الحرب وسرد ما بعد الحداثة: إشكالية الحقيقة والخيال في الرواية العراقية الحديثة

شهد تاريخ السرد الروائي خلال الأربعة قرون الماضية تحولات في تقنياته السردية، وقد عبرت هذه المتغيرات في جوهرها عن طبيعة ما شهده الواقع بكل تجلياته، من تغيرات ثقافية واجتماعية، ودائما ما تخضع التقنيات إلى النقاش والنقد في ما يتعلق بمبرراتها وإجراءاتها ووظيفتها ودواعي حضورها، والتحولات التقنية التي تعكس إشكالية التعالقات، ما بين السرد والآليات التي تلازمه وتضفي عليه مفهومة، تندرج في إطار ما يسعى إليه المؤلف من إحداث نقلة في الوعي بالأشياء، وتقديم رؤى جديدة في قراءة الزمن الإنساني بتعبيراته الاجتماعية والقيمية وانقساماته في الأفكار والقناعات والأيديولوجيات. وعندما يتم التطرق إلى علاقة الاشتباك ما بين تقنيات السرد والحرب، دائما ما نعزز قناعتنا باستدعاء نماذج كلاسيكية من الأدب الأجنبي، شكلت الحرب العنصر المهيمن على نسقها العام، ويكاد أن يتفق عليها معظم المهتمين بالنتاج الروائي على روايات معينة مثل «للحب وقت وللموت وقت»، « كل شيء هادئ في الجبهة الغربية» للكاتب الألماني أريش ريمارك، ورواية «الحرب والسلام» للروسي ليو تولستوي، كذلك «لمن تقرع الأجراس «للأمريكي أرنست همنغواي، ورواية «الساعة الخامسة والعشرون» للكاتب الروماني قسطنطين فيرجيل جورجيو. وهناك روايات حديثة صدرت خلال السنوات الأخيرة مثّلت الحرب فيها عنصرا مهيمنا في درامية السرد، واكتسبت حضورا عالميا بعد أن أقدمت هوليوود على إنتاجها سينمائيا، وحققت نجاحا فنيا وجماهيريا، فتعززت شهرتها بين القراء، مثل رواية «المريض الإنكليزي» للسريلانكي المولد والكندي الجنسية مايكل أونداتجي، و»عداء الطائرة الورقية « للأفغاني خالد الحسيني.

لطفية الدليمي

قوّة السرد

ربما لا نختلف على أن الدائرة الواسعة من القراء التي اكتسبتها النماذج التي أشرنا إليها، لم تأت من شهرة كتابها، أو لأنَّ ماكنة إعلامية وقفت خلفها، رغم إقرارنا بفاعلية هذين العاملين في تحقيق الانتشار وارتفاع حجم المبيعات في أغلب الأحيان، إنما تعود أسباب المكانة التي حظيت بها، إلى أنها اجترحت فضاء سرديا غنيا بالمعرفة والفن والمتعة، وإلى أنها فتحت حوارا عميقا بين القارئ والأدب بمستويات فكرية متعددة، وتوفَّرت على درجة رفيعة من النضج الفني بما اختزنته من تقنيات في بنائها السردي، وما طرحه خطابها من أفكار تكشف المتاهة التي غالبا ما يخوضها الإنسان في زمن الحرب، والخيارات القدرية التي توضع أمامه للنجاة من الموت ساعة تندلع نيران المعارك. وبقاء روايات بذاتها عالقة في ذاكرة القراء، وعلى وجه خاص تلك النماذج الكلاسيكية، رغم توالي التجارب وتنوع أساليب السرد وتطورها، يعود سببه إلى جانب موهبة كتابها والشكل الفني الذي جاءت عليه، إلى أنهم كانوا على قدر عال من المسؤولية الإنسانية في التصدي لموضوعة الحرب، بالكشف عن الجانب البشع والمظلم، الذي تتركه في ذات الإنسان والمجتمع، ولا جدال في أن هذه الفكرة تكاد أن تكون قضية محورية تشترك فيها جميع الأعمال المشار إليها، رغم اختلاف متونها الحكائية، بمعنى أن كتابها انطلقوا أولا وأخيرا من فكرة الدفاع عن الإنسان حتى عندما يكون خيار الحرب لا مفر منه، ولم يختاروا الانحياز لفكرة تبرير الحرب، التي عادة ما تفرضها المؤسسات الثقافية والإعلامية التابعة للسلطة السياسية الحاكمة .

السؤال المهم

هذه العلاقة بتجلياتها تقودنا إلى طرح السؤال الآتي: هل توفرت في الأدب العراقي الروائي نماذج كانت قريبة من حدود استيعاب وفهم هذه الموضوعة في بعدها الإنساني؟
المعاينة في الأدب العراقي ستقودنا للوصول إلى عدد من الروايات، لأن الحرب كانت حاضرة وبقوة في تاريخ العراق المعاصر والمنطقة العربية، ولعبت دورا مركزيا في تقرير مصائر الأجيال التي عاشت وتعاقبت على هذه الأرض، ولهذا نستطيع القول إنها فرضت حضورها في الرواية العراقية بشكل صريح أو مستتر، وإذا ما توخينا الدقة فإنها بدت أكثر بروزا في السرد مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حيث شهد العراق أطول وأشرس حرب وقعت بينه وبين إيران، دامت فصولها ثمانية أعوام دموية بين (1980 ـ 1988) وكان من تبعاتها أنها خلَّفت قضايا معقدة نفسية وأخلاقية واجتماعية، إضافة إلى نتائج كارثية على الصعيد الاقتصادي، وكان من الصعب أن تلتئم جروحها العميقة حتى بعد أن صمتت طبول الحرب، وانزوت في ذاكرة التاريخ. وإذا ما عدنا وتفحصنا عقد الثمانينيات في سياقه الأدبي، سنجد أن المؤسسة الثقافية الحكومية من الناحية التقنية، فرضت الصوت الواحد على السرد، عندما مارست دورا ضاغطا على الأدباء، لأجل أن يكون نتاجهم الروائي منخرطا ضمن إطار صوت التعبئة الأيديولوجية الداعم للحرب، والنتيجة أننا شهدنا عشرات الأعمال الروائية التي سوّقت لفكرة قداسة السعي للموت، أمام رخص الحياة الإنسانية.


ومن الناحية الفنية فإن العديد من المؤلفين بسبب خشيتهم من قسوة السلطة ولأجل تفادي تناول ما كان يعانيه العراقي من أوضاع بسبب الحرب، اختاروا اللجوء إلى الموروث الحضاري العراقي القديم، وما فيه من حكايات وأساطير ورموز، وعلى الرغم من أن هذه الأقنعة والاستعارات أضفت شيئا من الحيوية والغرابة والجدة إلى السَّرد، إلاّ أنها تراجعت عن دورها في ملامسة الواقع في جوانبه اليومية الإنسانية، لتنتهي بالتالي في المجرى الضيق الذي رسمته أجندة السلطة الثقافية والإعلامية وذلك بتمجيد وتسويق وتبرير قيم العنف والقتل والتدمير التي تكرسها الحرب، وكان من الطبيعي أن لا يترك معظم ذاك النتاج الروائي أي أثر يذكر في مسار الرواية العراقية، فضلا عن عدم قدرته على الوصول إلى ذائقة المتلقي.
الرواية والحرب الداخلية
لم يتوقف الأمر عند تلك الحرب، بعد أن تحولت مآلاتها السياسية إلى منحدرات حادة أدت إلى سقوط العراق في أكثر من محنة، في مقدمتها حرب الخليج الثانية عام 1991 بعد غزو الجيش العراقي للكويت، لينتهي هذا الحال بالغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وليسقط الزمن العراقي في ما يشبه حربا داخلية اكتسبت أبعادا طائفية ومذهبية وأقلياتية، بعد أن كانت الحروب السابقة تشتعل وتنطفئ خلف الحدود الخارجية للبلاد، والرواية العراقية التي صدرت بعد هذا التاريخ بغض النظر عن مستواها الفني، ارتبطت موضوعاتها مع ما أفرزه الواقع الجديد، الذي اصطبغت أيامه بالمناخ الذي أشاعته الحرب الطائفية، وإلى حد ما سقطت في الاشكالية ذاتها التي كانت عليها روايات الثمانينيات التعبوية، رغم أن مؤلفيها لم يكونوا تحت ضغط بروباغندا سلطة رسمية شمولية، ترغمهم على الخضوع لإطار أيديولوجي وثقافي محدد انسجاما مع خطابها، ويمكن ملاحظة ذلك في الكثير من النماذج الروائية التي صدرت خلال العقدين الماضيين، فقد ارتفعت في خطابها نبرة المباشرة وهي تستلهم متون حكاياتها وشخوصها من وحي تاريخ العراق الحديث، وما شهده منذ سقوط العهد الملكي من أحداث دراماتيكية وحروب، والرواية اشتبكت مع هذا التاريخ لتكون صدى فنيا لأزمنة سادها قمع وخوف وملاحقات أمنية، وموت بالجملة في الجبهات، ولن أشك في أن الصوت المباشر الذي يتسرب في هذا النتاج سيخفت ويضمحل خلال الأعوام المقبلة، وسيتزامن ذلك مع تراجع في الكم الكبير للنتاج الروائي، من بعد أن يخفت وهج موضة كتابة الرواية الذي انخرط فيه كل من هب ودب.
اليوم يبدو أن هناك اتجاها للبحث عن أساليب سردية غير تقليدية أخذت إرهاصاتها تتبلور في الكتابة الروائية، أبرزها على المستوى التقني، الانحياز إلى ما أفرزته رواية ما بعد الحداثة من تقنيات تعمل على تفكيك بنية النص الروائي وتعرية حالة الإيهام التي يمارسها السرد أمام القارئ. وقد يعود سبب هذا التحول إلى انكشاف حالة الغموض التي سادت الوعي العراقي خلال عقدين من الزمان بعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي وما أعقب ذلك من تغيير سياسي، بالتالي لا بد من أن ينعكس ذلك على الخيارات الفنية والموضوعية في النتاج الأدبي.
التشظي في السرد
تعتبر الحرب من الثيمات الأكثر تعقيدا في الرواية والفنون بشكل عام، طالما تتداخل فيها جوانب إنسانية واجتماعية وسياسية ونفسية. وفي هذا السياق يبرز السرد ما بعد الحداثي كأداة تحليلية لفهم طبيعة الحرب وتأثيراتها. فالسرد ما بعد الحداثي بآلياته وتقنياته السردية يعتمد على التعددية والتشظي، ما يعكس الفوضى والتعقيد المرتبطين بالحرب التي تتجاوز مجرد كونها صراعا عسكريا؛ فهي تجربة إنسانية معقدة تتضمن مشاعر الألم، الفقد، والتغيرات الاجتماعية. وتتعدد أشكال الحرب، بدءا من الحروب التقليدية إلى الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، ما يخلق روايات مختلفة عن الحرب تختلف باختلاف التجارب والمشاركين. وما يميز السرد ما بعد الحداثي عدم الاتساق، وعدم اليقين، وتفكيك السرد التقليدي. وميله إلى أكثر من وجهة نظر، وغالبا ما يُظهر التعارض ما بين الحقيقة والخيال. ويمكن أن تُفهم الحرب بهذا الاتجاه من خلال مجموعة زوايا، ما يتيح للكتاب استكشاف تعقيداتها وتفاصيلها الدقيقة وهذا ما تمثل في عدد من الروايات العراقية الحديثة منها على سبيل المثال وليس الحصر، «فرانكشتاين في بغداد» أحمد السعداوي، «صديقي المترجم» خضير فليح الزيدي، «عشاق وفوتوغراف وأزمنة» لطفية الدليمي، «نهر جاسم» سعد سعيد، «وحدها شجرة الرمان» سنان أنطون، «سقوط سرداب» نوزت شمدين، «الأدميرال لا يحب الشاي» نزار عبد الستار، «نينا تغني بياف» بولص آدم، «شطآن الرمل» علي عواد، «الطوفان الثاني» فاتح عبد السلام، «فارابا» عبد المنعم الأمير، «ليالي الكاكا» شاكر الأنباري، «توأم البحر» عواد علي، «زقاق الجمجم» بيات مرعي، وهناك روايات أخرى لا يسع المجال لذكرها، لكتاب لا يقلون أهمية عن الأسماء التي أشرنا إليها.

التوتر بين الحقيقة والسرد

التوتر بين الحقيقة والسرد أحد التحديات الرئيسية في السرد ما بعد الحداثي، فالحرب تطرح أسئلة حول المصداقية وكيفية تمثيل الأحداث. فالسرد ما بعد الحداثي ينحاز إلى إظهار تداخل الروايات، وكيف يمكن أن تختلف من شخص لآخر، مما يثير تساؤلات حول «الحقيقة» في سياق الحرب: كيف يمكن لوجهات نظر مختلفة أن تُشكِّل رواية الحرب؟ وهل يمكن اعتبار أي منها «الحقيقة» المطلقة؟ إن السرد ما بعد الحداثي تقنية لاستكشاف التجارب الإنسانية أثناء الحرب، من خلال تفكيك السرد التقليدي، وتقديم تجارب فردية تعكس الألم والنجاة والخسارة، وتبرز صوت الأفراد الذين غالبا ما يُهمَلون في السرد التاريخي التقليدي، ما يمنحهم مساحة للتعبير عن معاناتهم وآمالهم. فالعلاقة بين الحرب والسرد ما بعد الحداثي، تنتج إشكالية تتداخل فيها الحقيقة بالخيال بالتجارب الإنسانية المختلفة، لنكون أمام رؤية فنية جديدة في فهم الحرب، واستكشاف التحديات والأبعاد المختلفة التي تحملها، وهذا ما عبّر عنه عدد من الروايات العراقية التي صدرت خلال الأعوام القليلة الماضية والتي استعرضنا عناوين البعض منها.

كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية