هل أتاك الحديث؟

من العبارات المكررة في القرآن الكريم عبارة هل أتاك حديث..؟ كما في قوله تعالى في سورة الغاشية (1): (هل أتاكَ حديثُ الغَاشِيَةِ) أو في سورة البروج (17-18 ): ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ)، أو في سورة الذاريات (24 ): (هل أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ).
وهذه العبارة لا إشكال فيها من جهة وضوح معناها، فالمفسرون لم يجدوا عنتا في تحديد المخاطب وتعيينه، إذ أجمعوا على أنّه الرسول عليه السلام وهو المعني المباشر بالخطاب وأكّدوا أنّ الجملة تقال إيذانا بالدخول في سرد تفصيلي متعلق بموضع السؤال، سواء أتعلق الأمر بالغاشية أم الجنود، أم بضيف إبراهيم، أم بغير هذه المواضيع من الحديث. فعبارة (هل أتاك؟) وما تعلقت به من العبارات تحمل مشروع سرد مختصر سيصبح بتقدم الكلام تفصيليا. غير أنّ ما يعنينا من هذه العبارة المكررة في القرآن أمران مترابطان أوّلهما، هل يمكن اعتبار ( هل أتاك؟) عبارة شبه جاهزة في القرآن؟ وثانيهما كيف يمكن لهذه العبارات المكررة أن تنحت أسلوبا في القصّ شبه جاهز؟
العبارات الجاهزة أو المتكلسة تحيل في اللسانيّات على العبارات المؤلفة من مجموعة من الكلمات التي لا يتألف جماع معناها من معاني مفرداتها، ولا تدلّ على ما تدلّ عليه الكلمات في الأصل من المعاني الصريحة التي تدل عليها. لهذا غالبا لا تقبل العبارات الجاهزة الترجمة من لغة إلى أخرى، دون فقدان الفروق الدلالية والثقافية الدقيقة. فلو قلت مثلا (فلان ظهر المجن)، أو (قضى نحبه) فإنّ دلالتي التعبيرين لا تكمنان في معنييهما الحرفي ولكنّ تأويلهما بردّهما إلى العادة الاستعمالية هو ما يعطيهما تلك الدلالة، ولو ترجمت كل عبارة إلى معناها الأصلي لفقدت قيمتها الاستعمالية الوظيفية والتداولية في الثقافة العربية.
لكنّ عبارة هل أتاك حديث كذا؟ التي ذكرناها في الآيات أعلاه ليست من هذا الضرب، لأنّ مكونات المركب يمكن أن تفيد معناها الحرفي وهو: أبلغك الخبر الذي يتعلق بكذا أو قصته؟ لذلك لم تكن هذه العبارة عبارة جاهزة أو متكلسة مثل العبارات المتكلسة التي ذكرنا. بيد أنّ عناصر أخرى سياقية وتكريرية يمكن أن تجعل من هذه العبارة وهي في سياقها من النصّ تعامل وكأنّها عبارة جاهزة وذلك لأسباب تواضعية موضعية إدراكية نفصلها لاحقا.
ما يجعل العبارات الجاهزة متكلسة، أنها تفقد دلالتها الوضعية الأصلية ويعاد التواضع عليها من جديد بأن تلبّس معنى ليس معناها الأصلي، وهذا تقريبا ما حدث في عبارة هل أتاك حديث كذا؟ من المعلوم أنّ المواضعات هي شأن يتعلق بكل عبارة مفردة ولكنّه لا يتعلق بالعبارات المركبة. فنحن نتواضع اعتباطا ورمزا على أن نسمي أداة الكتابة قلما والحلاقة مقصّا وبري القلم مبراة، هكذا تواضعنا على هذه الأسماء في العربية. لكنّ هناك ضربا من المواضعة العقلية أو التركيبية لا تكون على الجمل بل تكون على هندستها أو أشكال توليفها أو تركيبها وهذا يسميه النحاة العرب المواضعة العقلية، لأنّ الكلام مبني على الإسناد والإسناد أمر عقلي فيه تفاهم بين المتكلم والمستمع على ضرب من تفكيك المعنى تفكيكا عقليا بمتابعة العلاقات التركيبية والدلالية، بين الكلم في الأقوال فعقل المتكلم وحدسه يقودانه إلى أنّ توليف الكلام ينبغي أن يكون على هيئة معلومة، حتى يفهمه المستمع ويتعقّله. في ترتيبنا للجملة الاستفهامية (هل أتاك حديث الغاشية؟) نوع من المواضعة العقليّة، على أنّه علينا أن نقدم أداة الاستفهام في الصدارة ونجعل رأس الجملة الفعلية فعلا ونرفع الحديث وننصب الغاشية.. هذه مواضعة حدسية موجودة في الأذهان حتى قبل أن يأتي النحاة ويسموا لنا المكونات باسم الفعل والفاعل والمفعول.
وما حدث من تكرير (هل أتاك حديث…؟) في كثير من السياقات في النص القرآني وهي سياقات متشابهة هو ضرب من المواضعة الإدراكية، على أنّ هذه العبارة تأتي تقديما لتفصيل حكاية أو قصة أو خبر. وبما أنّ العبارة ترد في مواضع متشابهة هي أنّها تكون سابقة لقص حكاية، أو خبر فإنّنا سنسميها مواضعة موضعية إدراكية. المواضعة تكون في الغالب سمتها الاعتباطية ولكنّها اعتباطية معقولة، فنحن مثلا في الاتفاق على عبارة (قلم) لم نتفق مجانا، بل فعلنا ذلك تجنبا لإشكالات سوء التفاهم الذي يترتب عن عقلنة الأسماء، حتى تناسب مسمياتها. في العبارات الجاهزة نحن نستعمل اعتباطية المواضعة الأصلية التي في الكلمات مع المركبات بأن نفسخ دلالاتها الإفرادية، التي تكونها وتؤلفها عقلا لكي تكون في حلّ من معانيها القديمة. في العبارة (هل أتاك حديث كذا؟) باتت المواضعة لا على فحوى السؤال فقط، بل على ما لهذه العبارة من وظيفة الإنباء بحدوث سرد مقبل. لقد أدرك المتتبع للعبارة في النص القرآني، أنّ هناك برنامجا سرديا في الأفق حين يكون مسبوقا بهذه العبارة.
يكون السؤال أسلوب التفات مع سؤال هل أتاك حديث وهذا ما يمكن أن نلحظه في السياقات التي ذكرت فيها هذه العبارة ففي سورة الغاشية، فإنّ العدول بين السؤال هل أتاك حديث الغاشية من ناحية والجواب هو أنّه انتقل من عبارة مختصرة هي عنوان السؤال إلى تفصيل لما يحدث في يوم القيامة. حين ننتقل من السؤال عن الحديث نجد أنفسنا إزاء تصوير أو إدراك للوضعية إدراكا مباشرا فالوجوه الخاشعة تصلى من نار حامية وتعذب أنواعا من العذاب وصنوفا من المكاره على النقيض من وجوه أخرى تنعم بالجنان وما فيها من أمان وراحة واطمئنان. الطريف في الانتقال من السؤال إلى الجواب في أنّ الحديث سينقل صورا غير معلومة ولذلك ينتقل المرء من مجرد المسألة إلى أن يكون شاهدا مدركا ومرئيا حتى يبني لنفسه صورة وموقعا أين يكون.
وفي تفسير ابن كثير يقول عن قوله في سورة البروج: أي هل بلغك ما أحل الله بهم من البأس وأنزل عليهم من النقمة، التي لم يردها عنهم أحد؟ وهذا تقرير لقوله تعالى «إن بطش ربك لشديد»، أي إذا أخذ الظالم أخذه أخذا أليما شديدا أخذ عزيز مقتدر قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال، مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ «هل أتاك حديث الجنود» فقام يستمع فقال «نعم قد جاءني» لقد مثل السؤال في هذا السياق حوارا فيه عدول من عدم المعرفة إلى المعرفة ومن السؤال المستوجب للقص إلى السؤال عدم المستجيب له.
خلاصة الأمر من هذا أنّ تكرير العبارة في النص القرآني يمكن أن تكون مؤشرا على فعل سرديّ، وأنّ هذا التكرير لهذا المؤشر يفقده دلالته العامة أو الخطية ويجعله قريبا من العبارات الجاهزة، التي تقال لا تفيد معناها بل لتفيد معنى سياقيا آخر. وفي الإدراك للسؤال وما ارتبط به من قصّ ضرب من التحويل لوجهة السؤال عن أيّ شيء طرازي أو مألوف.
أستاذ اللسانيات بالجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية