عاموس هرئيل
صفقة المخطوفين تتقدم وفق ما هو مخطط لها. الفوضى التي سادت الخميس في مراسم إعادة المخطوفين التي قامت بها حماس في خان يونس، حل محلها صباح أمس جهد واضح من قبل حماس لإعادة فرض النظام، من خلال عرض سيطرتها على قطاع غزة. تسلم الصليب الأحمر المخطوفين عوفر كلدرون ويردين بيباس -وهما من “كيبوتس نير عوز”- من منطقة خان يونس، أما كيث سيغال -وهو من “كيبوتس كفار عزة”- فجرى تسليمه في ميناء غزة، بدون أي مشاكل.
لقد أثقل على السعادة من إعادة المخطوفين النبأ الذي أصبح مؤكداً، وهو أن بيباس فقد عائلته عقب هجوم حماس في 7 أكتوبر. كلدرون وسيغال هما أكبر سناً، وقد أصيب عدد من أبناء عائلاتهم والأصدقاء في المذبحة. عانيا كما يبدو من معاملة قاسية ومن تنكيل في الأسر. وربما مسألة احتجاز المخطوف لفترة طويلة، تقريباً 16 شهرا، في الأنفاق أو في بيت فوق الأرض، تؤثر على حالته النفسية والعقلية عند عودته إلى البيت. الشجاعة وضبط النفس والسرور الذي يظهر في كل صورة أو كل تقرير عن المراقبات الشابات، تسر القلب. وثمة مشاهد مشابهة وثقت أيضاً في اللقاءات المؤثرة لكلدرون مع أبناء عائلته أمس، لكن من المبالغ فيه توقع رؤية الشيء نفسه في كل النبضات القادمة. ويفضل أن يدرك الجمهور الإسرائيلي هذا مسبقاً.
صفقة المخطوفين تتقدم وفق ما هو مخطط لها. الفوضى التي سادت الخميس في مراسم إعادة المخطوفين التي قامت بها حماس في خان يونس، حل محلها صباح أمس جهد واضح من قبل حماس لإعادة فرض النظام
ولكن هناك من يريد التأكد من عدم إتمام مراحل الصفقة القادمة – بقي حتى الآن 79 مخطوفاً في القطاع، الذين أكثر من نصفهم أموات. يدور الحديث عن المشبوهين العاديين. أمس، سرب مصدر سياسي غير معروف، للقناة 12 بأن إسرائيل تقدر أن حماس سترفض إطلاق سراح جميع المخطوفين الأحياء في المرحلة الثانية من الاتفاق، لأنها تريد استخدامهم كبوليصة تأمين لقادتها الذين ما زالوا على قيد الحياة. وفي هذه الحالة، ادعي بأن إسرائيل ستستأنف القتال.
بأسلوب مشابه، على الأغلب في القناة نفسها، اهتم محيط نتنياهو ومحيط سموتريتش بالتشويش على تنفيذ صفقة المخطوفين في ثلاث محطات على الأقل خلال السنة الماضية. وساهمت حماس في هذا التشويش. تأخير الصفقة منذ شهر تموز الماضي، كلف حياة ليس أقل من ثمانية مخطوفين و122 جندياً إسرائيلياً، الذين قتلوا في المعارك حتى وقف إطلاق النار في 19 كانون الثاني الماضي.
جاءت التسريبات هذه المرة على خلفية زيارة نتنياهو لواشنطن، حيث سيلتقي الثلاثاء مع ترامب. رئيس الحكومة الذي لم يف حتى الآن بتعهده زيارة نير عوز، ساحة الكارثة التي شهدتها عائلة بيباس وعائلة كلدرون وعائلات أخرى، أصابته مؤخراً مشاعر الغرور. نتنياهو ومستشاره المقرب جداً الوزير رون ديرمر، على ثقة كبيرة بأنهما سينجحان في إقناع ترامب في اتخاذ مواقف كما يريدان، في اللقاء الذي يوصف بأنه الأكثر مصيرية من بين اللقاءات بين رؤساء الدولتين منذ سنوات.
ثمة رسائل مشابهة نقلت من نتنياهو إلى سموتريتش على أمل إبقاء حزب “الصهيونية الدينية” في الائتلاف وعدم الانسحاب منه بعد انتهاء الأسابيع الستة التي خصصت للمرحلة الأولى من الاتفاق. حسب هذه التنبؤات، ستتفجر المفاوضات على الصفقة، ولذا لن تنفذ المرحلة الثانية وستستأنف الحرب. إضافة إلى ذلك، يعلقون هناك آمالاً كبيرة على الانشغال الكثيف لترامب بتصريحات علنية على الأقل، بإمكانية فرض استيعاب مئات آلاف الفلسطينيين من سكان غزة على مصر والأردن، في الوقت الذي تمول فيه دول الخليج إعادة إعمار أنقاض الحرب. حكومة مصر والعائلة المالكة في عمان، عبرتا عن معارضة كبيرة لذلك، لكن نتنياهو متفائل. وثمة هدف وطموح أكثر يختفي من وراء هذا التطلع الذي يسعى إليه اليمين، وهو استغلال الحرب لفرض طرد دائم للفلسطينيين من قطاع غزة، وإعادة سيطرة إسرائيل عليه وبناء المستوطنات.
هذه الآمال لم يتم التنازل عنها حتى بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من ممر نتساريم هذا الأسبوع، والسماح لمئات آلاف الفلسطينيين بالعودة إلى شمال القطاع. العودة إلى الشمال كانت معقدة. الدمار كبير جداً، أكثر مما قدر كثير من العائدين. هناك حتى مشكلة في تزويد دائم لمياه الشرب في كثير من البلدات المدمرة. اضطر بعض العائدين للعودة إلى الجنوب مرة أخرى لنقص في المياه والخيام شمالي القطاع.
اجتمعت في القاهرة أمس لجنة وزراء خارجية لعدد من الدول العربية، من بينها السعودية والإمارات. إلى جانب مباركة وقف إطلاق النار والتأكيد على الحاجة للحفاظ على سكان القطاع على أرضهم ومنع تهجير آخر، وقيل في البيان المشترك إن هذه الدول تؤيد الحقوق القانونية للشعب الفلسطيني. وظهر هذا أيضاً كتحية سعودية لنتنياهو عشية زيارته في واشنطن.
مقابل آمال نتنياهو وشركائه، ثمة مصادر سياسية وأمنية في إسرائيل تعتبر عودة المخطوفين وإنهاء القتال في غزة حجر الزاوية لخطوات ترامب في الشرق الأوسط. وتقدر بأن السعودية تشترط إنهاء الحرب في القطاع، للانضمام إلى عمليات إعادة الإعمار، والتوقيع على صفقة مع الولايات المتحدة، تكون مرفقة أيضاً باتفاق التطبيع بين إسرائيل والسعودية.
عائلات العائدين وعائلات المحتجزين في غزة يبذلون جهوداً كبيرة للمضي باستمرار عودة المخطوفين. ويجدر الانتباه إلى أن الآباء يشددون على واجب ترامب، في حين يقفزون عن شكر نتنياهو. القسم الأول ينبع من فهم الحاجة إلى شكر ترامب دائماً لتشجيعه على العمل. والقسم الثاني تم القيام به بشكل متعمد لئلا يتملص نتنياهو من الصفقة، ويبدو أيضاً من أجل إغضاب الأبواق المطالبة بشكره على عمله طوال الوقت. تجري النشاطات أمام البيت الأبيض بصورة متواصلة ومباشرة بهدف التأكد من أن مصير المخطوفين لن ينزل عن جدول الأعمال في واشنطن.
حتى لو اعتقد نتنياهو بأنه الأكثر معرفة من غيره، ستبقى خطوات ترامب القادمة غير متوقعة، فالضبابية والتصريحات المتناقضة جزء من طابع عمله. مفترق الطرق الحالي يذكر بالتوتر بعد عرض “صفقة القرن” في شتاء 2020، في ولاية ترامب الأولى. في حينه، وعد قسم في الإدارة، وسارع رجال نتنياهو لإعلان ذلك على الملأ بـ “سيادة في اليوم الأول”. كان القصد اعتراف أمريكا بضم المستوطنات في الضفة الغربية لإسرائيل، لكن ثارت ضجة كبيرة في الإدارة نفسها، وأغلق القسم الذي يعارض الضم. تصعب معرفة إلى أين ستتطور الأمور هذه المرة، فثمة أمور أكبر موضوعة على كفة الميزان.
هآرتس 2/2/2025