
تقرير شامل
وأكد زكي أن الزيارة تهدف إلى إعداد تقرير شامل عن الوضع في سوريا، “ليتم تقديمه لجميع الدول العربية، بغية الوصول إلى رؤية موحدة، ولتكون جميع الدول العربية على اتجاه واحد تجاه سوريا”، لافتا إلى أنّ سوريا تعدّ بلداً محورياً، وما يحدث فيها ينعكس على الدول العربية كافة. كما أبدى تطلعه لتعزيز العمل المشترك مع أعضاء الجامعة العربية في مختلف المجالات، وعودة سوريا إلى مقعدها في الجامعة وحضورها جميع الفعاليات لتمثل صوت الشعب السوري الحرّ. وثمن التزام الدول العربية الثابت بوحدة الأراضي السورية، مشيراً إلى أنّ العقوبات المفروضة عليها لم تعد لها مبررات في الوقت الراهن.
دلالات الزيارة
زيارة وفد جامعة الدول العربية برئاسة زكي، إلى دمشق، دون أن يحضر الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط بشخصه للقاء الشرع، يمكن تفسيره وفق خبراء عرب ومراقبين للشأن السوري من عدة زوايا دبلوماسية وسياسية، أهمها إيجاد نوع من الحذر والتوازن في التعامل مع الحكومة السورية الحالية، وتجنب إعطاء الانطباع بوجود تقارب كامل مع هذه السلطة، كما حملت الزيارة حسب ما قال محليين لـ “القدس العربي” مجموعة من الدلالات.
وحول الترجمة السياسية والدبلوماسية لهذه الزيارة، يقول الأكاديمي الأردني المختص في العلوم السياسية د.نبيل العتوم لـ “القدس العربي” إن زيارة الوفد تشير إلى خطوة لتطبيع العلاقات بين الجامعة العربية وسوريا بعد سنوات من التجميد، حيث إن الأزمة السورية كانت سببًا رئيسيًا في تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية منذ عام 2011.
رسالة أبو الغيط
أما عن رسالة الأمين العام للجامعة العربية عبر إرسال مساعده حسام زكي بدلاً من حضوره شخصيًا، فإن ذلك يعكس من وجهة نظر المتحدث، نوعًا من الحذر والتوازن في التعامل مع الحكومة السورية الحالية. فقد يهدف ذلك إلى تجنب إعطاء الانطباع بوجود تقارب كامل أو دعم كامل، بينما يتم السعي لفتح قناة للحوار، وخاصة في إطار التحديات الإقليمية والدولية الحالية.
ومن ناحية أخرى، يمكن تفسير الرسالة المصرية حسب رؤية العتوم، على أنها محاولة لتحقيق مصالح مصر الاستراتيجية في المنطقة.
وقال: ترغب مصر في تحقيق توازن في علاقاتها مع سوريا ومع باقي الأطراف الإقليمية، مثل دول الخليج العربي، وهي تحاول الإبقاء على دور دبلوماسي محوري في الملف السوري دون أن تذهب بعيدًا في دعم النظام السوري الجديد بشكل مباشر، معتبرا أن هذه الزيارة بشكل عام، “خطوة إيجابية نحو استعادة العلاقات بين سوريا والجامعة العربية، لكنها تظل محكومة بحسابات دقيقة لعدة أطراف إقليمية ودولية”.
البعد الإسلامي
ورغم أن المشهد السوري هو مشهد مدعوم دوليا ومدعوم إقليميا من قبل تركيا ودول التعاون الخليجي وعلى رأسهم السعودية، إلا أنه من الواضح التأخر المصري، وهو ما تحدث عنه البرلماني العراقي السابق عمر عبد الستار لـ “القدس العربي” حيث قرأ هذا التأخر باعتباره “خوف مصر من الإسلاميين وبقاء الدولة من دون جيش”.
وفي رأي عبد الستار لدى مصر مخاوف من “تأثير البعد الإسلامي، فمصر لديها الحق في ذلك، سيما أنها عام 2013 خرجت من سطوة الإخوان المسلمين”، حسب قوله.
واعتبر أن التريث والتدرج ومراعاة المشهد “ضرورية لأمن مصر القومي وضرورية لسوريا في أن يكون نموذجها بعيدا عن نموذج الثورة المصرية، ونموذج الثورة الإيرانية وهذا ستكون له تداعيات كثيرة جدا”.
«سلطة أمر واقع»
ومن وجهة نظر مصرية، اعتبر الباحث المصري في الشؤون الإقليمية والدولية أحمد سلطان، في حديث مع “القدس العربي” أن رسالة الإدارة المصرية من هذه الزيارة منفصلة ولا علاقة لها برسالة الجامعة العربية، لافتا إلى أن “مصر تبدي موافقها الرسمية عبر وزارة الخارجية وعبر قنواتها الرسمية”. وعبّر المتحدث عن رؤية نظر بلاده أن مصر “تتعامل مع الوضع في سوريا أنها سلطة أمر واقع وعليها التزامات خاصة فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب وإن كانت لا تفضل هذه السلطة”.
والسبب وراء ذلك “اعتبارات تتعلق بمخاوف مصر من الخلفية الإسلامية للسلطة الجديدة” لكنه قال: في النهاية مصر ستتعامل مع هذه السلطة لأنه ليس لديها خيار آخر ولديها ملفات هامة تحتاج للتنسيق مع سوريا بشأنها وهذه سلطة فعلية ويجب على الجميع التعامل معها، فلا بديل لذلك.
وفيما يخص رمزية الزيارة سواء كان الممثل الأمين العام نفسه، أو حسام زكي، فإن “الأمر لا يختلف كثيرا” برأي الباحث السياسي المصري “وربما كان هذا الأمر يعود لانشغالات أخرى للأمين العام، وزكي لديه دور فاعل في الجامعة وحضوره يعكس حضور الأمين العام، والخطوة ليس هناك فرق كبير”.
وأضاف: الأمور لم تستقر في سوريا حتى الآن، ومع ذلك فلا يمكن القول أن هناك بديلا يمكن أن يقلب الأوضاع على الأقل في المرحلة الحالية.
وحول دلالات زيارة وفد جامعة الدول العربية قال سلطان: بالنسبة لزيارة وفد جامعة الدول العربية فطبعا الزيارة تأتي في توقيت هام ولها دلالات غاية في الأهمية، وهي أن جامعة الدول العربية تعترف بالأمر الواقع، والإدارة الجديدة في سوريا والتي هي السلطة الحالية، وأن الماضي الذي كان فيه بشار الأسد رئيسا ممثلا بجامعة الدول العربية بعد أن عاد في فترة حرجة، جاءت بعد قطيعة طويلة مع الجامعة، قد انتهت.
واعتبر أن “الجامعة تعترف فعليا في السلطة الحالية، وتبدأها بالزيارة وهذا يقود إلى خطوات أخرى منها استعادة مقعد سوريا في الجامعة العربية في ظل السلطة الجديدة” لافتا إلى أنه لا يمكن القول إن هذه الزيارة وحدها هي التي ستقود إلى هذه الخطوة، لكن على الأقل، ستكون هناك خطوات أخرى في هذا الصدد.
رسالة الجامعة العربية
أما عن رسالة جامعة الدول العربية، فتقول وفق المتحدث: “إن الماضي قد انتهى، ونحن أمام فترة جديدة نحتاج التزامات من جانب سوريا بالنسبة للجامعة العربية، وأن الأخيرة منفتحة على هذه السلطة، وبالتالي المطلوب من الإدارة العامة الجديدة أن تقدم على خطوات من أجل الدفع في اتجاه مسار استعادة مقعد سوريا في الجامعة… فالجامعة هي ممثلة للأعضاء، وهذا لم يكن أن يتم لولا وجود أعضاء عربية لديها الرغبة في تطبيع العلاقات مع الإدارة الجديدة والسلطة الحالية في سوريا، وبالتالي الجامعة العربية تعكس هذه الإرادة”.
إعادة سوريا إلى الحصن العربي
المحلل السياسي المصري طلعت طه، وصف لـ «القدس العربي» الزيارة أنها “خطوة مهمة خاصة بعد انقطاع سوريا عن جامعة الدول العربية فترة طويلة جدا منذ زمن”. وقال: بعد إزاحة نظام بشار الأسد عن الحكم، أصبح لزاما اليوم بالحكومة الجديدة والجامعة العربية ممثلة بالسيد حسام زكي مكاشفة واقتناء تقرير عن الوضع الحالي في سوريا، على أن تعود هذه البلد إلى جامعة الدول العربية خاصة أن اللقاء الذي جمع قائد الإدارة الجديدة احمد الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع حسام زكي، أكد على وجود الكثير من الدول العربية تتطلع لعودة سوريا مرة أخرى إلى جامعة الدول العربية.
واعتبر أن الزيارة هي من الجامعة العربية وباسمها، وليس من الضرورة أن يكون رئيس الجامعة في الزيارة، لافتا إلى وجود الكثير من الملفات التي يجري مناقشتها لإعادة سوريا إلى الحصن العربي.
في حين، اعتبر المتحدث الرسمي باسم هيئة التفاوض السورية السابق يحيى العريضي أن سلوك الجامعة متمثلا في الزيارة، يترجم أنه “مناصبة سوريا العداء”.
وقال: “عندما يرسل أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدول العربية مساعده حسام زكي إلى سوريا، ولا يحضر بشخصه، فلذلك معانٍ كثيرة، ومن بينها مناصبة سوريا العداء”.
وأشار إلى أن “الشعب سوري لا يريد ذلك، ولا يتمناه” وأضاف: نطمئنكم أنه إذا كان أحمد الشرع يشبه الأسدية على بعد مليون كم، لن نقبله؛ ولكن، ما لا نستطيع أن نحققه لكم هو أن نعيد الأسد بعد أن فرَّ. وتساءل العريضي قائلا، ماذا ستفعلون عندما نجلبه إلى المحاكمة؟!