نقاد يقيمون حصيلة الإنتاج السينمائي في المغرب

عبد العزيز بنعبو
حجم الخط
0

الرباط ـ «القدس العربي»: إلى وقت قريب كانت الأفلام المغربية غريبة في القاعات السينمائية المحلية، بنسب مشاهدة «هزيلة» وإيرادات ضعيفة، مع وجود استثناءات محسوبة على رؤوس الأصابع طيلة سنوات الإنتاج السينمائي المغربي، بينما اليوم خرج ما يمكن الاصطلاح عليه بـ«موجة جديدة»، تساير أكثر مما تصنع اللحظة، لكنها تحقق النجاح الجماهيري المطلوب ولو على حساب الجودة في المضمون وحتى التقنية أحيانا، مثلما يسجل نقاد ومتابعون.
ومن ثم، فحديث السينما في المغرب لا يخلو من جدل متواصل، بين مناصر للمسيرة التي توصف بـ«الناجحة» للأعمال المنجزة خلال السنوات الأخيرة التي استطاعت استقطاب الجمهور إلى شباك التذاكر رغم «ضحالة المحتوى»، وفق تقييم البعض، وبين إقحام الصناعة السينمائية في دورة «التفاهة» سيرا على منوال مواقع التواصل الاجتماعي لجني الأرباح وجلب أكبر عدد من المشاهدين في القاعات السينمائية، وبين الحفاظ على المحتوى الجيد والمواضيع الهادفة في سينما المؤلف، من دون الخوض في الأفكار الفجة التي تعزف على وتر حساس لدى الجمهور وتلبي رغبته.
النجاح الجماهيري لعدد من أفلام «الشباك» أو «الأفلام الشعبية» أعاد الحياة بكل تأكيد إلى القاعات السينمائية، بل صنع لحظة سينمائية احتفالية، وهو ما جعل وزارة الثقافة تعتبر ما حققته السينما المغربية خلال العام الماضي 2024 «تطورا مهما في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية بشكل عام». ووفق الوزارة الوصية على قطاع الثقافة والفنون، فإن الصناعة السينمائية المغربية حققت «أرقاما قياسية خلال سنة 2024»، بعد أن سجلت «أعلى نسبة من المداخيل على مدى 15 سنة»، كما «وصل عدد المشاهدين إلى مليوني و181 ألف مشاهد داخل القاعات السينمائية».
وأبرزت الوزارة في بيان تلقت «القدس العربي» نسخة منه، أن الرقم المذكور الذي حققته السينما المغربية «مهم يدل على إقبال الجمهور المغربي على القاعات السينمائية، كما يؤكد على أن الدينامية الإيجابية للقطاع السينمائي خلال الثلاث سنوات الأخيرة أصبحت تحقق أهدافها».
وفي مقارنة بين ما سجلته الصناعة السينمائية المحلية خلال سنة 2024 والسنوات التي سبقتها مثل 2023 و2021، قالت الوزارة إن «عدد زوار القاعات السينمائية في المغرب سنة 2023 حوالي مليون و722 ألف مشاهد، ومليون و400 ألف خلال سنة 2022 و633 ألف خلال سنة 2021» وحسب المصدر نفسه، فإن هذه الأرقام تعكس «مدى نجاح سياسة الصناعة السينمائية بالمغرب والتي توجت مؤخرا بقانون جديد ينظم هذه الصناعة، ويمنح الأفضلية لدعم النتاجات الوطنية وتعزيز حضور السينما المغربية في القاعات بالموازاة مع المستوى الجيد للنتاجات السينمائية المغربية الحالية».
ولم تفت الوزارة الإشارة إلى النتاجات السينمائية الدولية في المغرب، التي ارتفع مجموع استثماراتها، وهو ما كان «له الأثر في خلق مناصب الشغل وترويج القطاع السياحي والإنعاش الاقتصادي في عدد من المدن في مقدمتها ورزازات»، واعتبرت ذلك ثمرة الاشتغال «خلال السنتين الأخيرتين على ترويج وجهة المغرب كوجهة متميزة لتصوير الأعمال السينمائية الدولية خصوصا عبر الحضور في أسواق عالمية بمهرجانات كان ودبلن وبرلين والبندقية»، وفق بيان الوزارة.

سؤال الكم والكيف

في رأي المخرج والناقد السينمائي عبد الإله الجواهري فالأرقام المذكورة «طبعا تعكس واقع السينما المغربية اليوم»، ويستطرد قائلا «لكن على مستوى الكم فقط، أما الكيف فلا تعكسها، بمعنى أن هناك هوة كبيرة بين الكم والكيف، لأن سؤال الجودة يظل دائما مطروحا»، وأضاف أن المشهد السينمائي المغربي حاليا «ينتج أكثر من 34 فيلما في السنة تدر إيرادات معتبرة مقارنة بالسنوات الماضية»، كما أن النتاجات الأجنبية «تتقاطر على المغرب».
وأوضح المخرج متحدثا لـ «القدس العربي» أن «كل هذا جيد ويساهم في تنمية الصناعة السينمائية، لكن الأهم منه والذي لم ننتبه إليه أو ما زلنا لم ننتبه إليه بشكل جيد هو كيفية تطوير السينما المغربية على المستوى الفني والتقني وأن تكون قادرة على المنافسة داخل وخارج المغرب وترفع علم الوطن».
لأن السينما ـ يوضح الجواهري ـ «في العمق ليست فقط صناعة لكنها أيضا فن، لأن الصناعة لم نبلغها بعد وكذلك الفن، إذنْ بين هذا وذاك ما زالت السينما المغربية تراوح مكانها على الرغم من وجود مجهودات ونيات حسنة تسعى إلى تطوير هذه السينما وجعلها من بين السينمات الأفريقية والعربية الأولى».
وبخصوص ما يصلح عليها بـ«سينما الشباك»، أكد الجواهري أن هذه الأفلام التي تسمى أيضا «الجماهيرية أو الشعبية تساهم من حيث الإيرادات وإقبال الجمهور على القاعات السينمائية ما يساهم في فتح أخرى» جديدة أو كانت مغلقة. وحسب الناقد هناك جانب آخر من هذا النجاح وهو «المستوى الفني، إذ تعاكس هذه النوعية من الأفلام إرادة السينمائيين المغاربة الحقيقيين وتوصف بالفجاجة» وقال إنه ليس ضدها، بل على العكس «يجب أن تكون لدينا سينما شعبية كما هو الحال بالنسبة لكل العالم، لكن لا يجب أن تكون هي المسيطرة ولا يجب أن تكون هي الوسيلة والغاية في الآن نفسه، بل لابد أن تكون إلى جانبها سينما المؤلف ـ كما تسمى ـ أو المستقلة».
وفي رأي المخرج المغربي، يجب دعم سينما المؤلف لكي تلعب دورها مثلما تلعب السينما الشعبية دورها في إشاعة حب السينما إلى حد ما، ومن غير ذلك فإن هذه السينما لا تقدم شيئا للمغرب على عكس هويته الثقافية الحقيقية.

إحصائيات عمياء

وتعليقًا على الأرقام المذكورة بخصوص «حصيلة وإنجازات» السينما المغربية، قال الناقد السينمائي والكاتب محمد شويكة إن تلك «الإحصائيات عمياء، فالكم لا يعكس الكيف دائما، ذلك أن القراءة الأولية للمعطيات تعكس التطور النسبي للسينما المغربية الناتج عن تراكم عقود من الاشتغال والنضال الفني والثقافي الذي بدأنا نلمس تراجعه لدى بعض الملتحقين مؤخرا بركب المهنيين، وهم يتحملون المسؤولية التاريخية فيما تؤول إليه السينما المغربية إيجابا أم سلبا».
وأضاف شويكة، لـ «القدس العربي»، أن «هناك ثلاثة مجالات سوسيولوجية متكاملة لا يمكن فصل بعضها عن بعض في النظر إلى تلك الأرقام، يتعلق الأول بتحليل أساليب الإنتاج في صناعة الأفلام المغربية، وهي تعتمد كليا على دعم الدولة أو تعول عليه بعد إنتاج أفلام ذات ميزانيات محدودة غالبا ما يخلف بعضها الكثير من الخصومات المهنية».
ثانيها، يوضح شويكة «أن مهن السينما مثل المنتج والسيناريست والمخرج تصل إلى درجة معينة من الالتباس يصير فيها دور المخرج معقدا لمفهوم الصناعة السينمائية، بغض النظر عن كون الفيلم عملا فنيا صادرا عن مؤلف (سيناريست، مخرج)، ويتمثل ثالث تلك المجالات في أن التفاعل مع الأفلام وعواقبه على أساليب صناعة الأفلام يحدد مكانة علاقات القوة بالنسبة لهذه الأرقام، بمعنى يتم التخلي عن الدعم تدريجيا وخلق دائرة صناعية مكتملة يستطيع الفيلم أن يمر من خلالها عبر القاعات التجارية وينتهي داخل المدارات الثقافية شبه المفقودة».
وعن مدى مساهمة ما تسمى بسينما الشباك في انتعاش الفن السابع في المغرب، أكد شويكة أنه «إذا انتبهنا إلى أن القاعات السينمائية النشيطة نسبيا والمركبات الثقافية التي صارت تعرض بعض الأفلام السينمائية تتمركز في المدارات الحضرية الكبرى، وأن قلة منها توجد في بعض الأوساط شبه الحضرية»، لذلك يوضح الناقد «فإن النتائج لم تصل بعد إلى تحقيق ما يمكن أن نسميه العدالة الثقافية المرتبطة بالحق في الفرجة والخدمة الثقافية العمومية التي تتماشى وما يمكن أن نسميه العدالة المجالية».
وفي رأي شويكة «من المفترض أن دراسة الجماهير تتم داخل نطاق علم اجتماع السينما الذي يدرس الطريقة التي يتم بها استقبال الأفلام في مجتمع معين ويتم أخذ ذلك بعين الاعتبار أثناء مراحل التخطيط والتدبير، لذلك فما يمكن أن نسميه سينما الشباك والحديث عن أي انتعاش متحقق يظل مرهونا بربط النتائج بالدراسات الموضوعية في مجالات التلقي، وهنا نشير إلى عدم التنسيق الحاصل بين المؤسسة الوصية على قطاع السينما بالمغرب والجهات الأكاديمية المتخصصة».
الناقد السينمائي مصطفى الطالب لم يشكك في أن «أي تطور يحصل في الميدان السينمائي لا يمكننا إلا أن نستحسنه ونسعد به»، لكنه يستطرد موضحا «من البديهي أن كل مسؤول يسعى إلى تقديم الجديد أو إنجازات معينة بخصوص ميدانه كما هو الشأن بالنسبة لقطاع الثقافة والسينما بالأخص»، وفي رأي الطالب ففي «كل مرة نسمع أن الدعم ازداد وأن شباك التذاكر ارتفع ونسبة المشاهدة أيضا لكن الواقع مختلف تماما، فرقم مثل مليونين و181 ألف مشاهد لا تعني اليوم شيئا، هذا رقم دون المستوى لأنه اليوم أغنية واحدة تنزل على يوتيوب تحقق مليوني مشاهد في بضعة أيام بمعنى أن الإقبال على الفيلم المغربي ما زال ضعيفا».
وقال الناقد المغربي متحدثا إلى «القدس العربي» إنه وقف بنفسه على هذه الملاحظة خلال عرض بعض الأفلام المغربية أمام منافسة أجنبية قوية، سواء سينمائيا أو على المنصات الرقمية التي تستقطب اهتمام الشباب وجمهور واسع، بالإضافة إلى ضعف استراتيجية الوزارة الوصية للنهوض بالفيلم المغربي، سواء تعلق الأمر بالترويج له أو توزيعه داخل وخارج المغرب، أو تعلق الأمر بالصناعة السينمائية التي ما زالت متعثرة في المغرب، كما يشهد بذلك جميع المهتمين بالشأن السينمائي.
وأوضح في هذا السياق «أننا نتحدث عن صناعة سينمائية وطنية كما نراها في مصر أو فرنسا أو أمريكا أو الهند، ولا نتحدث عن استقطاب شركات الإنتاج الأجنبية من أجل التصوير في المغرب، فهذا يدخل في الاستثمار السينمائي والسياحي، لكن الصناعة السينمائية لها قواعدها وأسسها ومعاييرها ونمط إنتاجها واستديوهاتها الخاصة بها، بمعنى (جهاز) تقني وفني مركب يشتغل وفق استراتيجية وخطة إعلامية وبطريقة احترافية تسعى إلى جعل السينما حاضرة بقوة في الحياة اليومية للمواطن المغربي وتسعى إلى الوصول إلى العالمية عن طريق غزو أسواق عربية وأجنبية، وليس الاقتصار على التواجد في المهرجانات السينمائية الدولية، وهذا ما ننتظره من المسؤولين عن الشأن السينمائي المغربي الذين وجدوا اليوم الطريق معبدا».
وفيما يتعلق بـ «نجاح» سينما الشباك، قال مصطفى الطالب إن هذا النوع من السينما في المغرب «يقتصر فقط على الأفلام الكوميدية التي تجذب شريحة واسعة من الجمهور، وليس كل الأفلام التي أحيانا تأتي بمستوى فني وسينمائي متميز، وهذا ما لاحظناه في الآونة الأخيرة مع الاعتماد على نفس الوجوه الفنية التي تحظى بشيء من الشعبية، علما أنها تكرر نفسها ولا تقدم الجديد، كما أن العديد من تلك الأفلام الكوميدية مضامينها تظل سطحية بمعنى تفتقد إلى العمق وتفتقد أيضا إلى مقومات الفيلم الكوميدي الناجح».
وحسب الناقد، فإن هذه «الأفلام الكوميدية ربما هي التي زادت من نسبة المشاهدة، لكننا لا يمكننا أن نراهن فقط على الفيلم الكوميدي وننسى الفيلم التاريخي والسياسي والاجتماعي الذي له دور رفع الوعي لدى المواطن ورفع ذائقته الفنية والثقافية في مواجهة التفاهة المنتشرة اليوم بكثرة».

جدل في البرلمان

انتقاد الصناعة السينمائية المحلية لا يتوقف عند حدود المهنيين من مخرجين وممثلين وحتى منتجين، بل وصل إلى قبة البرلمان عندما اتهمت نائبة برلمانية عن حزب «العدالة والتنمية» المعارض وزارة الثقافة بمحاباة شركات إنتاج سينمائية وصفتها بـ «المقربة» من الوزير محمد المهدي بنسعيد.
هذا الأخير كان رده هو رفض الإجابة على «الأخبار الزائفة»، بعد حديث النائبة الباتول أبلاضي خلال جلسة عمومية للأسئلة الشفوية في مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان المغربي) عن «تعيينات بعض الأصدقاء» و«تكرار نفس الوجوه واستمرار سيل الشكايات من الفنانين»، لكن «ولا من يسمع»، وخاطبت الوزير بقولها «كفى من المحسوبية في توزيع الدعم والتعيينات الحزبية والعائلية القريبة جدا»، مؤكدة أن «المغاربة غير راضين عما تنتجه السينما المغربية» لأن عنوانها «الرداءة والتفاهة والأخطر هو ضرب القيم»، وفق البرلمانية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية