دمشق ـ «القدس العربي»: قال الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، أمس الأحد، خلال زيارته إلى السعودية، التي تعد الأولى منذ تسلم منصبه، أنه لمس من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، رغبة حقيقية لدعم سوريا في بناء مستقبلها.
ورافق الشرع وزير الخارجية أسعد الشيباني. ونشرت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» صورا للزيارة، كما نقلت عن الشرع رسالة تقدم فيها بالشكر لبن سلمان على حفاوة الاستقبال والاستضافة، بينما بثّت وسائل إعلام سعودية مشاهد لوصول الشرع إلى الرياض، حيث استُقبل رسمياً في المطار.
وهنأ ولي العهد السعودي الشرع بمناسبة توليه رئاسة الجمهورية العربية السورية، متمنيا له التوفيق والسداد في تحقيق آمال وطموحات الشعب السوري، وفق «واس»
من جانبه، أعرب الشرع عن شكره وتقديره لولي العهد ابن سلمان على مشاعره الصادقة، وعلى مواقف المملكة تجاه سوريا وشعبها.
وجرى خلال الاستقبال بحث مستجدات الأحداث في سوريا والسبل الرامية لدعم أمنها واستقرارها، ومناقشة أوجه العلاقات بين البلدين وفرص تعزيزها في مختلف المجالات، إلى جانب استعراض تطورات الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة بشأنها، وفق وكالة الأنباء السعودية.
وقال الشرع: «أجرينا اليوم (أمس) اجتماعاً مطولاً لمسنا وسمعنا من خلاله، رغبة حقيقية لدعم سوريا في بناء مستقبلها، وحرصا على دعمِ إرادة الشعبِ السوريَّ ووحدة وسلامة أراضيه، كما تناولنا خلال الاجتماع نقاشاتٍ ومحادثاتٍ موسَّعةً في كلِّ المجالات، وعمِلْنا على رفعِ مستوى التواصلِ والتعاونِ في كافةِ الصُّعد، لا سيما الإنسانيةِ والاقتصادية».
وحسب «سانا» فقد ناقش الاجتماع «خططًا مستقبليةً موسَّعة، في مجالاتِ الطاقةِ والتقانة، والتعليمِ والصحة، لنصل معاً إلى شراكةٍ حقيقية، تهدفُ إلى حفظِ السلامِ والاستقرارِ في المنطقةِ كلِّها، وتحسينِ الواقعِ الاقتصادي للشعبِ السوري، هذا بجانب استمرارِ التعاونِ السياسيِّ والدبلوماسيِّ تعزيزاً لدورِ سوريا إزاء المواقفِ والقضايا العربيةِ والعالمية، خصوصاً بعدَ النقاشاتِ التي أُجريَت في العاصمةِ السعوديةِ الرياض، خلالَ الشهرِ الفائت».
ويشير خبراء ومراقبون لـ «القدس العربي» الى أن اختيار السعودية كأول بلد يزوره الشرع يحمل معاني عدة سياسية واقتصادية وهوياتية.
محللون يشرحون لـ«القدس العربي» أبعاد وأهداف الخطوة
المحلل السياسي السعودي الدكتور إياد الرفاعي قال في حديث مع «القدس العربي» إن الزيارة تحمل مضامين اقتصادية، وسياسية على المستويين الإقليمي والدولي، ومضامين هوياتية مرتبطة بالهوية العربية والإسلامية، وهي كانت الأسباب لاختيار المملكة العربية السعودية كأول وجهة للريس الشرع خارج البلاد، إضافة إلى أسباب شخصية حيث تحدث الشرع أنه ولد في الرياض وتربى فيها ويشتاق لرؤية الرياض.
وزاد: سوريا اليوم تحت عهد جديد في فترة نأمل أن تكون فترة استقرار ورخاء بعد حوالي 15 سنة من الشتات والعذاب، معبرا عن اعتقاده بأن «الخطوات السورية البراغماتية منذ الثامن من ديسمبر، لم تكن فقط على المستوى الإقليمي، ولكن على المستوى الدولي، حيث لاحظنا قبل أيام معدودة زيارة نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، والمبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرينتيف إلى سوريا، لحلحلة المشكلة مع الروس».
نموذج جديد
وأضاف في السياق ذاته « الجانب السوري أوضح خلال نقاشات دافوس مرونة في التعامل مع الدول الغربية، كذلك في الحديث عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث تحدث وزير الخارجية السوري بمرونة عالية عن الإدارة الأمريكية، فمن الواضح أن النموذج السوري الحديث الآني يضرب لنا نموذجا جديدا بعيدا عن الأيديولوجيات، هو أقرب إلى العملية والبراغماتية». وأضاف: «هناك تشابه كبير في التواصل بين النموذج السوري والدول حول العالم مع النموذج السعودي، حسب ما ذكر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، فإن الحكومة تستلهم الكثير من رؤية 2030، وهذا يدلل على انفتاح سوريا على الأسواق العالمية، وتغيير كل الأفكار التي كانت تحاصر سوريا خلال 60 عاما الماضية، فقد كانت دولة تعتمد على المعونات والدعم للسلع لإرضاء المواطنين، لكن سوريا اليوم ستشهد انفتاحا اقتصاديا لجلب الأسواق الإقليمية والدولية وهي بذلك تسترشد بنموذج 2030، كما ذكر وزير الخارجية السوري.
خطوة موفقة
في حين وصف الباحث السوري لدى مركز «حرمون للدراسات» طلال عبد جاسم، اختيار المملكة العربية السعودية أول وجهة لرئيس سوريا إلى خارج البلاد بأنها خطوة ذكية وموفقة.
وقال: إن هذه الزيارة تأتي بينما ترتسم معالم سياسة الإدارة الجديدة، والتي تتوجه إلى محيطها العربي وتتعامل بإيجابية مع كل الدول العربية حتى تلك التي أبدت قلقا أو تخوفا من توجهات هذه الإدارة.
وأوضح لـ «القدس العربي» أن سوريا الجديدة تركز على العلاقات السورية السعودية لإيصالها إلى أفضل مستوى «هو خيار جيد واختيار زيارة السعودية كأول وجهة خارجية للرئيس خطوة ذكية وموفقة، وذلك وسط التنافس والتناحر الشديدين بين الدول الكبرى متمثلة في أمريكا وأوروبا من جهة وروسيا من جهة أخرى، إضافة إلى التنافس بين القوى الإقليمية ومشاريعها في سوريا، كما أن بقاء مناطق خارج سيطرة الدولة السورية يجعل الباب مفتوحا لتدخل أي من الفاعلين الإقليميين والدوليين».
واعتبر أن البلاد «أمام صراع في سوريا وعليها، وأمام هكذا حالة لا بد من إدخال قوة دولية وإقليمية، أقل تورطا في الاستقطاب والنزاعات على سوريا، وبالوقت نفسه تمتلك تأثيرا ونفوذا على مختلف الأطراف المنخرطة في الصراع في سوريا وعليها. ولا شك أن المملكة العربية السعودية هي الأفضل والأنسب».
وحسب رأي المتحدث فإن «الرئيس الجديد وضع الأمور التالية في حسبانه حينما توجه للسعودية، وهي أن السعودية قطب إقليمي صاعد وقادر على التأثير والتعاطي مع القوى الإقليمية والدولية المتدخلة في الصراع السوري. كما أن للسعودية مصلحة كبرى لإعادة دورها في المنطقة بعد ترتيب بيتها الداخلي وترتيب علاقاتها الإقليمية والدوليةـ ولا شك أن سوريا تشكل أحد أهم محاور العودة لنفوذ وتأثير المملكة في المنطقة وفي محيطها الاستراتيجي والحيوي».
وقال: تتمتع السعودية بالموقع الأكثر تأثيرا في العالم العربي، ولا بد أن تقود أي عمل عربي للحل في سوريا، كما أن علاقات السعودية بالغرب والشرق جيدة وتربطها علاقات مقبولة مع كل المتدخلين الدوليين والإقليميين في سوريا، وتستطيع إقناع الكثيرين بالمساعدة في استقرار سوريا أو على الأقل عدم الممانعة.
وواصل: «لا يوجد اعتراض قوي من أي جهة سورية على مبادرة تقودها السعودية، بمن فيهم الأقليات الأساسيَّة من المسيحيين والكرد والعلويين والدروز» فالسعودية وفق المتحدث «لديها شرعية دولية حيث كانت الرياض المكان الذي انطلقت منه هيئة التفاوض المعارضة، وكان ذلك باتفاق وتفويض دولي. كما أن وجود السعودية كضامن للإدارة الجديدة، يبعث رسالة اطمئنان إلى الولايات المتحدة والغرب عموماً دون أن يتناقض مع الكثير من طموحات تركيا وروسيا في المنطقة».
ومع وجود علاقات طيبة بين كل من قطر وتركيا والسعودية، فهذا يعطي «مزيدا من الراحة لدى القيادة الجديدة، فبإمكانها العمل مع الجميع» حسب المتحدث الذي عبّر عن اعتقاده بأن السعودية «تستطيع إيجاد توازن في علاقاتها مع الفاعلين الثلاثة».
وفي رأي المتحدث فإن الإدارة الجديدة تريد أن يكون هناك توازن في نفوذ المملكة كبوابة عربية ونفوذ تركيا الجارة الداعمة بلا حدود. العلاقات مع السعودية تمثل العمق العربي وعامل استقرار ومدخلا لعودة سوريا إلى محيطها العربي، الذي سيكون منفذها الى إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي كدولة طبيعية لا ككيان مهدد للاستقرار الإقليمي والدولي، وهذه الرسالة كانت واضحة جدا في كل تصريحات القيادة الجديدة وفي أعمالها.
كما تعول الإدارة الجديدة على أن تساعدها قيادة المملكة في العودة إلى الحضن العربي والإسلامي والدولي، والاعتراف بها. كما تحتاج إلى دعم إغاثي سريع لأن سوريا في وضع كارثي، ولاحقا دور المملكة مهم في إعادة الإعمار وأيضا في تقديم خبرات اقتصادية لسوريا لتستطيع النهوض من كبوتها. من الواضح أن المملكة تقوم بكل ذلك وبشكل مثالي، ويبدو أن السعودية ستوسع دائرة المساعدات والدعم المالي والسياسي والاقتصادي.
كما أن زيارة الرئيس السوري، وفق المصدر، تعتبر تتويجا لثقة سعودية بأن الإدارة الجديدة ستقوم بالأمور الصحيحة داخليا وإقليميا، حيث تحتاج الإدارة الجديدة دعما سعوديا لتوحيد سوريا من جديد وإنشاء جيش وطني موحد وأجهزة شرطة لحفظ الأمن وإطلاق عملية سياسية شاملة.
وانتهى المحلل السياسي بالقول: أخيرا لا بد أن نتوقف عند ما تريده المملكة من سوريا، فأغلب طلبات السعودية تحقق، من محاربة تجارة الكبتاغون حيث تقوم الإدارة السورية به على أكمل وجه، ولم يعد هناك وجود لإيران وميليشياتها وحزبها اللبناني في سوريا، ويبدو أن الإدارة الجديدة تلتزم بما تعد به فلا تأمر ولا تعبث في الأمن الإقليمي، ولا وجود لابتزاز في كل قضية، ولا كذب ووعود كاذبة، فضلا عن احترام الإدارة لسيادة لبنان، الأمر الذي كان ولا يزال مهما للسعودية.
وحول ما تنتظر المملكة العربية السعودية من سوريا، قال: الآن تنتظر المملكة أن تفي الإدارة الجديدة بكل تعهداتها على الصعيد السوري الداخلي بالمشاركة مع كل أطياف الشعب السوري، وكذلك تعهداتها الإقليمية والدولية. ويبدو أن الإدارة الجديدة ماضية بصدق في أن تكون عامل استقرار إقليمي وأن لا تكون مستقرا او ممرا لتهديد الإقليم، جازما بأن تكون سوريا أمام انفتاح سعودي كبير على القيادة السورية وعلى الشعب السوري.