فرح قدّور: «بدا» يعبر عن أفكاري ومشاعري وعاد البزق ليتألق بعد اهمال ملحوظ

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بعد تميزها على المسرح ترجمت حبها للبزق بألبوم موسيقي غلب عليه الارتجال

بيروت ـ «القدس العربي»: قررت عازفة البزق الشابة فرح قدّور أن تقول أفكارها ومشاعرها في ألبوم «بدا»، فولدت خمس مقطوعات مرتجلة داخل الأستوديو، ومقطوعة من التراث العربي، وأخرى من تأليفها. الاستماع إلى «بدا» لمرة يقول بضرورة تكرار المحاولة، لأن جديداً سيظهر مع كل سماع. ومساحة الاقتراب أكثر من نغمات البزق الواضحة ستزداد.
محبو الموسيقى الشرقية يعرفون فرح قدّور من مترو المدينة، ظهرت على مسرحه مراراً، وما تزال. كبُرت حولها دائرة المحبين، وبات حضورها منتظراً، في هذا المسرح وسواه. حضورها على المسرح يقول بجديتها ومثابرتها في كل لمسة من ريشتها على أوتار البزق الست.
ألبوم «بدا» لم يبلغ العام من العمر. ومنه انطلق الحوار مع فرح قدّور:
○ لماذا ألبوم «بدا» الموسيقي الآن؟ ما هو هدفك منه؟
• لإنجاز الألبوم أسباب مباشرة وغير مباشرة. في الأسباب المباشرة أن الموسيقي اللبناني ومهندس الصوت رضوان مومنه، الذي يعيش في كندا منذ سنوات طويلة ويملك أستوديو «أوتيل تونتغو» أسس شركة إنتاج للموسيقى، تواصل معي في نهايات سنة 2022 سائلاً إن كنت أرغب بتسجيل ألبوم صولو؟ وحينها لم تكن عندي حفلات صولو بعد. بل كنت أرتجل، أو ألعب قليلاً منفردة خلال الحفلات. صدف حينها أني كنت أشارك في حفل من تنظيم جمعية العمل للأمل في المكسيك، ولعبت صولو. وتشجعت للمباشرة بإعداد ألبوم. والسبب غير المباشر، شعوري الدائم برغبة التعبير كموسيقية. وأن ألعب بعيداً عن الريبرتوار الموسيقي القديم. أشعر بما يجب إيصاله من أفكار من خلال الموسيقى وآلتي تحديداً، وفي وقتنا الراهن. كيفية التأليف والارتجال التي امتلكها تشعرني بضرورة التعبير. دوافع التعبير كانت وما تزال ترافقني. والآن باتت لأفكاري مساحة ترجمتها موسيقياً، وصارت ألبوماً.
○ لم يكن للبزق حضوره الدائم في الفرق الموسيقية سابقاً. ماذا عن الحاضر؟
• قبل الألفية الثالثة لم يكن البزق قوي الحضور في الفرق الموسيقية، وعاد ليأخذ مكانته مع مطلعها وبالتدريج. البزق آلة تنتمي تراثياً لموسيقى الغجر، وتُصنّف من ضمن الآلات الفولكلورية. ومنهم من يعرف البزق ولا يعرف العود. في ذاكرة الناس المتصلة بفن الأخوين رحباني أنهم كانوا يعرفون البزق جيداً. صوته حاد، ويحتل مكانه، ويسرق السمع حين يلعب مع آلات متعددة. طبيعة صوته هي التي حدّت مكان وجوده بين مختلف الآلات في الفرق الموسيقية. عازفا البزق مطر محمد ومحمد عبد الكريم نالا قسطاً كبيراً من الشهرة كلاعبين منفردين. إلى جانب شهرتهما كمؤلفين ولاعبين في فرق موسيقية. على سبيل المثال ولدى افتتاح إذاعة القدس في آذار/مارس من سنة 1936 كانت آلة البزق ضمن فرقتها الموسيقية. تواجدت آلة البزق ضمن الخط الموسيقي الشعبي كلياً، في الجلسات والخيم حيث الجميع يرغب بسماع رنّة البزق. سعى الموسيقيون لاستعمال هذه الآلة، وأن تكون حاضرة في حفلات المسرح والتلفزيون. وهكذا لازم حضورها علامة استفهام، إلى أن اختفى نسبياً، بعد رحيل الرعيل المبدع في لعب البزق. وهنا أشير إلى تجاهل الدولة لدوره في الفرق الموسيقية، حيث البزق آلة غير معتمدة في البرنامج الأكاديمي في المعهد الموسيقي الوطني. ولم أشاهده مطلقاً ضمن برنامج تلفزيوني يشرح دور الآلات في الفرق الموسيقية. وهذا ما ساهم في التعتيم عليه كآلة. في مرحلة ليست بعيدة اتقنت مجموعة من الموسيقيين اللاعبين للعود، البزق منهم فرج حنّا. فبعد سماعه المتكرر لمطر محمد جذبته الآلة. بالنسبة لي رأيت البزق عندما أحضرها صديقي هشام حلاّق الذي تعلمت وإياه الموسيقى في عكّار، هو من عرّفني إلى البزق. يمكن القول بدور للصدف منذ بداية الألفية الثالثة مما أتاح لآلة البزق العودة للاستحواذ على مكانتها بين آلات الفرق الموسيقية. ومن ثم كان للمؤسسات التعليمية دورها في نشر الآلة كما جمعية العمل للأمل. إنها ثمرة وعي موسيقي من الذين وضعوا البرامج بضرورة الإضاءة على هذه الآلة، بعد اهمال ملحوظ وغير مقصود.
○ ماذا عن مضمون ألبوم «بدا»؟ وهل العنوان مستوحى من «لمّا بدا يتثنّى»؟
• عندما نكون حيال ألبوم أغنيات يسهُل اختيار العنوان من كلماته. وجدت صعوبة في تسمية المقطوعات كونها تحمل الكثير من المشاعر. بعد إنجاز تسمية المقطوعات، كان لا بد من عنوان للألبوم. فكرت بعنوان متصل بالبدايات. فعملي هو صولو بزق، ومرّ زمن لم نسمع ما هو مشابه. وفي جلسة تشاور مع صديقتي سارة زين خرجت بعنوان «بدا». وفسّرت «بدا» بما تعنيه في الفصحى ظهر، وفي العامية «بلّش». مباشرة وافقت، خاصة وأن لفظه باللغات الأجنبية سهل.
○ في مقطوعة «تردد» كأنك في مشوار يقف ثم ينطلق. هل التردد سمتك؟ هل يمكن عزفها على المسرح؟
• سأخبرك قصة هذه المقطوعة وكيف أعزفها على المسرح. مقطوعة «تردد» تشبه بناء القصة التي نضيف إليها عوامل صغيرة، لنبدأ بالتدريج سلسلة الإضافات وصولاً لتظهيرها الكامل. «تردد» منطلقها التردد بالإقدام على فعل، إلى تردد ذبذبات البزق. لجأت إلى «هارمونيكس» من خلال البزق. كان التحدي بالوصول إلى جديد نجهله سابقاً في الأصوات المتاحة لهذه الآلة. «تردد» هي المقطوعة المتميزة بالكثير من التجريب في الألبوم. أسعى لطرح الصوت إلى جانب طريقة تفكير من خلال جمل موسيقية غير مشابهة لما ألعبه. «بدا» ألبوم يغلب عليه الارتجال، و«تردد» تقع بين المرتبتين. لجأت للجُملة التي كانت تسكن عقلي سابقاً، وبدون خطة مكتوبة. اكتملت هذه القطعة خلال تسجيل «تردد». كيف قررت تثبيت لحن في هذا المكان، وتثبيت ارتجال في مكان آخر، هو فعلاً ما نسمعه في الألبوم، ولم أكن قد حضّرته من قبل. أسلوبي في التأليف عماده امتلاكي لموتيف صغير، انطلق في لعبه وصولاً لشكل مقطوعة ألعب منها الجزء الثابت على المسرح، إنما على الدوام هي ليست شبيهة بما هو موجود في الألبوم. يمكن للمتلقي على المسرح أن يُقدّر أنه يسمع «تردد»، إنما في الإرتجال هناك جُمل موسيقية مختلفة.
○ لماذا يفضي الاستماع إلى «تردد» بأن أوتار البزق تتألم؟
• ألبوم «بدا» يعبّر عني. ولم أكن أصرّ على إخفاء ما أعيشه كإنسانة. «تردد» هي شخصيتي في مرحلة محددة، وتتضمن أفكاري ومشاعري.
○ حتى المتلقي المبتدئ مثلي يدرك أنه مرتجل؟
• كذلك مقطوعة «في البامب» مرتجلة، وتتصل بمدى ما نتمتع به علي الحوت وأنا من قدرة على التواصل الموسيقي فيما بيننا. زملاء موسيقيون اعتقدوا أننا كتبناها. وهو تعبير غاية في الإيجابية ويُظهر التناغم العالي بيننا. أن يلمس المتلقي بأن الإرتجال مكتوب فهذا قمة في طموحنا.
○ «سابع أرض» خلطة منوعة من الموسيقى والآلات. هل هي تأليف؟
• نعم «سابع أرض» قطعة مؤلفة يتخللها ارتجال بسيط. سبق وسجلناها بالتعاون مع مهرجان «بيروت أند بيوند». «سابع أرض» تقول منحى تفكيرنا كفريق موسيقي منتمي لمجموعة «تلت». مقطوعة تُظهر بوضوع الناحية الشعبية في الموسيقى. وتُظهرنا جميعاً في حالة تجريب واختبار مع الآلات التي نعزفها. وتُظهر كيفية إعادة صياغة الجملة الموسيقية. الجملة الأولى من المقطوعة تقول كيف تصرفنا بالإيقاعات بطريقة غير مألوفة. والجزء الثاني يقول الموسيقى الشعبية التي نحبها جميعنا.
○ في مقطوعة 9/4 بعض من الموسيقى الإلكترونية أليس كذلك؟ وثانياً ما هذا الإسم؟
• إنه رقم الإيقاع الذي بنيت على أساسه المقطوعة الموسيقية. لقد ابتكرنا إيقاعاً جديداً وزنه 9/4. وتأتي هذه المقطوعة من ضمن مشروع صنم الذي بدأ سنة 2022 ويضم ستة موسيقيين أنا واحدة من بينهم. في مشروع صنم نحن نؤلف معاً، وألبومنا المقبل موعده في أيلول. مشروع يجمع بين آلات الدرامز، والموديلير، والغيتار والبزق، وصوت ساندي شمعون.
○ غالباً ما تتعاونين موسيقياً مع علي الحوت وسماح أبي المنى. لماذا؟
• أنه لقاء مع أشخاص يجمعني بهم تفكير مشترك، ومشاعر مشتركة حيال الموسيقى. وهذا ما يؤدي لمشاريع مشتركة بالطبع. وثمة مشاريع مع آخرين. ولدى اللقاء بيننا نحن الثلاثي لا شك بأنه يؤدي إلى جديد. ولهذا كانت فرقة «تلت».
○ يبدو أنك مثابرة جداً وتعشقين آلتك. كيف تطورت علاقتك بآلة البزق وهل كان الطريق سهلاً؟
• مررت بمراحل متعددة. لسنوات كنت ألعب الريبرتوار الموسيقي القديم. وساهم مترو المدينة بنقلة نوعية في وجودي على المسرح. على المسرح، أكون كلاً متكاملاً مع آلتي، ومن ثم اتواصل مع الجمهور. مترو المدينة فتح لي فرصة الإطلاع على ريبرتوار قديم لم أكن قد تصديت له من قبل. لاحقاً بدأت أكتشف بأن صوت آلتي يتيح لي الكثير، بخلاف المشاريع التي أعمل فيها. عامل آخر ساعد في حضوري وذكره غير محبذاً لي، وهو أني أنثى تعزف البزق. معركتي الحالية تتمثل بتحقيق ذاتي الموسيقية من خلال آلتي بغض النظر عن كوني فتاة. هي معركة حقيقية لأني أرفض ربط نجاحي بكوني فتاة، وقبولي لهذا التصنيف يعني استحالة مغادرته. ردي على هذا التصنيف بالاجتهاد لأتمكن من إيصال الفكرة التي أريدها. وبأني موسيقية بغض النظر عن كوني فتاة أو شاب. نعم للمثابرة والأبحاث دورهما مع الصدف بالطبع. بيروت كان وجهها جميلاً على مسيرتي. أخذت مكاني فيها رغم وجود الكثير من الموسيقيين ومشاريع الموسيقيين. إنه تراكم عوامل وأدت لفرح قدّور الحالية.
○ وهل البزق آلة للذكور؟
• في البحث على غوغل هنّ قِلة في لبنان، وهنّ إلى إزدياد والحمد لله. في حين أنهنّ كثيرات جداً في تركيا.
○ وهل علّمت إحداهنّ على هذه الآلة؟
• نعم في جمعية العمل للأمل. الصبية هبة دحّوس من اللواتي سلكن الطريق، وتتمرن بشكل واعد.
○ وإلى أين وصل تعاونك مع دار قنبز؟
• للمشاريع في دار قنبز جانبها التوعوي. لهم هدفهم البنّاء في الحفاظ على التراث في بلدنا بدءاً من الطعام وصولاً إلى الموسيقى وغيرهما الكثير. اتفق معهم على أفكار ورؤى، ولهذا كان القرار بضرورة إطلاق ألبوم «بدا» في أهل الدار بدار قنبز، وهذا ما حصل. إن شاء الله يستمر هذا التعاون على صعيد التعليم، إلى محاضرات ذات صلة بهذه الموسيقى وهذه الآلات.
○ هل ما زلت تستغربين سؤال لماذا البزق؟ وهل تُسأل السيدات لماذا العود أو التشللو مثلاً؟
• بالتأكيد يُطرح السؤال حتى بعد 15 سنة من الاحتراف. وأظنه غير وارد لعازفة العود أو التشللو. منبع السؤال من كون عازفات البزق نادرات. ربما يرى مجتمعنا النساء مع الكمان والبيانو. فوّاز باقر المشرف الفني على مدارس جمعية العمل للأمل، كان مديراً للمعهد الموسيقي في حلب، ألزم الراغبين بدراسة الموسيقى بآلة الدف أولاّ. دافعه نحو ذلك أن العائلات الغنية الحلبية كانت ترغب بتعليم بناتها البيانو والكمان فقط لا غير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية