أحيت جماهيرنا الفلسطينية في الوطن وكل مناطق الشتات هذا العام، الذكرى 67 للنكبة بتميز واضح، وكأنها على موعد مع النصر واستعادة الحقوق الوطنية.
ما ميز إحياء الذكرى هذه السنة، شموليتها، حيث يوجد الفلسطينيون، خاصة في منطقتي 48 وفي الضفة الغربية.. والوجود الكبير للعنصر الشبابي فيها.
من قبل قالت غولدا مائير في إشارة إلى التناسي الأكيد للقضية الفلسطينية: «الكبار يموتون.. والصغار ينسون!».. ماتت غولدا مائير وهي تشهد تناميا هائلا والتفافا والتصاقا من الشباب الفلسطيني بقضيته الوطنية، أكثر بكثير من كل الأجيال الماضية. ما ميّز الذكرى أيضا، شمولية مواجهة الأجيال الشابة الفلسطينية لقوات الاحتلال، وابتكارها أساليب جديدة في المقاومة الشعبية.
كنت ترى الشباب والأطفال الفلسطينيين، مملوئين إيمانا بقضيتهم الوطنية، ومتسلحين بالإرادة الصلبة في مواجهة قوات الاحتلال المدججة بالسلاح، وبالإيمان بحتمية الانتصار على الاحتلال. الجنود يستعملون قنابل الغاز الخانقة والمسيلة للدموع.. يلتقطها الشباب الفلسطينيون بكل قوة وإيمان، غير عابئين بالموت في سبيل الحرية ومن أجل فلسطين، ويقذفونها باتجاه جيش الاحتلال، فيخاف الجنود ويرتدون خائبين، الحجر والمقاليع والمرايا الزجاجية العادية، تحولت إلى أسلحة شعبية فلسطينية. بالنسبة لاستعمال المرايا.. يحملها الشباب في أيديهم فتعكس من خلالها وهج الشمس على عيون الجنود فتنعدم الرؤية لديهم!
إنه الابتكار الشعبي الفلسطيني.
15 مايو من كل عام ذكرى نكبتنا الأولى عام 1948! الذكرى المشؤومة في تاريخنا الفلسطيني والعربي.. يوم جرى ترسيم دولة الكيان القسري بفعل المؤامرة الاستعمارية – الصهيونية بالتعاون مع البعض العربي في تلك الفترة! يوم زُرع الكيان في الجسد العربي ليمنع تحرره الحقيقي (فلا تحرر قومي عربي بدون التحرر من المشروع الصهيوني واحتلاله البغيض لارضنا. هذه هي الحقيقة الأولى. أما الحقيقة الثانية فهي أن الاحتلال كان وسيظل عابرا في التاريخ الإنساني مهما طال تغلغله وامتداده، فهو بالحتم ماض إلى الزوال. الحقيقة الثالثة هي ألا فرق بين الفلسطينية والعربية، فالأولى هي فرع من الثانية.. لذا فإن أبناء أمتنا العربية، سيظلون يحملون قضيتنا الفلسطينية معهم وفي قلوبهم. احتفل الكيان بمناسبة ذكرى إنشائه. ما يسمى بـ»استقلال إسرائيل» هو نكبتنا الفلسطينية العربية الإنسانية. بعد ما يقارب السبعة عقود على إنشاء الكيان، ليس من الصعب على المراقب أن يلاحظ وبلا أدنى شك، أن جملة التطورات التي حدثت على الصعيدين الرسمي والاجتماعي منذ الإنشاء، تتلخص في: الجنوح مزيداً نحو التطرف والعنصرية… ذلك أن الايديولوجيا الصهيونية ذات الجذور التوراتية ما زالت هي الأساس والمنبع للسياسات الإسرائيلية في المناحي المختلفة، أي أننا أمام صورة أبقت على المضامين كأهداف استراتيجية (ومنها تلك التي ما زالت تطرح في الإطار الشعاراتي السابق لها) على قاعدة تعزيز هذه الشعارات مثل: «يهودية الدولة» و»عقيدة الأمن الإسرائيلي».
بالنسبة للأهداف الاستراتيجية الأخرى فقد بقيت تحمل المضمون نفسه، ولكن مع اختلاف بسيط في نمطية الشعارات المطروحة لتحقيقها، مقارنة مع مثيلاتها لدى ترسيم إقامة الكيان. هذه الشعارات أخذت تبدو وكأنها أكثر مرونة، لكنها المرونة التكتيكية التي لا تتعارض مع الجوهر، بل هي تتواءم وتصل حدود التماهي معه، مع الحرص على إعطائها شكلاً انتقالياً جديداً للتحقيق… لاعتبارات سياسية وإقليمية ودولية تحتم هذا الشكل الانتقالي، ولكن على قاعدة الاتكاء على الايديولوجيا ذاتها.. فمثلاً الهدف في إنشاء «دولة إسرائيل الكبرى» الذي كان مطلباً ملحاً ما قبل وعند إنشاء الدولة… أصبح بفعل المستجدات السياسية الموضوعية مسألة صعبة التحقيق، إن لم تكن مستحيلة… وبالتالي فإن السيطرة تحوّلت من الشكل المباشر عبر الاحتلال إلى شكل آخر غير مباشر، وهو السعي لتحقيق السيطرة ذاتها من خلال السيادة والهيمنة والتحكم الاقتصادي، على سبيل المثال، ولذلك فإن الخلفية التي أصبحت تتحكم في النظرة الإسرائيلية إن على صعيد رؤية الذات كالدولة الأهم في المنطقة، أو على صعيد العلاقة مع الدول العربية والإقليمية، تقوم على نظرية السيادة والتسيّد المطلق.
أما لماذا التحوّل من شكل الهيمنة الجغرافية إلى الأخرى الاقتصادية، فإن ذلك يعود إلى:
أولا:وجود عقبات فعلية أمام تطبيق المشروع الصهيوني لأسباب خاصة باليهود أنفسهم، فالخطة الصهيوإسرائيلية بتهجير كافة يهود العالم إلى إسرائيل، واجهت وما زالت تواجه مصاعب كبيرة، بالتالي فإن أي احتلال إسرائيلي لمناطق جغرافية جديدة يلزمه بُعد ديموغرافي عسكري، وهو ما يفتقده الكيان.
ثانيا: العامل الفلسطيني ذاته، الذي عبّر عن نفسه أكثر بالمقاومة الفلسطينية بكافة أشكالها، خاصة العسكرية منها، الأمر الذي فرمل الحلم الصهيوني من جهة، ومن جهة اخرى عمل على الحد من الهجرة اليهودية إلى الكيان، كما ساهم في رفع وتيرة الهجرة المعاكسة منها، نتيجة لانعدام الأمن.
ثالثا: عوامل شعبية عربية بالضرورة. فاصطفاف الجماهير العربية مع القضية الفلسطينية واعتبارها قضيتها الرئيسية، وفشل التطبيع معها (تجربة الشعب المصري بشكل رئيسي بعد اتفاقيات كمب ديفيد) كما الرفض الرسمي الصهيوني لما يسمى بـ «مبادرة السلام العربية» إضافة إلى العدوانية الصهيونية الدائمة على الفلسطينيين والعرب، كما العدوان الإسرائيلي في عام 2006 على لبنان، وقصف مواقع في سوريا وبلدان عربية أخرى والعدوان على غزة 2014، كل ذلك وغيره يقرع الجرس لتنبيه العرب إلى الخطر المستقبلي الصهيوني على الفلسطينيين والعرب.
رابعا: عوامل دولية فإذا ما استثينا الاحتلال الأمريكي الذي قام في العراق (وما زالت آثاره باقية) وأفغانستان، فإن الاحتلال الوحيد الذي بقي في القرن الواحد والعشرين هو الاحتلال الصهيوني الكياني للأراضي العربية الفلسطينية. بمعنى آخر فإن طبيعة التحولات السياسية على الصعيد العالمي والتفاف شرائح كثيرة دولية حول الحقوق الوطنية الفلسطينية وشرعية المطالبة بها والنضال من اجلها، إضافة إلى قرارات الأمم المتحدة حول الحقوق الفلسطينية ووجود عالم القطبين (حتى انهيار الاتحاد السوفييتي ودول المنظومة الاشتراكية) ووجود دلائل على إمكانية إحياء هذه الظاهرة، من خلال روسيا وإلى حد ما الصين، والكره الذي تنظر به غالبية شعوب العالم إلى ظاهرة الاستعمار واحتلال أراضي الغير وارتفاع وتيرة المطالبة بحقوق الإنسان، كل ذلك وغيره من العوامل يجعل إمكانية احتلال إسرائيل لأراض عربية جديدة إمكانية غير واقعية وستكون مُدانّة دولياً، في ما لو جرى تنفيذها.
حصيلة القول: إن الاحتلال الصهيوني لأرضنا لن يبقى وسيحمل الغزاة مشروعهم، مثل كل الغزاة، على ظهورهم وسيرحلون، وإن شعبنا سيظل يقاوم بكل الوسائل والطرق المُبتكرة والمُتجددة دوما حتى تحرير أرضه من خلال كنس الاحتلال.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد