دمشق ـ «القدس العربي»: في ثاني محطة خارجية له بعد السعودية، زار الرئيس السوري المؤقت، أحمد الشرع، تركيا، وأجرى مباحثات مع رئيسها رجب طيب أردوغان الذي أبدى استعداد بلاده لدعم الإدارة الجديدة في دمشق في «مكافحة كل أشكال الإرهاب سواء داعش أو بي كي كي» وكذلك في موضوع إعادة الإعمار.
وقال أردوغان في مؤتمر صحافي مع الشرع: «نعمل على تطوير علاقاتنا (مع سوريا) بطريقة متعددة الأبعاد بكافة المجالات بدءا من التجارة والطاقة وصولا إلى الطيران المدني والصحة والتعليم».
واعتبر «هذه الزيارة (للرئيس السوري) هي بداية عهد من الصداقة الدائمة».
وأضاف: «ناقشنا مع أخي العزيز (الشرع) الخطوات المشتركة التي يمكن اتخاذها لإرساء الأمن والاستقرار الاقتصادي في سوريا».
وواصل: «من المهم للغاية في هذه المرحلة أن يقدم العالم العربي والإسلامي الدعم المادي والمعنوي اللازم للإدارة الجديدة والشعب السوري» مشددا على أن «الشعب السوري لديه الآن الإرادة اللازمة لتقرير مستقبله».
وزاد: «مستعدون لدعم إعادة إعمار المدن المدمرة في سوريا ومع سرعة التنمية الاقتصادية ستكسب العودة الطوعية زخماً».
واعتبر أن العقوبات المفروضة على سوريا في عهد الأسد ستُخفف بعد المبادرات التركية.
وأبدى اعتقاده بأن العودة الطوعية (للاجئين) إلى سوريا ستتسارع مع استقرارها.
وبما يخص الملف الكردي، قال: «أبلغت الرئيس السوري استعدادنا لتقديم الدعم اللازم لسوريا في مكافحة كل أشكال الإرهاب سواء داعش أو بي كي كي».
وتابع: «ناقشت مع الشرع الخطوات التي سيتم اتخاذها ضد المسلحين في شمال شرق سوريا».
وزاد: «من خلال التحرك المشترك مع سوريا واثق بأننا سنجعل جغرافيتنا المشتركة خالية من الإرهاب ويسودها مناخ السلام والرفاه».
وأوضح أن «أساس سياستنا حيال جارتنا سوريا كان منذ فترة طويلة الحفاظ على سلامة أراضي هذا البلد ووحدته».
أما الشرع،فقد ثمن حرص الرئيس أردوغان على إنجاح المرحلة الانتقالية في سوريا.
وزاد: الشعب السوري لن ينسى الوقفة التاريخية للدولة التركية.
واعتبر أن العلاقة بين سوريا وتركيا ممتدة عبر التاريخ والثورة السورية والتفاعل التركي معها عزز هذه العلاقات.
وأضاف: ناقشنا مع الرئيس أردوغان ضرورة الضغط الدولي على إسرائيل للانسحاب من المنطقة العازلة في جنوب سوريا وتطبيق اتفاق 1974.
وصل الشرع إلى العاصمة التركية أنقرة في زيارة رسمية لتركيا، كأول محطة له بعد المملكة السعودية، منذ تسميته رئيساً مؤقتا للبلاد يوم الأربعاء الماضي.
وذكرت وكالة الأنباء الرسمية «سانا» أن أردوغان استقبل الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني في المجمع الرئاسي في العاصمة التركية أنقرة.
من جانبها أفادت وكالة الأناضول التركية أن الاجتماع بين الرئيسيين في أنقرة، يجري بشكل مغلق في المجمع الرئاسي في أنقرة، مشيرة إلى أن «عقيلة الرئيس التركي أمينة أردوغان التقت مع لطيفة الدروبي عقيلة الرئيس السوري».
ثمّن دعمها لإنجاح العملية الانتقالية… وشدّد على ضرورة الضغط الدولي على إسرائيل للانسحاب من بلاده
وكانت مصادر مطلعة قالت لوكالة «رويترز» إن الزيارة ستشهد نقاشا حول اتفاق دفاع مشترك يتضمن إنشاء قواعد جوية تركية في وسط سوريا وتدريب الجيش السوري الجديد.
وقالت الرئاسة التركية في بيان، الثلاثاء، إن المحادثات مع الشرع ستتناول «آخر التطورات في سوريا من كافة جوانبها، وتقييم الخطوات المشتركة التي يجب أن يتخذها البلدان من أجل التعافي الاقتصادي والاستقرار والأمن المستدام» في سوريا. كما أن «العلاقات التركية السورية التي عادت إلى طبيعتها بعد استعادة سوريا لحريتها، ستتعزز وتكتسب بعداً جديداً مع زيارة السيد أحمد الشرع والوفد المرافق له».
رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية فخر الدين ألطون، قال في منشور عبر منصة إكس، أنّ المحادثات التي ستُجرى في المجمع الرئاسي التركي ستتطرق إلى آخر التطورات في سوريا من جميع الجوانب، وتقييم الخطوات المشتركة التي يجب أن يتخذها البلدان في سبيل التعافي الاقتصادي، والاستقرار، والأمن المستدام على الأراضي السورية.
وكشف ألطون أن المحادثات ستركّز أيضاً على الدعم الذي يمكن أن تقدمه أنقرة للإدارة الانتقالية والشعب السوري، معرباً عن قناعته بأنّ زيارة أحمد الشرع والوفد المرافق له «ستعزز العلاقات التركية ـ السورية التي عادت إلى طبيعتها بعد حصول سورية على حريتها».
شراكة استراتيجية
الباحث لدى «مركز الحوار للدراسات الاستراتيجية» الدكتور أحمد القربي وصف الزيارة بأنها «بداية لتوافقات هامة وبناء شراكة استراتيجية» بين البلدين.
وأكد في حديث مع «القدس العربي» مناقشة الملفين الأمني والعسكري لارتباطهما بوضع قوات سوريا الديمقراطية شمال شرق سوريا.
وقال: الأولوية هي للملف الأمني والعسكري، المرتبط بـ«قسد» وتموضع القواعد التركية، باعتبار ملف «قسد» مرتبطا بالأمن القومي التركي، وتبعاته على الداخل التركي، أما بالنسبة للإدارة السورية فإن ملف الخدمات هو أهم ملف حاليا، يليه الملف الاقتصادي، ودور تركيا في إعادة بناء جيش سوريا المستقبلي، كما أن الملفات الاقتصادية هي على جدول الأعمال، والوجود السوري في تركيا، إضافة الملف الخدمي، كالكهرباء وما يرتبط بها.
ووفقا للمتحدث، فإن كل هذه الملفات لها أهمية في العلاقات بين البلدين، ويمكن العمل بها في التوازي، خصوصا أن تركيا هي إحدى أهم الدول المؤثرة بالملف السوري اقتصاديا بحكم التبادل التجاري الكبير والنافذة الاقتصادية الضخمة بين البلدين، وبحكم الامتداد الجغرافي والوجود السوري في تركيا والتأييد التركي للإدارة الجديدة، معتبرا أنها «كلها أوراق تثقل من الدور التركي في الملف السوري، وهذا سيؤدي بالمحصلة إلى بناء شراكة استراتيجية ما بين تركيا وسوريا».
وبرأي القربي، فإن تركيا من أكثر الدول الحريصة على استقرار سوريا، وأيضا سوريا حريصة بدورها على التنمية والاستقرار وإنهاء الإرهاب، فهناك تطابق يؤسس إلى شراكة استراتيجية بين الطرفين.
أما عن العوائق في هذه الشراكة، فاعتبر المتحدث أن «العامل الأمريكي، وخشية الإدارة السورية من أن تحسب على محور دون آخر، مع رغبة واضحة بأنها تريد أن تأخذ مسافة واحدة من كل الدول الإقليمية لأن هذا التوازن هو الذي يؤسس إلى استقرار طويل الأمد في سوريا».
أبعاد سياسية واقتصادية
وهو ما اتفق معه الباحث السوري محمد طاهر، الذي اعتبر أن الزيارة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واستراتيجية، كونها «ثاني زيارة خارجية للرئيس الشرع منذ تنصيبه رئيساً، والوجهة هي تركيا الدولة التي لعبت دوراً بارزاً في مسار الثورة السورية والعمل المسلح ضد نظام الأسد، كما تربطها مع سوريا حدود طولها 911 كيلو متراً، وتأتي بعد معركة مفصلية غيرت معالم السياسة السورية وتكللت بانتصار الثورة وسقوط نظام الأسد».
وعن اختيار تركيا كثاني محطة خارجية للرئيس الشرع له، فإن ذلك يتعلق حسب الباحث السياسي «بإيلاء الإدارة السورية الجديدة أهمية للدور التركي، لا سيما في الملفات المشتركة مثل «قسد» وضبط الحدود، واللاجئين. كذلك يكتسب البعد أهمية أخرى من حيث إعادة إحياء العلاقات السورية التركية بعد انقطاعها الذي بدأ مع الثورة السورية».
وقال: تناولت المباحثات ملفات سياسية وأمنية واقتصادية، أما الأولوية وفق رؤيته فستكون للجانب الأمني بنظر أنقرة، حيث قال إن تركيا تراقب وتنتظر نتائج المفاوضات بين «قسد» والإدارة السورية، كما ترغب أنقرة بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع سوريا وإنشاء قواعد لها في الداخل السوري يضمن لها تحقيق أمنها القومي وتحقيق مكاسب استراتيجية على المدى البعيد. في حين تحتاج سوريا في الحقيقة إلى دعم عسكري تقني ولوجستي، فمعظم مخزونات الأسلحة في عهد النظام تعود للحقبة السوفييتية وما تبقى أسلحة روسية ليست حديثة، فضلاً عن حاجة سوريا للدعم الجوي فهي لا تمتلك دفاعات جوية تضمن أمن سمائها التي كانت مرتعاً للغارات الإسرائيلية طيلة الأعوام الماضية.
كما أن الملف الأمني كانت له حصة الأسد من هذه المحادثات، «وستعول الإدارة السورية، حسب المتحدث على «تحقيق تعاون أمني أو عسكري على غرار أي تعاون بين دولتين، وليس الاعتماد الكلي على تركيا، وهذا يمكن فهمه من اختيار الشرع للسعودية كأول بلد يزوره بعد تنصيبه رئيساً. سوريا لا تفتقد الموارد البشرية في السلكين الأمني والعسكري، لكنها تحتاج للخبرة والتطوير والأسلحة المتطورة، ويمكن التعاون مع تركيا وغيرها في هذا الخصوص، ولا أعتقد أن الشرع سيطلب قوات تركية لضبط الأمن كما يتحدث بعض وسائل الإعلام».