الترانسفير «الطوعي» حين يُطرح من بعد حرب إبادة

وسام سعادة
حجم الخط
1

لم تسمح مدة الـ467 يوماً من الحرب ذات المنحى الإباديّ في غزة لا بتهجير معظم سكان القطاع منه، ولا بإخراج حركة حماس منه. ومع أن إسرائيل لا تنفك تشدّد بأنها لن تسمح بعودة سلطة حماس، لا تزال الأخيرة هي القوة المسيطرة في شوارع المدن والمخيمات المدمرة، وقد استطاعت الحفاظ على هيكلها التنظيمي والإداري للقطاع بعد كل هذا التدمير والرعب والدم المراق. في المقابل، أصيبت البنية التحتية العسكرية لحماس بضربات قاسية، وجرى تدمير عدد كبير من الأنفاق التي كانت تستخدمها، وتقلصت قدرتها على تأمين الموارد المالية، ولئن تفاوتت التقديرات حول عدد مقاتليها الذين قتلوا خلال الحرب، بين إسرائيل التي تتحدث عن مقتل 17 ألفا منهم، وبين تقديرات ترجع هذا الرقم إلى عتبة العشرة آلاف، وفقدت عدداً من قادتها البارزين وفي طليعتهم يحيى السنوار ومحمد الضيف، فإن الانطباع العام وان يكن الضبابي بأن الحركة تمكنت من الحفاظ على وجودها بشكل أفضل مقارنة بحزب الله بعد شهرين من الحرب التدميرية ضده، المتممة لحرب «المشاغلة» التي تواصلت 11 شهرا قبل ذلك. فالحزب كان يعتمد بشكل كبير على زعامة كاريزمية بل أبوكاليبسية، مجسدة في شخص حسن نصر الله، وخسرها، وقد خسرها بعد تفجيرات آلاف أجهزة البيجرز التي عكست أيضاً فضيحة «تسوّس» داخلي متقدّم لجهاز الحزب الأمني، واستكملت بالقضاء على قيادة وحدة النخبة، «فرقة الرضوان» ولم تظهر رغم كل الإطناب الدعائي فعالية هذه الفرقة في المعارك الميدانية بالجنوب، بل أن تشكيلات أقل احترافية منها بدت ديناميكية أكثر في القتال بمدينة الخيام وسواها، وقد كان ذلك أول الحرب، وقد أوقفت هذه الحرب باتفاق يقضي بتفكيك ما بحوزة الحزب من أسلحة في منطقة الجنوب وتسليم الجيش اللبناني هذه الأسلحة إلى لجنة مراقبة تنفيذ الاتفاق برئاسة الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، مبدئياً لاتلافها. زد على ذلك أن سقوط نظام آل الأسد أعاق شبكة إمداد الحزب بالبر، ويأتي الضغط على حركة الملاحة بين طهران وبيروت لتكبس أكثر فأكثر حتى على قدرة الحزب على دفع بعض التعويضات لأهالي المناطق المنكوبة عن بيوتها المدمرة، الأمر الذي يشير إلى بداية التهاب كبير في الداخل اللبناني، لا يمكن الاكتفاء منه بالمشاهد الحاصلة في اليومين الماضيين من تحركات غاضبة في الشارع، ومن إحراق سيارات لليونيفيل، الأمر الذي وصفته الأخيرة بالانتهاك الخطير للقانون الدولي، الذي من الممكن أن يرقى إلى جريمة حرب.
في مقابل نكبة الحزب الخميني اللبناني بسقوط النظام الأسدي، كان إسلاميو فلسطين من جملة من سعد وفرح بهذا السقوط، الأمر الذي كان وقعه كئيباً على جماعة الحزب، وقد رأوا أنهم ضحوا بأغلى ما عندهم، عبثاً، من أجل التضامن مع قطاع غزة وأهلها ومع حركة حماس بالتحديد، في وقت تخلت الأنظمة العربية «السنية» عن أهل القطاع، بل حتى الحركة الشعبية العربية لم يظهر لها أي تحرك استثنائي في أي مدينة عربية – خارج اليمن والعراق والأردن – منذ 7 أكتوبر إلى اليوم، رغم كل المبثوث من صور ووقائع الحرب ذات المنحى الإبادي. والحال أن الشارع العربي، المغتبط بشكل أوفوري في اثر 7 أكتوبر، ثم المنخفض وتيرة الاحتجاج على الحرب، بل الذي لم يقم بأي ضغط يذكر على الأنظمة القائمة لرفع سقف موقفها، ظل مع ذلك أكثر تعاطفاً مع حماس، مقارنة بلامبالاة فظيعة حيال مصاب «حزب الله» وشيعة لبنان – إلا حين يتعلق الأمر بشيعة العراق، وحتى هنا، ليس بالشكل الاستثنائي. هذا في مقابل برود نوعي في الشارع الإيراني حيال غزة أو حيال لبنان.
مع هذا، تقتصد حركة حماس في الخطاب «الانتصاروي» مقارنة بأمين عام حزب الله نعيم قاسم الذي ذهب إلى أن حزبه حصد في الحرب الأخيرة انتصاراً هو أعظم من حرب تموز. تدرك الحركة أن تفشيل العمل الإسرائيلي المحموم على استئصالها لا يعني أنه سيكون مسموحاً لها إعادة تركيب سلطتها كما كانت الحال سابقاً، قبل 7 أكتوبر. تدرك أيضاً أن إعادة إعمار القطاع هو مسألة خطيرة، ومن هنا يمكن فهم ما يقترحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والبلبلة التي أحدثها مقترحه.

مقترح ترامب وفشل إسرائيل في محو حماس

فما يطرحه ترامب هو تهجير «طوعي» لسكان القطاع من دون حرب جديدة. فقط من خلال عدم السماح بإعمار بيوتهم طالما ما زالوا هناك، والشروع في الأعمار فقط حين يغادرون ويتوزعون ويتفرقون بين الأمم. إلى حد كبير يغطي مقترح ترامب على فشل إسرائيل في محو حماس والحؤول دون رجعتها لتسيطر على تجمعات السكان في القطاع المنكوب، هذا ان انقطعت سيطرتها عنهم طوال الحرب. لكنه مقترح يبني أيضا على الكارثة البشرية والعمرانية الكبرى التي تسببت بها الحرب، أضعف للاضعاف الكبير في بنية الحركة العسكرية ومواردها المالية. يبني على أن حياة الناس في القطاع بعد الحرب ستكون بمعنى ما، «أصعب». من دون شغل، من دون قوت، من دون مقومات الحياة، هذا بالإضافة إلى حرب ترامب على وكالة غوث اللاجئين «الأونروا». يراهن ترامب على أن الدول العربية لئن رفضت مقترحه بفتح أبوابها لفلسطينيي غزة، فإنها في المقابل ليس بمقدورها إعادة إعمار القطاع طالما الأمر ممنوع عليها أمريكيا وإسرائيليا. لن يرغم ترامب هذه الدول على فتح أبوابها، ولن يعلق المساعدات لها. يكفيه أن لا يسمح لها بإنجاد سكان القطاع. ثم أن الذين تركوا القطاع طيلة الحرب وصل عددهم إلى مئة ألف، والحياة القاسية اليوم بعد الحرب ستؤدي أيضاً إلى تراجع معدل العيش في القطاع. هنا يطرح ترامب نفسه على أنه الضنين على حياة هؤلاء السكان، إنما فقط باخراجهم من القطاع. المخيلة الكابوسية للرئيس الأمريكي تطرح التالي: انه لحماية فلسطينيي غزة من عيشة الدمار والموت هذه عليهم أن يعيشوا سعداء في مكان آخر، وأن الأرض ستسعد بدورها بخلوها منهم، وباستثمارها عقارياً وسياحياً. تفكيك المخيمات، وإقامة منتجعات. فطالما يعيش الفلسطينيون في غزة، يجد هذا المنطق الكابوسي، انهم سيظلون تعساء، وطالما هم تعساء سيتعسون غيرهم، ولن يتمكنوا من إخراج فكرة تدمير إسرائيل من رأسهم، وليس لدى إسرائيل ما تقدمه لهم بالمقابل غير الموت والدمار. اخرجوا هؤلاء الأبرياء من براثن حليفنا المتوحش يقول ترامب، لأنهم طالما هم في جوارهم يتوحشون بلا طائل، ويتوحش هو الآخر، ونتوحش جميعاً معه. إذا لأنسنة الأمور لا بد من إخراج الإنسان من أرضه، ببعثرته بين البلدان. فض كل كلام حول دولة فلسطينية ان في غزة أو في الضفة. العودة إلى موّال أن فلسطين البريطانية كانت تعني شرق وغرب نهر الأردن، وأن التقسيم العادل الحاصل هو إعطاء كل غرب النهر للدولة اليهودية، وكل شرق النهر للدولة العربية.
لا يمكن للنظام الإقليمي العربي على تصدعه واهترائه احتمال سريان هذا المنطق. في المقابل، ماذا يفعل؟ بأي مقررات يخرج؟ هل يمكن إعادة تسويق حل الدولتين الآن؟ هل يجدي إعادة طرح مبادرة بيروت للسلام على أساس حل الدولتين هذا؟ هل بالمستطاع إحياء ما كان يسمى «الحل المصري الأردني»، بشكل أو بآخر، بإعادة ربط قطاع غزة بمصر، والضفة الغربية بالأردن؟ هنا أيضا يعيش هذا النظام الإقليمي العربي على قاعدة محاولة اجتناب كل صعوبة في التفكير، وكل مجازفة في التقرير. يريد أن يتحاشى تطبيق ما يطلبه ترامب منه، لكنه لا يريد ولا يقدر على طرح شيء جديد عملياً عن مبادرة السلام العربية. هل تقول هذه الدول لنفسها، نقطّع الوقت ريثما يتحسن ميزان القوى العالمي، أو تنتهي ولاية ترامب؟ وهل أساسا، تراجعت رغبة بعض هذه الدول في أن يواجه ترامب إيران، و«بعدها لكل حادث حديث»؟ أيا يكن من شيء، فلئن كان بمستطاع هذه الدول رفض الترانسفير، فليس بمستطاعها من تلقائها التجاوز على المنع الإسرائيلي الأمريكي لإعادة إعمار القطاع من دون التوصل لتفاهم حول مآل هذا القطاع. هنا، بالتحديد، يظهر أخطر ما يطرحه ترامب: انه لا يطرح الترانسفير القسري، بالشكل المباشر، بل الترانسفير «الطوعي». تسحب كل مقومات الحياة من مكان، وتقول للناس بعد ذلك لكم حرية الخيار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية