لا تزال جثث الشهداء مدفونة في مقابر عشوائية داخل المدارس والمستشفيات والمنتزهات في مناطق متفرقة من مدينة غزة، وحتى في بعض الطرقات وعلى الأرصفة، وذلك بعد أن عجز المواطنون خلال عمليات الجيش الإسرائيلي البرية عن نقلها، تحسبا من تعرضهم للقتل والاستهداف من قبل قناصة الجيش والطائرات، التي كانت تستهدف كل من يتحرك داخل المناطق التي سقط بها الشهداء.
وتعمد الجيش الإسرائيلي خلال الحرب على قطاع غزة قتل أكبر عدد من المواطنين، ضمن خطة إبادة ممنهجة، وارتكاب مجازر جماعية دامية بحق النازحين سواء في المدارس أو البنايات السكنية، وهذا الإجرام تخطى قدرات المنظومة الصحية في التعامل مع الحالات الحرجة التي توافدت إلى المستشفيات المنهكة، وزاد ذلك من أعداد الشهداء.
ويعاني قطاع غزة من ضيق شديد في المساحات نتيجة الاكتظاظ السكاني والزحف العمراني، حيث عانى السكان حتى قبل حرب الإبادة من صعوبة في دفن موتاهم، وعبروا عن استيائهم من انتشار القبور في الطرقات والمرافق العامة، ومنع الاحتلال الجهات المختصة من إنشاء مقابر على مقربة من الحدود الفاصلة ما بين غزة وإسرائيل.
ما يزيد الحال تعقيدا لمن عادوا إلى مدينة غزة وشمال القطاع، أنهم وجدوا القبور منتشرة داخل المنتزهات العامة والمدارس، التي يعيش فيها أعداد كبيرة من النازحين ممن تعرضت منازلهم للتدمير، كما في منتزه مخيم الشاطئ، المرفق الترفيهي الوحيد لسكان المخيم، الذي تحول إلى مقبرة للشهداء الذين قضوا خلال عمليات جيش الاحتلال، حيث يضم المنتزه أكثر من 76 قبرا، كما أن هناك قبورا داخل العيادات الطبية ولا يجد أهلها مكانا لنقل الجثث.
يقول أحد أعضاء اللجنة الشعبية في مخيم الشاطئ طلال محمود «ارتكب الاحتلال مجازر فظيعة بحق أهالي المخيم، وبالتحديد النازحين داخل مدارس المخيم، وكانت أعداد الشهداء بالعشرات، وما أن ينفذ الاحتلال مجزرة إلا يقوم بأخرى بفارق ساعات أو أيام قليلة، كما دمر كل شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء، وزاد بذلك معاناة السكان بشكل مضاعف».
ويقول لـ «القدس العربي»: «هناك قبور لا تزال موجودة في منتزه المخيم وبعض المدارس بانتظار قيام عائلات الشهداء بنقلهم إلى المقابر العامة أو الخاصة بهم».
وأشار إلى أن وزارة الأوقاف قبل نشوب الحرب عملت على تخصيص مساحات كمقابر، ولكن هذه المساحات قريبة من الحدود مع إسرائيل في المنطقة الشمالية والاحتلال يمنع السكان من الاقتراب منها.
ولفت إلى أن هناك صعوبات تواجه عمل اللجنة، والتي تقوم بمحاولة مد سكان المخيم بالخدمات الأساسية بما متوفر من إمكانيات في ظل الحصار المشدد، وفي حال تم التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب الجيش من كامل مناطق القطاع، ستعمل الجهات المختصة على إنشاء مقابر جديدة في المناطق الفارغة القريبة من الحدود مع إسرائيل، والقيام بعمليات نقل سريعة لكل الجثث المدفونة داخل المناطق السكنية، بالإضافة إلى إحياء المخيم وباقي مناطق القطاع من جديد ومده بالخدمات الأساسية.
في الحقيقة زاد هذا الواقع المخيف، إلى جانب الدمار الهائل من صعوبة حياة السكان، وهذا هو حال المواطن أيمن الزيان الذي فقد منزله في مخيم الشاطئ، وعند عودته إلى منزله وجد قبورا لشهداء دفنوا على رصيف أحد الشوارع المطلة على منزله.
يقول لـ«القدس العربي»: «كان حلمي أن أعود إلى منزلي في مخيم الشاطئ وانتظرت هذا اليوم لأشهر، وكنت على استعداد أن أعيش فوق ركام منزلي لو كان مدمرا، لكن عندما عدت صدمت من هول الدمار، وانتشار قبور الشهداء في كل مكان، كما أن الحياة شبه معدومة لا مياه سواء للشرب أو الاستخدام المنزلي، وحتى مصادر الكهرباء مفقودة ولا يوجد أي طعم الحياة».
ويوضح أن الوضع مقلق في مدينة غزة في ظل غياب عمل الجهات الحكومية والمختصة بتوفير الخدمات للسكان، فالقمامة وأكوام الحجارة منتشرة في الطرقات، ولا يجد السكان من يقوم بإزالتها رغم المناشدات لفرق اللجان الشعبية في المخيم، كما أن وجود قبور مجهولة يصعب من عمليات نقل الجثث إلى أماكنها المخصصة، لعدم معرفة إلى من تعود ليتم إبلاغ العائلات بنقلها.
ويتخوف المواطن خالد علي من تفشى الأوبئة والأمراض الخطيرة المعدية، من جراء الوضع المأساوي الذي يمر به المخيم، حيث أن انتشار القبور في كل مكان من المخيم وتعرض بعضها للنبش والانجراف بفعل الأمطار، يهدد بتفشي الأمراض في ظل تراجع عمل المنظومة الصحية، وعدم وجود متابعة من قبل الجهات ذات الاختصاص لمراقبة المخيم وحماية القبور من النبش، أو العمل بشكل سريع على نقل رفات الشهداء إلى أماكن بعيدة عن المناطق السكنية.
ولفت لـ«القدس العربي» أنه وجد بجانب منزله جماجم وعظام لشهداء، يضاف إلى ذلك أن هناك منازل عدة دمرت فوق رؤوس ساكنيها، ولا تزال جثث الشهداء تحت ركامها ويصعب انتشالها لعدم توفر آلات حفر ثقيلة.
يذكر أن الاحتلال الإسرائيلي شن حرب إبادة على قطاع غزة هي الأعنف والأبشع في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، حيث دمر الشجر والبشر والحجر على مدار عام ونصف من الحرب، ومع دخول الهدنة نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، تكشف حجم الدمار الهائل الذي أصاب المنازل والطرقات وما تبقى من آثار المجازر المروعة بحق المدنيين العزل.