الرباط – «القدس العربي»: بين وصفها بـ «المفاجأة» والقول إنها «تحصيل حاصل»، أثارت دراسة أنجزتها «جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الانسان»، في موضوع «العنف القائم على النوع الاجتماعي في قطاع السينما في المغرب»، جدلا واسعا، خاصة بعد تأكيدها تعرض 80 في المئة من النساء العاملات في السينما للعنف.
الدراسة التي نشرتها الجمعية على موقعها الرسمي، أعادت إلى الواجهة تصريحات وقضايا سابقة لفنانات مغربيات أكدن تعرضهن للتحرش الجنسي، الذي يعتبر واحدا من مظاهر العنف ضد النساء، مثل قضية الفنانة نجاة خير الله، التي كانت قد اتهمت زميلا لها في التمثيل بالتحرش الجنسي، وكانت الواقعة التي شهدها عام 2021، موضوع تدوينات وجدل ونشر محادثات خاصة، بل وصلت إلى القضاء، وهي اتهامات نفاها الممثل جملة وتفصيلها.
كما استعادت ذاكرة المغاربة تصريحات فنانة هي نجمة اليوم وحاضرة بقوة في عدد من الأعمال الدرامية والكوميدية خاصة الرمضانية، ويتعلق الأمر بالفنانة فدوى الطالب، التي قالت خلال استضافتها في برنامج تلفزيوني، إن ظاهرة التحرش الجنسي موجودة وبشكل كبير في الوسط الفني، مؤكدة تعرضها لذلك في بداية مسيرتها، إلا أنها واجهت المحاولة من أحد العاملين في الوسط الفني، ووضعته عند حده، وبسبب ذلك رفضت المشاركة في العمل الفني.
قضايا أخرى وتصريحات وحوارات متفرقة لكنها قليلة، أشارت إلى تعرض فنانات أو عاملات في مجال الفن من سينما ودراما وغيرهما للتحرش أو العنف أو التمييز، وهو ما أبرزته الدراسة بالأرقام، لكن القضية ليست محلية فهي عالمية، ولعل هوليوود أبرز نموذج على ذلك من خلال القضايا الأخيرة التي جرّت مخرجين ومنتجين إلى المحاكم ومنهم من أدين بتهم التحرش الجنسي.
لكن «المسألة تبقى طي الكتمان»، كما يؤكد عدد من المتتبعين، فيما يجزم البعض الآخر، بأنها مسألة «حوادث متفرقة»، وهو ما لا تتفق معه دراسة «جمعية اللقاءات المتوسطية للسينما وحقوق الانسان»، وهي تسرد التفاصيل عبر بوابتها أو موقعها الإلكتروني، وتقدمه في مؤتمر صحفي احتضنه مقرها في العاصمة الرباط.
واستعرضت الدراسة أنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومنها العنف النفسي والاقتصادي والجنسي، لتخلص إلى أن 80 في المئة من العاملات في مجال السينما تعرضن للعنف، وإحصائيا فإن من بين 15 مشاركا / مشاركة في تلك مقابلات التي أجراها فريق العمل، أكد 80 في المئة تعرضهن/ تعرضهم أو شهدن/ شهدوا حالة واحدة على الأقل من العنف القائم على النوع الاجتماعي خلال المسار المهني.
فيما تشير نسبة 20 في المئة المتبقية، إلى أنها لم تشهد أي نوع من العنف القائم على النوع الاجتماعي، مع تأكيد أنهم عاشوا شخصيا تجارب متعلقة بالعنف (النفسي، الاقتصادي، أو الجسدي) المرتكب خارج نطاق النوع.
الدراسة التي جاءت تفعيلا لإحدى التوصيات الرئيسية التي تضمنتها دراسة أخرى في موضوع «السياسة العمومية في مجال السينما وحقوق الإنسان في المغرب: في أفق الملاءمة مع دستور الحقوق والحريات»، أقرت بأن فريق العمل واجه ضعف المعلومات والمعطيات النوعية والكمية الموثوقة، وندرة المبادرات والمصادر الموثوقة التي تعالج الموضوع في مجال السينما في المغرب.
وتفيد الجمعية بأن المقابلات مع المستجوبين أجريت وفقا لقواعد الموافقة الصريحة والدقيقة للأشخاص المستوجبين، والتي اعتمدت مبادي الموضوعية وعدم الكشف عن الهوية والسرية، ووفقا لبعضهم فإن هناك عدة عقبات لا تشجع على التبليغ بشكل عادي ومنهجي عن حالات العنف، كما تطرقت إلى تأكيد الأشخاص موضوع المقابلات، التفاعل الكبير لـ «المركز السينمائي المغربي» (المسؤول عن المتخصصين والمتخصصات في المجال التقني) ووزارة الثقافة (المسؤولة عن الفنانين)، مع الشكايات المقدمة المتعلقة بالعنف القائم على النوع، لكن دورهما يقتصر فقط على الوساطة، كما انتقدوا ندرة عمليات المراقبة التي يقوم بها كل منهما مما قد يسهل وقوع العنف، وخاصة العنف المتعمد.
ووفق المصرحين أنفسهم ، فإن «دفاتر التحملات» الصادرة عن المركز السينمائي المغربي أو الشركات التلفزيونية المبرمة مع شركات الإنتاج، لا يتم احترامها على أرض الواقع في كثير من الأحيان. وهو ما يؤدي إلى خلق ظروف قد تكون مناسبة لظهور العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة بسبب توقيت العمل (الذي يتجاوز 12 ساعة يوميا)، فضلا عن الأعباء الإضافية التي لا يتم تقييمها موضوعيا في العقود، كما أشاروا إلى غياب عقود عمل تحمل مواد موحدة، الشيء الذي لا يشجع ضحايا العنف على التبليغ.
ومن وجهة نظر الدراسة، فإن العنف ضد المهنيات في مجال السينما ليس بالظاهرة الجديدة، على اعتبار أن عالم الفن السابع فضاء عمل جماعي ومختلط وتحكمه التراتبية، ويشرف عليه ويؤطره بشكل خاص الرجال.
في رأي البعض، فإن الدراسة سلطت الضوء على موضوع يتكتم عليه الجميع بمن فيهم الضحايا، من النساء اللواتي نادرا ما يبلغن عن مثل هذه الحالات، ومن الصعب أن تجد فنانة أو تقنية أو عاملة في قطاع السينما تتحدث عن تعرضها للعنف، ويرجع السبب ـ وفق بعض المتتبعين ـ إلى الحصار الذي ستعانيه المعنية بتلك التصريحات، فلا مكان لها في أي عمل مستقبلا، ناهيك عن مسألة الحرج الاجتماعي، وما يخلفه البوح والكشف عن مثل هذه الوقائع من نظرة «معيبة» للمرأة بشكل عام خاصة المسائل الجنسية وما يخص التحرش، أما لو تعلق الأمر بنجمة مثلا فالقضية أكثر قسوة والحكم مطلق وجاهز لدى الجميع.