تدور أحداث رواية «اخترت إلهاً» للكاتب عبد الزهرة علي الصادرة عن دار كلكامش للنشر أواخر عام 2024 في إطار تاريخي واجتماعي يشير إلى التحديات التي تواجه الشخصيات في سياق اجتماعي معقد، إذ تتشابك قصص أبطال الرواية مع ماضيهم وحاضرهم ومعاناتهم. في سعيهم إلى العثور على معنى وجودهم في عالم مليء بالتمزق والحروب الداخلية والخارجية.
الرواية تتناول قضايا مهمة تتعلق بالهوية، وتعايش الأديان والطوائف، والحياة المشتركة في بيئات وثقافات متنوعة، وتستعرض معاناة الشخصيات في استعادة، أو تشكيل هوياتها وسط تداعيات الصراعات السياسية والدينية والطائفية، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003. محور الرواية يقوم على علاقة حب بين (آدم) الشاب المسيحي، و(حواء) الشابة المسلمة، كانا يسكنان في أحد أحياء بغداد التي عرفت بتعايش ساكنيها على اختلاف مذاهبهم، لم يكن أهلها على استعداد لقبول آدم كزوج لابنتهم بعد أن طلب يدها للزواج بسبب اختلاف الديانتين. كان والد آدم أكثر حذراً وخشية من هذه العلاقة، فأسرع إلى إبعاد ولده إلى الموصل برفقة عمّه المطران في كنيسة العذراء في الجانب الغربي من المدينة.
يمكن للقراءة المتأنية للنص أن تأخذ القارئ إلى رؤية ما يوحّد، أو ما يربط بين شخصيات الرواية، كنص حامل لمقومات البناء السردي الموحي. (جانيت) ولدت في ميسان لعائلة مسيحية، صديقاتها كل واحدة من طائفة ودين، (سعدة ساسون) المعلمة اليهودية، تزوجت من حبيبها المعلم المسلم، أشهرت إسلامها كي لا يشملها التهجير القسري من البلاد. سعدة تتبنى أفكاراً يسارية، تنتمي إلى عصبة مكافحة الصهيونية، كانت تحب العراق، و(جمهورية الخوف) في العراق لا توفر الأمان لأبنائها، فغادرته مكرهة بعد أن نصبت المشانق لهم في ساحة التحرير.
تعرّف آدم في الموصل على شخصية (الدرويش)، كانا يمارسان طقوسهما اليومية في تصالح النفس والروح، لقد امتلأت حياته بأفكار الدرويش، غالباً ما يناجي نفسه: أريد إلهاً يركز على الحب والتسامح والجمال، يجعل الإنسان أكثر سعادة، لقد اخترت (إلهاً) برغبتي وإرادتي، من دون وكيل أو وسيط يفرق البشر، أيكون الدرويش هو الربان الذي يقودني إلى مرافئ سعادتي؟
في النص السردي، فعل وسؤال تدور حوله الرواية، فأسلوب الكاتب مليء بالرمزية، ومزج الواقعية بالتصورات الفلسفية، والتأملات الداخلية، ما يمنح القارئ فرصة التفكير والتساؤل. الرواية تتعامل مع مفاهيم الحب الفقدان، والاختيار، وتركز على رحلة البحث عن المعنى وسط بيئة ملغومة بالصراعات التي بدأت تلوح في الأفق، ما يعبّر عنها في فصل (الصراصير) التي اجتاحت الموصل، ومدن أخرى في البلاد، سرعان ما تحولت تلك الصراصر الى وحوش كاسرة. في إحالة واضحة لسنوات الإرهاب الداعشي المحمّلة بالأسى والدماء. يعود آدم إلى بغداد بعد أن همدت أصوات المدافع، يلتقي حبيبته حواء في نفق ساحة التحرير، كانت السماء ملبدة بالغيوم، والرصاص يأخذ طريقه إلى صدور المتظاهرين، رصاصة مجهولة تخترق جمجمة سعدة، التي قررت العودة إلى بغداد بعد 2003، فقدت أم حواء عقلها بعد أن قتل الملثمون زوجها، ثم استشهد ابنها الوحيد في ساحة الاحتجاجات. كانت آخر نظرة لوجه حواء، عندما كان وجهها شاحباً وحزيناً، كانت تتنفس بصعوبة بالغة بسبب النزف المتدفق من صدرها برصاصة حقد توجهت إليها.
اكتسبت الرواية بسرديتها المكثفة دلالات إيحائية مرئية في ماديتها، في معيشها، ومرئية بحكم الطابع المأساوي، أو بحكم حضور الموت الذي تنتهي إليه الرواية في طابعها الإنساني. لقد تعامل الكاتب مع فكرة الحب كمظهر للتحدي، وشكّل التاريخ والزمن عنصراً مهماً في بناء السرد وتطوير شخصيات الرواية، فكان عاملاً مهماً ومؤثراً في تشكيل هوية الشخصيات، وفي تحديد مصيرهم، في هذا السياق يعد التاريخ نوعاً من الحمولة النفسية والاجتماعية التي منحت الرواية طابعها الخاص في تناول أحداث مفصلية في تاريخ العراق المعاصر، ويبدو أن الروائي قرأ تاريخ بلاده جيداّ في تتبعه لأحداث مايو/أيار 1941، وتهجير اليهود، وإعلان الجمهورية في يوليو/تموز 58، وانقلابات 63 و68، وما تلا ذلك من أحداث بعد 2003. كان الزمن في الرواية متغيراً ومتحولاً وفقاً لمقتضيات السرد وتجارب الشخصيات، يأخذ منحى مستقيماً وأحياناً يتحول إلى زمن مرن فيعيد الروائي ترتيب الأحداث.
لم تكن «اخترت إلها» رواية من صنع الخيال، إنما هي حكاية، وحكايات، تنتمي للمعيش، والراهن، وموروث الجماعات، لكنها ليست نقلاً للكلام، فهنا المقصود بالحكاية الفنية، الصياغة البنائية النوعية لها. تنطبق هذه الراهنية على ذكر أسماء الأشخاص، والأمكنة، وتسمية مواضع الأشياء بواقعية المكان، وإظهار هويات المدن، وطابع السلوك ونمط الحياة الاجتماعية، على أن هذه الأجواء تنطوي على مدلولات ترميزية، في مناخ يحافظ على الإيحاء بواقعية عالمه، لذا تبنى الرواية عالمها بالتركيز على عنصر المكان، وتتوسل أداءً تقنياً لا يضير تماسك وتناسق بنيتها، بل يمنحها طابعها المميز، ويغني فضاءها المفتوح على أمكنة عديدة. هل نسمح لأنفسنا بالقول إن «اخترت إلهاً» تتوجه إلى القارئ لوعي واقعه التاريخي والاجتماعي؟ أم أنها صوت داخلي، هو صوت الأنا في علاقتها مع الرب، إذ تنعطف الذات نحو الداخل، لتجعل من هذا العامل موضوعاً يفسر سؤال المرحلة، فقط في هذه الحدود؟
كاتب عراقي